فن النظافة.. وإعادة تشكيل المحيط

مازالت النفايات تملأ الدنيا وتشغل الناس

يلعنها الكل ويهرب منها ويبحث لها عن مقابر جديدة لدفنها فضاقت وباتت تزاحم البشر في الشوارع والساحات والأحياء
لم يطرح بعد سؤال ماذا لو نقرر يوما احتضانها والتعامل معها ككنز نفيس ومادة للإبداع ومصدر للإلهام؟
على طريقة أحمد قدري في تثمين البلور المهشم وبدر الدين العلمي في رسكلة الكرتون، تتواتر التجارب والمبادرات التي تلتقي حول شعار:
النظافة ثقافة
ومن لم يمر في نفسه شيء جميل لم ير في الدنيا شيئا جميلا
المحيط وضع البيئة مرآة عاكسة لدرجة تحضر الشعوب
وحال دورات المياه العامة محرار لتقييم مستوى رقي المجتمعات وتطور البلدان ونموها الحقيقي
ذاك ما بينته الدراسات وثبتتها البحوث والتقارير المتطابقة وجدد فكرتها الفنان والإطار البلدي كمال الزغيدي الذي أبهر كل من تابعوا تجاربه واكتشفوا أعماله الفنية المنتجة من تثمين القمامة ورسكلة الفضلات.
البلدي الفنان يتحدث بنبرة ثقافية راقية بهرت المذيعين والصحفيين من شتى التلفزات والاذاعات ولفتت المسؤولين وقدمت نموذجا للحل الجذري لمعضلتنا البيئية الذي لا يمكن إلا أن يكون عبر التنشئة والتربية وتعميم قيم احترام البيئة والمشاركة الطوعية في صونها والارتقاء بها
قبل عامين نشر لباحث طلال نجم سالم بحثا في علاقة التربية البيئية بالفن
تعد البيئة المحيط الحيوي للإنسان وأهميته في استخدام الفن بوصفه مدخلا لتنمية الوعي الجمالي بالفن البيئي، من خلال ارتباط فكرة الإبداع في الأعمال الفنية، لما يتضمنه من توظيف جمالي فضلًا عن تطويع البيئة باستخدام الآليات والتقنيات لتجميل المكان؛ لتلبية المتطلبات الانسانية سواءً أكانت تربوية أم اجتماعية؛ لأن البيئة والفن والإنسان يلتقون ويحققون إنجازًا يؤثر على المتلقي المتعلم بكيفية الاستفادة من البيئة لما لها من تأثير على سلوكه ووعيه الجمالي، أما الفصل الأول من البحث فهو تعريف بمشكلة البحث وأهميته وأهدافه؛ إذ قامت الباحثة بتحليل أهم المصطلحات الواردة أما الفصل الثاني تضمن مبحثين عني الأول الفن البيئي المفهوم والمعنى . أما الثاني علاقة الفن البيئي بالوعي الجمالي أما الفصل الثالث احتوى على إجراءات البحث وتضمن مجتمع البحث(30) عملًا فنيًّا وبطريقة قصدية، وتم اختيار(3) أعمال فنية للتحليل. أما أداة البحث حددت (5) مجالات للفن البيئي التي تمثلت ب(عناصر العمل الفني، أساليب إظهار الفكرة كتنفيذ وتقنيات مستخدمة المحفزات والمثيرات المضمون التربوي، والوعي الجمالي المضمون والفكرة) واستخدمت الباحثة الوسائل الإحصائية ومعامل ارتباط بيرسون لحساب نسبة الاتفاق بين المحللين. أما الفصل الرابع، فقد احتوى على نتائج البحث التي تمثلت بالفن البيئي بما يحتويه من آليات وتقنيات مختلفة، تشكل عمومًا مزيجًا من المشاركة بين المتلقي والعمل الفني مما يخلق حوارًا ينمي المعرفة والوعي الجمالي عن طريق توظيفه للتقنيات والمواد المستخدمة. أما الاستنتاجات تمكن الفن البيئي من المساعدة على التواصل مع المتلقي،من خلال أعمال فنية بيئية غيرت الطريقة التي يرى المتلقي فيها الفن، مما عزز علاقة الإنسان بالعالم الخارجي،
تحت عنوان تجربة تونسية نادرة.. تحويل النفايات إلى تحف فنية لحماية البيئة نشرت مجلة إرم العربية قراءة في تجربة كمال المتفردة وسيرته الفنية والبيئية المميزة
أدو تجربة إعادة تدوير النفايات بشتى أنواعها تجربة ملهمة في تونس، وسبيلًا لفتح آفاق جديدة في مجالات عدة، كالاقتصاد والإبداع الفني، وذلك من خلال استغلال النفايات المهملة والمعدومة القيمة وتحويلها إلى مصدر للإبداع ونشاط حرفي له مكانته في الدورة الاقتصادية.
لم يكن الفنان التشكيلي التونسي كمال الزغيدي، يؤمن في البداية أن نفايات النسيج والبلاستيك والمعادن المهملة قادرة على أن تكون منطلقًا لنشاط فني يتجاوز كونه هواية إبداعية، ليكون مجالًا حرفيًا واقتصاديًا نشيطًا. لكن عمله في البداية كمنظف بلدي في بلدية المنستير (وسط)، وتعامله اليومي مع سائر النفايات حفزه للانطلاق في مشروع فني يعتمد على تدوير النفايات وتحويلها إلى أعمال فنية تهدف إلى خدمة الطفولة والمساهمة في إدخال البهجة إلى قلوب الأطفال.

ويعد كمال واحدًا من مئات الفنانين التشكيليين العصاميين في تونس، وأحد المبدعين بمجال استغلال الفن في تدوير النفايات وتحويل الأشياء المهملة، والتي زالت فائدتها، إلى مجسمات وتحف فنية ذات قيمة كبيرة، والذين وجدوا في عدد من التظاهرات الفنية مجالًا لعرض مواهبهم وفتح آفاق جديدة في مجال استغلال الفن في تثمين النفايات المهملة.
وتشهد تونس خلال الأسبوع الجاري تظاهرة فنية وبيئية في الوقت نفسه، وذلك بإعادة تدوير النفايات ضمن أسبوع البيئة، الذي يمتد إلى 12 يونيو الجاري، بإشراف وزارة البيئة والوكالة الوطنية للتصرف في النفايات، والمؤسسة الألمانية للتعاون الدولي.
وكشف مصدر بوزارة البيئة التونسية أن «التظاهرة تهدف إلى تسليط الضوء على أهمية تثمين النفايات في الحفاظ على البيئة ونظافة المحيط من جهة، ومنح فسحة للمبدعين لإعادة الحياة لأشياء منعدمة القيمة وتسويقها في حلة جديدة، من جهة أخرى».
وقال المصدر لـ«إرم نيوز»، إن «تونس تسعى إلى خلق مقاربة جديدة لتوثيق الصلة بين الاقتصاد بتدوير النفايات وتثمينها وحماية المناخ من جهة والفن أيضًا».
ويقول الفنان التشكيلي، كمال الزغيدي، لـ«إرم نيوز»: «الاقتصاد الدائري مجال ذو أهمية كبيرة، ليس فقط اقتصاديًا وماليًا، وإنما أيضًا فنيًا واجتماعيًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمبدع هو في الأصل منظف بلدي، لكن الإشكال الأكبر الذي يعترض مشاريعنا الفنية والبيئية هو السياق التشريعي الذي ننشط فيه.. نحن لا نحظى بدعم السلطات التي تشترط أن تكون تلك الإبداعات الفنية تحت لواء جمعية أو ناد أو غيرهما من الهياكل المعنوية».
وحول تجربته مع تدوير النفايات واستغلال الفن خدمة للاقتصاد، يقول الزغيدي: «البداية كانت عام 2015، كنت ألاحظ النفايات المهملة في الشوارع، والفضلات المعدنية أو البلاستيكية أو الورقية والنسيج، كل شيء هو قابل للتدوير ما عدا النفايات العضوية.. شرعت لأول وهلة في تصور بعض المجسمات انطلاقًا من هدف خدمة الطفولة، وذلك إيمانًا مني بأن كل مشروع فني لا بد أن ينطلق من الأساس، ويكون موجهًا للطفل.. صنعت مجسمات للحيوانات مثل الزرافة والأسد والجمل والفيل وسائر الحيوانات، اعتمادًا على أكياس الإسمنت.. الفضلات منتشرة بكثرة في الشوارع، واستغلال تلك النفايات المهملة والملوثة للبيئة هو عمل إبداعي ومساهمة في البيئة النظيفة أو الاقتصاد الأخضر».
يعتمد كمال على مواد ونفايات صديقة للبيئة وصحية في الآن نفسه، خصوصًا أن بعض أعماله موجهة للأطفال، وشارك الفنان التشكيلي في عشرات المعارض والمهرجانات الخاصة كان آخرها عام 2021 عندما حصد شهادات الإشادة والإعجاب بفضل مجسماته ضمن مهرجان لتدوير النفايات في العاصمة تونس.
كما شارك في معارض أخرى وقدم مداخلات حول تجربته الملهمة في ملتقيات علمية حول التصرف الابتكاري في النفايات من أجل التنمية المحلية، وذلك في محافظة المنستير (أكتوبر 2021).
ويرى كمال الزغيدي أن السلطات التونسية مطالبة بمعاضدة جهود المبدعين والفنانين المتخصصين في تدوير النفايات وتحويلها إلى أعمال فنية، خصوصًا أن فائدة ذلك مزدوجة، وتتمثل في الحفاظ على بيئة نقية وإثراء المجال الفني في آن واحد، مشيرًا إلى أن خوض المنظف البلدي لمثل هذه التجارب يعد تحديًا خاصًا بالنظر إلى الصعوبات الاجتماعية التي يعيشها والمخاطر التي تتهدد صحته، على حد وصفه.
وترتكز تجارب تدوير النفايات باعتماد الإبداعات الفنية في تونس أساسًا على برامج وزارة البيئة والوكالة التونسية للتصرف في النفايات، فضلًا عن مؤسسات محلية وأجنبية تدعم المشاريع الفنية، وتشجع أصحاب المبادرات الخاصة في مجال إحياء النفايات وتثمينها.
وفسحت تظاهرة الفن لخدمة الاقتصاد الدائري وإعادة تدوير النفايات المجال أمام أصحاب المشاريع من الشباب لطرح مشاريعهم ومجال إبداعاتهم للاستفادة من إعادة تدوير النفايات والأشياء المهملة في أعمالهم الفنية.
جذور التربية البيئية القائمة على الفنون كما تم تطويرها في فنلندا
صاغ مصطلح «التعليم البيئي القائم على الفنون» (AEE) لأول مرة معلم الفن الفنلندي ميري هيلجا مانتيري في التسعينيات. يصف مانتير AEE كشكل من أشكال التعلم الذي يهدف إلى تطوير الفهم البيئي والمسؤولية «من خلال أن تصبح أكثر تقبلاً لتصورات وملاحظات الإحساس وباستخدام الأساليب الفنية للتعبير عن الخبرات والأفكار البيئية الشخصية». [2] تعمل الخبرات الفنية على تحسين قدرة المرء على الرؤية ؛ يساعدون المرء في المعرفة والفهم. لذلك ، تؤكد أن هذه يمكن أن تكون ذات قيمة عالية في التعرف على البيئة. يمكن اعتبار وصف مانتير لطريقتها في التعليم البيئي القائم على الفن كمحاولة أولى للتعريف:
«ماذا أفعل بصفتي خبيرًا في البيئة وكمعلم فنون؟ بعبارة بسيطة: أحاول دعم التصور الجديد ، والمتعة الشخصية القريبة ، والمتعة بإدراك العالم من القلب. ولتحقيق ذلك ، من الضروري توقف ، وكن هادئًا واستمتع بالوقت والشعور بالأمان النفسي من أجل إدراك المجهول ، وأحيانًا ما يكون جامحًا وغير متوقع. في بعض الأحيان ، هناك حاجة إلى تدريب واعي للحواس ، وفك تشفير الصورة النمطية. طرق للتعبير عن تجارب المرء البيئية ومشاركتها والتي قد تكون جميلة أو مثيرة للاشمئزاز أو سلمية أو مهددة. أنا أدعم وأيسر المحادثة مع البيئة.
باختصار ، يستند مفهوم Mantere لـ AEE إلى الاعتقاد بأن الحساسية تجاه البيئة يمكن تطويرها من خلال الأنشطة الفنية بصفتها فنانة ، وكمعلمة ومعالج ، جاءت لتجد أن العودة إلى أساسيات العملية ومهارة الإدراك أكثر وأكثر أهمية. [5] هنا ، يعتبر السؤال عن كيفية إدراكنا وكيفية تلقي أو رفض رسائل البيئة أمرًا محوريًا. من المهم التأكيد - لأنه يتعارض مع الادعاءات المحتملة بتبني وجهة نظر رومانسية للغاية عن الطبيعة - هو أن هناك أيضًا مجالًا للجانب «الظل» من التجربة ، لمشاعر الاشمئزاز والخوف والألم.
السنوات الأولى من التطوير
تعود السوابق التاريخية للتعليم البيئي القائم على الفنون كما تم تطويره في فنلندا إلى عام 1971 ، وهو العام الذي عُقد فيه أول مؤتمر إقليمي أوروبي لـ InSEA في ذلك البلد. جمع معلمو الفن الفنلنديون جهودهم لترتيب هذا الاجتماع مع الموضوع الشامل «حماية البيئة في التعليم الفني». Pirkko Pohjakallio متخصص في مناهج متعددة التخصصات للتعليم البيئي في سياق تعليم الفن الفنلندي منذ السبعينيات. نقلاً عن Kauppinen (1972) ، تقدم الأساس المنطقي للمؤتمر في ذلك الوقت: «كان أحد أسباب صنع الموضوع هو الرغبة في التأكيد على تنوع وتنوع مشاكلنا البيئية - [هم] ليست بيولوجية واقتصادية واجتماعية بحتة ولكن أيضًا المواد الجمالية ، وبالتالي فهي جزء من التربية الفنية ، ليس فقط كمواد منفصلة للدراسة ولكن أيضًا كأجزاء متكاملة من الموضوعات الأخرى التي تتناول بيئتنا المعيشية «(Kauppinen، مقتبس في Pohjakallio ، 2007 بالفعل في ذلك الوقت ، كما لاحظت ميري هيلجا مانتيري ، تم الاهتمام بالمراقبة الجمالية والنقدية للبيئة ، سواء في تعليم معلمي الفنون أو في مناهج المدارس الفنلندية. في العقد الأول ، كان التركيز في نوع التعليم البيئي ، الذي يُمارس في فنلندا كجزء من التعليم الفني ، على البيئة التي من صنع الإنسان. كانت الموضوعات تلوث البيئة واستغلال الطبيعة. تم تناول مشاكل البيئة بصريًا في التدريس من خلال تحديد وتصنيف وسرد أنواع ودرجات الأضرار. كما يلخص مانتير ، «لم يكن التركيز على البيئة بقدر ما كان على السياسة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا