مصب «القنة» أو عصر النفايات

عندما حضرت قبل سنوات إحدى قمم المناخ تذكرت ان اللجنة المنظمة التابعة للأمم المتحدة أهدتنا حاملة ادباش من القماش كتب عليها بالفرنسية «كان هذا لباسا قبل عملية الرسكلة».

كانت تلك اشارة ذكية من منظمي قمة المناخ لتذكيرنا بان احد اكبر المشاكل في عصرنا مشكلة النفايات وان اعادة استعمال المواد الاولية التي وقع تصنيعها هو احد الحلول المتوفرة للحد من هذه المعضلة.
تذكرت هذه القصة ونحن نعيش منذ ايام على وقع أحداث وتداعيات مصب «القنة» بعقارب والذي أصبح وللأسف الحدث الذي تصدر اهتمام وسائل الاعلام و الذي كان من اثاره غرق ثاني اكبر مدينة تونسية (صفاقس) في نفاياتها.

وحكاية مصب «القنة» هي في الحقيقة ليست «سابقة» اذ سبقتها مشاكل مماثلة كما في مصب برج شاكير بالعاصمة او مصب النفايات الصناعية الخطيرة بجرادو حيث يتكرر نفس سيناريو احتجاج اهالي المناطق المجاورة للمصب بعد ان تتدنى في كل مرة نوعية حياتهم الى درجة لا تطاق لان النفايات وللأسف تسكب بطريقة بدائية وبدون اي فرز من المصدر ويتم بعد ذلك و في اغلب الاحيان حرقها وما لهذه العملية من تداعيات خطيرة على صحة الناس تنتج خاصة عن انبعاث غازات سامة جدا (مكونات البلاستيك مثلا ).
كنت قد أشرت في مقال سابق الى ان مشاكل التلوث اصبحت مصدر قلق كبير للتونسيين وان نصف الاحتجاجات الشعبية تقريبا بعد الثورة كانت تطالب بإزالة التلوث .
وفي الحقيقة تتعامل الدولة في كل مرة بدون اي رؤية عميقة للمشكل فهي تكتفي عادة بالبحث عن مصب جديد لتتكرر المأساة بعد سنوات قليلة في مكان اخر ولكن يبدو أن «الأرض ضاقت هذه المرة بما رحبت» .

يبدو ان لا احد يريد مصبا في بلدته فما العمل ?
اولا يجب ان نعلم ان النفايات ليست مشكلة هينة بل هي من امهات المشاكل في زمننا هو هذا ليس في تونس فقط ولكن على مستوى الكوكب وما حادثة تصدير النفايات الايطالية إلى تونس إلا دليل على ان المشكل عالمي وحتى التغيرات المناخية هي نتيجة مباشرة لنفايات «غازية» (ثاني اكسيد الكربون مثلا) وهو ما جعل المجلة الأمريكية الشهيرة «ناسيونال جيوغرافيك » تصف هذا العصر في احد اكبر مقالاتها في السنوات الاخيرة ب «عصر النفايات» .
أتذكر وانا طفل أن قوارير المياه المعدنية والزيت والمشروبات الغازية كانت بلورية وكان هذا افضل بيئيا وصحيا اذ ان البلور يحافظ على مذاق ونوعية المشروبات وحتى المواد الغذائية الاخرى كانت تعلب في الورق او المعدن ولكن لان الصناعي يريد ان ينتج كميات اكبر ليربح مالا أكثر كان أسهل واسرع بالنسبة له ان يعتمد القوارير البلاستيكية بدل البلور وهكذا بدأت صناعة البلاستيك تجد لنفسها موطئ قدم في بلادنا لنصل الى حد ان البلاستيك اصبح المادة الاولى لتعليب كل المواد تقريبا .
هذه في مثال بسيط نتيجة «حرية الاستثمار» او «خلق الثروة» او «تحرير الطاقات».

انني اكرر هذه الفكرة الجوهرية في كثير من مقالاتي التي انشرها في هذا الركن المخصص للبيئة وأوضح أنني لست ضد الصناعة او الاستثمار بل انا ضد «الحرية التامة «للاستثمار لان المستثمر هو قبل كل شيء مجرد «باحث عن الثروة» لا غير .
إذا أردنا ان لا نتناول المسالة بصفة سطحية ونحاول ان نفهم فإنني أقول إن ما جعل النفايات «مشكلة « هي اختلاط المواد المصنوعة بالمواد الطبيعية (العضوية ) إذ أن بقايا الخضر والغلال وغيرها من المواد الطبيعية تتحول بعد مدة وبصفة طبيعية الى سماد عضوي كم نحن بحاجة إليه لتسميد أراضينا الفلاحية التي انهكتها المخصبات الكيميائية غالية الكلفة المادية والصحية .

وعند تحللها تصدر المواد العضوية الغاز الطبيعي الذي يمكن استعماله لأغراض منزلية وقد قام سابقا بالعاصمة مصنع لتثمين نفايات الخضر والغلال المتأتية من أسواق الجملة لإنتاج الغاز الطبيعي ولا ادري ما مصير هذا المشروع .
كما قامت في تسعينات القرن الماضي تجربة اعتبرها جريئة لفرز النفايات المنزلية من المصدر(مواد عضوية واخرى مصنوعة ) اختير حي الخضراء بالعاصمة كمسرح لها وكانت النية انذاك ان يتم تعميمها تدريجيا ولكن باءت التجربة بالفشل الذريع لانه لم تقع تهيئة التونسيون لهذه التجربة النموذجية التي لم تنجح حتى في كثير من الدول المتقدمة .

في المانيا مثلا وقع البدا اولا بإعادة القوارير البلاستيكية (المياه المعدنية مثلا) إلى التاجر لقاء مقابل مادي رمزي لكل قارورة وهكذا تم تشريك المجتمع بكامله من اجل تجنب رمي كميات ضخمة من النفايات البلاستيكية في الطبيعة .
وقعت بعد ذلك تجربة فرز النفايات المنزلية في حاويات مختلفة على مستوى العمارات السكنية وكانت النتائج مشجعة .

لا ادري لماذا لا نبدأ بفكرة إعادة القوارير البلاستيكية بمقابل ونعممها إلى القوارير المعدنية «الألمنيوم» بدلا من رميها في الطبيعة ثم «اهانة» عدد كبير من التونسيين بتحويلهم الى باحثين عن القمامة «برباشة» في كل مكان .
ولكن وللأسف لا تبدو الحكومات المتعاقبة متحمسة لبث هذا الوعي والدليل وما بالعهد من قدم ما عزمت حكومة الفخفاخ القيام به من تحويل تعليب جانب من الاسمنت من اكياس ورقية الى اكياس من البلاستيك (لا تتحلل بسهولة في الطبيعة ) في إشارة واضحة الى غياب رؤية مستدامة للاستثمار ولأنماط العمل في بلادنا .

وحتى قانون منع تصنيع وتداول كل الاكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد (والتي نجدها ملقاة في كل مكان من الاحياء السكنية إلى الحقول الفلاحية ) يبدو انه وقع التراجع عنه تحت ضغط لوبيات صناعيي البلاستيك وهذا دليل اخر على عدم وجود ارادة سياسية قوية من اجل الحد من مصادر النفايات الصناعية .

ولكي الخص اقول ان على الدولة ان لا تكون سطحية عند التعامل مع موضوع النفايات بمجرد تغيير مصب بآخر وان تكون واعية ان مشكل النفايات هو قبل كل شيء هو مشكل رؤية للاستثمار : هل نريد استثمارا مستداما ام اخر حرا هل نريد اقتصادا دائريا او اقتصادا خطيا?

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا