كيف تتشكل، مدينة المستقبل ؟

تعرف المدن تحولات وتحديات متعاظمة، ويعتبر التوجه نحو التخطيط الاستشرافي لها، وتهيئة أمثلة مساراتها المستقبلية، رهانا دوليا استراتيجيا لضمان الديمومة والبقاء.

وتحتضن سوسة في موفى السنة ندوة دولية حول المدن الذكية والتي تنظمها جمعية رؤية ذكية.

يقصد بالمدن الذكية تلك المدن التي تستخدم حلولا تقنية مبتكرة تشمل مجالات الاقتصاد، والسكان، والحوكمة، وسهولة الحركة داخل المدينة، والبيئة، ومستوى معيشة السكان، لتحسين جودة الحياة وإيجاد بيئة حضرية مستدامة، تسهم في رفع مستوى الخدمات التي تقدم لسكان المدينة وزوارها. بعبارة أخرى «المدن الذكية» مفهوم أو نموذج يستخدم تقنية إنتاج المعلومات مثل الإنترنت، والحوسبة السحابية، وقواعد البيانات الكبيرة، ودمج المعلومات الجغرافية والفضائية من أجل تسهيل التخطيط والإنشاءات، وإدارة المدينة وخدماتها. بهذا ينطوي مفهوم المدن الذكية على دمج النظم الطبيعية والرقمية والبشرية في البيئة الحضرية لتقديم مستقبل مستدام ومزدهر لسكان المدينة، وذلك بناء على مسالك مدمجة وأجهزة لجمع البيانات الشاملة ومشاركتها من خلال وسائل الاتصال السلكية وغير السلكية، وتشمل أنظمة النقل، والقطارات، وشبكات المياه، والمباني، والمكونات الأخرى للبيئة الحضرية. وتستخدم هذه البيانات بعد تحليلها ومعالجتها من قبل الجهات المحلية وإدارة المرافق والخدمات، وكذلك الشركات والمؤسسات من أجل تعزيز مستوى الخدمات والأعمال داخل المدينة ومعالجة المشكلات الطارئة. وعلى الرغم من الجهود والمبادرات والمشاريع في هذا المجال، إلا أنه لا توجد في العالم إلى الآن مدينة ذكية بالكامل، في إطار مفهوم المدن الذكية، ولا تزال هناك مجالات كثيرة في حاجة إلى التحسين في الخدمات واستغلال الموارد والبنى التحتية، ونحو تحقيق مفهوم المدن الذكية التي تتسم بالاستدامة ينبغي تحسين شبكات النقل العام للحد من التلوث وتخفيف الازدحام المروري، ما سينعكس إيجابا على تخفيض الوفيات، وينبغي أيضا تشجيع استخدام الطاقة الشمسية المتجددة في معظم الأنشطة الحضرية، وكذلك استخدام السيارات الكهربائية والدراجات الهوائية، إضافة إلى تشجيع المشي من خلال إيجاد شوارع للمشاة لا تدخلها السيارات، إضافة إلى إنشاء مجمعات للخدمات الضرورية في مناطق قريبة للسكان للحد من الرحلات الطويلة داخل المدن. ومن المبهج ظهور مبادرات مشجعة هنا وهناك مثل قيام مدينة أديلايد الأسترالية بتشغيل حافلة كهربائية تعمل بالطاقة الشمسية، وغيرها.
وسوف يصل عدد سكان العالم في 2050 إلى عشرة مليارات نسمة، وسوف يسكن ثلثا هذا العدد في المدن. وعلى سبيل المثال سوف يزداد عدد سكان فيتنام خلال الثلاثين سنة القادمة بمقدار خمسة ملايين نسمة. في ذات الوقت سيؤدي تحول المناخ إلى ارتفاع منسوب مياه سطح البحر. وهذا سيقود إلى تراجع المساحات المأهولة في المناطق الساحلية.
في كل مكان من هذا العالم يفكر الناس اليوم حول كيفية وقُدرة مدينة المستقبل على استيعاب أعداد السكان المتزايدة ومواجهة تحولات المناخ والتحديات الأخرى المختلفة. لهذا السبب يعمل المشاركون في الحملة على أربعة محاور رئيسية وهي:

• كيف يمكن الاستفادة بشكل صحيح من مصادر الطاقة ومن البنية التحتية؟

• كيف يمكن نقل الناس والبضائع بشكل أكثر فعالية؟

• كيف سيكون شكل وتنظيم سيل المعلومات والبيانات؟

• ما هو دور التقنيات الأساسية، في توفير المواد الغذائية على سبيل المثال؟

يشارك في الحملة علماء من الصين وألمانيا والهند وكولومبيا والولايات المتحدة وفيتنام يتعاونون عبر عشر شبكات للأبحاث مع شركات وإدارات مدن ووكالات اتصالات.
يجب علينا مباشرة العمل على مواجهة تحولات المناخ، حسبما يدعو البروفيسور هورست ستوب من جامعة براندنبورغ التقنية في كوتبوس (BTU).
ويعمل الباحثون في جامعة BTU مع علماء من فيتنام على تطوير بيوت عائمة. مهندسو بناء ألمان يجرون الآن تجاربهم على مواد بناء العمارة العائمة في مناطق البحيرات في لاوزيتس. مثل هذه الخبرات والتجارب سوف تساعد في فيتنام أيضا. لا يبدو المسؤولون هناك متفائلين حول البيوت العائمة، لأن القمامة ومياه الصرف الصحي تنتهي إلى المياه، في الكثير من المناطق. ولهذا السبب يعمل القائمون على المشروع في كوتبوس مع زملائهم الفيتناميين في المشروع على إيجاد بدائل نظيفة.

يتواصل العلماء مع شركاء في مجالات الاقتصاد والإدارات البلدية والمحلية ويقدمون النتائج من خلال نشاطات مفتوحة، على أمل أن يجدوا الطريق نحو التنفيذ العملي.
فقد انقسم التشبيك الإداري للبلاد التونسية إثر الاستقلال (1956)، إلى صنفين أساسيين : الأول إداري يرجع بالنظر للدّولة (الولاية والمعتمدية والعمادة) والثاني بلدي، كما تطوّرت التقسيمات في اتجاه تكثيف التشبيك والزيادة المتواصلة في عدد الوحدات الترابية (Hayder, 2002, p. 102).

• وحتى مطلع سنة 2015 بلغ عدد البلديات 264 بلدية، وفي مارس 2015 قرر رئيس الحكومة إحداث 18 بلدية جديدة، ل (...)
وتجدر الإشارة إلى أن البلاد التونسية شهدت بداية الظاهرة البلدية منذ أواسط القرن التاسع عشر، ببعث بلدية تونس في سنة 1858، ثم تتالى استحداث البلديات خلال فترة الاستعمار الفرنسي وبعد الاستقلال ليبلغ عددها 282 بلدية في مارس 2015. لقد مثّلت عملية بعث بلديات جديدة بعد الاستقلال، إحدى الوسائل المعتمدة من قبل الدولة لتأطير السكان وتقريب الخدمات منهم، لاسيما بالمدن الصغيرة المفتقرة لأبسط المرافق الاجتماعية، أمّا بالمدن المتوسطة والكبيرة فتعتبر هذه الاستحداثات من آليات مواكبة التمدّد العمراني وارتفاع عدد السكان من أجل تقريب الخدمات منهم وتخفيف الضغط على مراكز المدن.
وقدأُطلِقت في البلاد التونسيّة عدّة تسميات للإشارة لسكن الفئات الاجتماعية محدودة الدخل والمبني في إطار (...)
من ناحية أخرى، بلغت مسألة التقسيم البلدي ذروة أهميتها بالمجموعات الحضرية الكبرى لاسيما بالمدينة المليونية الوحيدة بالبلاد والمتمثلة في تونس العاصمة، نظرا لاختلال توزيع التجهيزات والشغل حسب مناطقها الترابية؛ إذ تتركز أغلب مواطن الشغل في قطاع الخدمات بقلب العاصمة والضواحي الشمالية مقابل تركّز أغلب الشغل الصناعي بالضواحي الجنوبية، أمّا الضواحي الغربية فوظيفتها الأساسية الفلاحة مع غلبة السكن غير القانوني والحاجة الماسّة إلى استثمار كل الإمكانات الماليّة والبشريّة بما يوفّر الخدمات والمرافق للسكان ويحدّ من مشاكل الحياة الحضرية وتعقّدها.
سنبيّن فيما يأتي إذا كان التشبيك البلدي الحالي بتونس الكبرى يساعد على كسب الرّهانات المطروحة، ومنها الحوكمة الرّشيدة في التصرّف البلدي، وذلك من خلال التطرّق إلى علاقة التقسيم بالتّحكم في التمدّد العمراني والحدّ من الإقصاء الاجتماعي والتهيئة العمرانية، وسنبرز جدوى اتباع سياسة تجميع للبلديات الصغيرة من أجل تحكم أنجع في المجال وجدوى أكبر في التهيئة.
لقد سعت الدولة من خلال الزيادة في عدد البلديات بالمجموعات الحضرية الكبرى كتونس وصفاقس، إلى تقريب الخدمات من السكان وتدعيم تأطير التراب الحضري (Bennasr, 2005, p. 3)، غير أنّ أحجام البلديات وإمكانياتها الماليّة والجبائيّة متفاوتة، جعل الصّغرى منها تواجه مشاكل عديدة. نذكر منها بالخصوص مسألة نقص الموارد المالية والبشرية التي تحدّ من نجاعة التصرّف العمراني في التراب البلدي، ومن هذه البلديات نذكر برج العامري (6519 نسمة في سنة 2014) والبطان (6453 نسمة) والخليديّة (8470 نسمة) بتونس الكبرى.

• و انتشر ببلديتي رواد وسكرة السكن غير القانوني، وتشكو الأحياء الفقيرة من مشاكل نقص التجهيزات الأساسية (...)
وقد انتهجت الدولة كذلك إجراء تمثّل في تقسيم بلديات كبيرة أو متوسطة من حيث تعداد السكان إلى بلدتين أو أكثر لعدّة عوامل، منها ما هو مرتبط بإرادة تأطير السكان وتقريب الخدمات منهم، ومنها ما هو ناتج عن ضغوطات أعيان بعض الجماعات المحليّة وسكانها ومطالبتهم باستقلالية منطقة ما من تراب البلدية لتصبح بلدية مستقلّة بذاتها لأسباب ذات علاقة بالانتخابات البلدية أو بالمنافسة بين منطقتين. وفي هذا الصدد نذكر مثال بلدية أريانة (من الضواحي الشمالية لتونس الكبرى) التي قُسّمت في سنة 2003 إلى ثلاث بلديات وهي : أريانة ورواد وسكرة، وقد اعتبر أحد رؤساء البلديات السابقين لأريانة ذلك بمثابة « إنجاز كبير للتخلّص من أعباء سُكرة ورَوّاد»، كما أكّد سعيه مع عدد من أعيان أريانة والنّافذين فيها إلى إقناع السّلطتين المركزية والجهوية بوجاهة فصل حيي النّصر 1 و2 والمنارات والمنازه عن بلدية أريانة لتكوّن بلدية جديدة مستقلة عن البلدية الأم أريانة، و علّل ذلك بأنّ الوزن الانتخابي لهذه الأحياء معتبرٌ يَحُولُ دون نجاح المترشحين من دائرة أريانة المدينة في الانتخابات البلدية المقبلة.
وقد تتابعت هذه النزعة للاستقلالية والتمسّك بـ»هويّة» البلديات الصغيرة، من قبل السكان المحليين وأعيانهم بحيي النّصر، بالنّسبة لعدد من البلديات الطرفيّة بصفاقس. نذكر منها خاصة ساقية الزيت وساقية الدّاير (Bennasr, 2005, p. 3). كما أكّد بلهادي أن البحث عن توازن القوى والمنافسة بين البلديات على المستويين المحلي والمركزي يفسّر إلى حدّ كبير الخريطة البلديّة التونسية بمعزل عن أي مقياس موضوعي لبعث البلديات (بلهادي، 1991).

تعتبر عملية استحداث بلديات جديدة من الآليات التي استعملتها الدولة للتصرّف العمراني ومواكبة التمدّد الحضري وتقريب الخدمات من السكان بالمجموعات الحضرية الكبيرة. فقد مرّت مساحة المجال العمراني من 6180 هكتارا في سنة 1975 إلى 23000 هكتار في سنة 2004، وبصفة موازية لذلك ارتفع عدد البلديات من 19 إلى 34 بلدية في نفس الفترة (الجدول رقم4).
ونشير إلى أنّ عمليّة بعث بلديات جديدة شملت خاصة الضواحي والمجالات شبه الحضرية في علاقة بالتمدّد المجالي وارتفاع عدد السّكان. يُفسّر ذلك من ناحية أولى بتخصّص المجال المركزي في الخدمات وخروج السكان نحو الأطراف، ومن ناحية ثانية بظهور برامج سكنية متنوّعة بالضواحي أنجزتها هياكل الدولة والمقاولون العقاريون الخواص وبتنامي السّكن غير القانوني. لقد أدت عملية بعث البلديات إلى تراجع نسبة سكان مركز العاصمة (التابع إداريا لبلدية تونس المدينة) من مجموع سكان تونس الكبرى من 30.4 % في سنة 1975 إلى 4.7 % في سنة 2014، بينما ارتفع عدد سكان الأطراف من 69.9 % إلى 95.3 % خلال الفترة نفسها .
ومن ناحية أخرى، لم تواكب سياسة بعث بلديات جديدة عملية التحكّم في التمدّد العمراني السّريع، ولم تحدّ من آثاره السلبية. فقد بيّنت خريطة المجال العمراني لتونس الكبرى والصّور الفضائية «تفتّت» المجال المبني بالأطراف (Charmes, 2011, p. 3)، ويبرز ذلك، من خلال تعدّد مجالات السكن غير القانوني المنتشرة بالمجالات شبه الحضرية وداخل الأراضي الفلاحية، عدد منها داخل الحدود البلدية كصنهاجة والترجمان بوادي الليل، والبعض الآخر خارجها مثل أحياء السعيدة والنسيم والرّياض بأطراف ولاية منوبة وحي شاكر والبُكري بأطراف ولاية أريانة.
إنّ في تعدّد الأحياء السكنية غير القانونية، بالضواحي وبالمجالات شبه الحضرية لتونس الكبرى، عدّة آثار مجالية لعلّ من أهمّها دعْم التفْرقة الاجتماعية وتعدّد مظاهر الإقصاء الاجتماعي.
ولئن مثّل استحداث بلديات جديدة، بأطراف العاصمة، إحدى الآليات التي اعتمدتها الدولة للتحكّم في التمدّد الحضري وتأطير السكان وتقريب الخدمات منهم بغرض التخفيف من حدّة بعض مشاكلهم اليوميّة، فقد أسهم رسم الحدود البلدية في عديد من الحالات في تهميش الفئات الاجتماعية الضعيفة، لاسيما بالأطراف. ويمكن أن نتبيّن ذلك من خلال المثالين اللذين يمثلهما كل من «حي التضامن» بالضاحية الغربية و «حي شاكر» بالمجال شبه الحضري الشمالي لتونس الكبرى.

• ولا يبتعد موقع حي التضامن عن المركز الرئيسي لتونس العاصمة إلاّ 6 كلم عن مركز المدينة، وقد بلغ عدد سك (...).
حي التضامن: تكونت النواة الأولى لحي التضامن سنة 1966، من 132 مسكنا اجتماعيا بنتها الدولة في منطقة فلاحية على ملكها. وقد قدّر عدد سكانها في ذلك التاريخ بـقرابة 800 نسمة (Chabbi M, 2012, p. 181). تعدّدت المساكن حول النواة المذكورة بنسق سريع خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي، خاصة نتيجة لتقسيم أراضي الدولة من قبل «المقسّمين السريّين» الذين وفّروا قطع أراض صغيرة الحجم متماشية مع القدرة الشرائية لمحدودي الدخل، وقد وجدت الدّولة في ذلك جزءًا من الحلّ للسّكن الخاص بالفقراء بسبب إقصائهم من السّوق الرسميّة للسكن التي لا تعطي لمحدودي الدخل الإمكانات لاقتناء قطعة أرض أو مسكن من الهياكل العقارية التابعة للدولة أو من الشركات الخاصة الناشطة في القطاع المنظّم، خاصة وأنّ هؤلاء الفاعلين يفرضون شروطا مجحفة للتحصّل على قروض لا تَقدر عليها الفئات الاجتماعية محدودة الدخل، وجزء من الفئات المتوسطة.
تطور حي التضامن خارج الحدود البلدية، وتنامى عدد سكّانه بنسق سريع، وقد ارتفع تعداد سكانه من 7000 نسمة في سنة 1975 إلى 60000 نسمة في سنة 1981 (المرجع السّابق، ص. 182)، كما بلغ نسق النّمو السنوي معدلات عالية جدّا فاقت 41 % بين سنوات 1975 و1979 وتجاوزت 46 % بين سنوات 1981 و1984 (الجدول رقم 6).
نذكر أن في أواخر السبعينات بلغت العلاقات بين الحكومة والإتحاد العام التونسي للشغل درجة عالية من الت (...)

ورغم احتشاد السكان خارج الحدود البلدية والنّقص الفادح في التجهيزات والمرافق الاجتماعية وتضخّم عدد السكان، تجاهلت الدّولة هذا الواقع الحضري وأبقت على إقصاء سكانه، ومن مظاهر ذلك عدم تمكينهم من أبسط الخدمات البلدية بصفة منتظمة، مثل رفع الفضلات. لكن إثر انتفاضة1 سنة 1978 التي انطلقت أساسا من الأحياء الشعبية الكبرى ومنها حي التضامن، وبعد تزايد المطالب بضرورة إدماج الأحياء غير القانونية ومن أجل تلطيف الوضع الاجتماعي، أولت الدّولة خلال سنوات 1980 اهتماما بمسألة تهذيب الأحياء الشعبيّة، وفي هذا الإطار أدخلت في مطلع الثمانينات بحي التضامن بعض المرافق مثل المدارس الابتدائية ومعهد ثانوي، كما أحدثت بالحي المذكور بلدية في سنة 1984. وعلاوة عن هذا لم تقتصر ظاهرة إدماج الأحياء السكنية غير القانونية في المحيط البلدي حي التضامن فقط، بل شملت أحياء أخرى، خصوصا وأن السكن غير القانوني يمثّل مكوّنا رئيسيا من مكونات التمدّد العمراني لتونس الكبرى بأطرافها (زارعي، 2006، ص. 43) على غرار حي شاكر.
حي شاكر من الأحياء غير القانونية ظهر بالمجال شبه الحضري ببرج الطويل بمنطقة فلاحية سقوية محمية.
و في سنة 2003 بعثت بلدية رواد بعد تقسيم بلدية أريانة إلى ثلاث بلديات هي أريانة رواد وسكرة.

حي شاكر : يعتبر هذا الحي من الأحياء الطرفية التي ظهرت ببرج الطويل شمالي العاصمة15 بأحد المجالات شبه الحضرية الشمالية للعاصمة، وقد برزت نواته الأولى وتطورت منذ مطلع سبعينات القرن الماضي ليمثّل اليوم حيا كبيرا نسبيا بلغ عدد سكانه في سنة 2014 قرابة 6000 نسمة، لكن لم يتم ضمه لبلدية رواد بالرّغم من تواجده قرب حدودها البلدية وبالرّغم من الدعوات المنادية بذلك منذ أواخر الثمانينات. تجدّدت الدّعوة لإدماج حي شاكر في المجال البلدي المذكور أعلاه منذ الشروع في مراجعة مثال التهيئة العمرانية لبلدية رواد في سنة 2003، وقد رأى سكان الحي في تجاهل هذا المطلب تهميشا لهم وطالبوا منذ 2010 (تاريخ المصادقة على مثال التهيئة لبلدية رواد) باستحداث بلدية جديدة وهي بلدية «برج الطويل» يكون مقرّها حي شاكر.
وفضلا عن هذا، اعتبر أحد المسؤولين بالنيابة أنّ إدماج حي شاكر في تراب رواد عنصر إعاقة للتنمية بالبلدية نظرا للنقص الكبير للتجهيزات الأساسية والمرافق الاجتماعية، كما اعتبر أن ذلك سيتطلب موارد مالية كبيرة تعجز البلدية عن توفيرها، هذا علاوة عن وجود مشكل بيئي يتمثل في تعدّد المصبّات العشوائية ومشكل التعدّي على الأراضي الفلاحية العمومية من خلال تعدّد البناءات غير القانونية، وهذا الموضوع محلّ نزاع بين السّكان ووزارة الفلاحة. وتجدر الإشارة إلى أن التقرير النّهائي للمثال المديري للتهيئة لتونس الكبرى، لم يشر بتاتا إلى تنامي السكن غير القانوني ببرج الطويل، كما تغافل عن الإشارة إلى حي شاكر، وجاءت الخريطة التي اقترحها لتوجّهات التهيئة الحالية والمستقبلية بالقطاع الشمالي للعاصمة منقوصة جدا.
وتمثل مسألة التهيئة العمرانية لتونس الكبرى موضوعا بالغ الأهمية نظرا لتعدّد وظائفها التقريرية والتسييرية العليا ودورها المحوري في انفتاح البلاد على الخارج واندماجها في منظومة العولمة. ومن أبرز الرّهانات المطروحة بها، نذكر التمدّد الحضري غير المتحكم فيه ومشاكل النقل والبيئة والسكن (MEHAT, 2010). لقد أعدّت الدّولة عدة أمثلة تهيئة ترابية وعمرانية، تأخذ بالاعتبار كامل مدينة تونس الكبرى بغية الإسهام في الكشف عن مختلف المشاكل وتقديم الحلول لها، ويعتبر «المثال الجهوي للتهيئة» (1977) أولها، تلته أمثلة أخرى أهمها «المثال المديري لتهيئة تونس الكبرى» (2010)، وقد بيّنت بعض الدراسات التقييميّة لتجربة التهيئة العمرانية بالعاصمة العديد من الاختلالات والنقائص في علاقة بالتقسيم البلدي نلخّصها فيما يلي :

مثال جهوي للتنمية
أحدثت في سنة 1972 إدارة إقليم تونس وهو هيكل تخطيط وتنسيق على مستوى تونس الكبرى، أعدّ المثال الإقليم (...)
تَحَوّل «المثال الجهوي للتهيئة» الذي أنجز للإسهام في تنظيم مدينة تونس الكبرى وإعادة هيكلتها (1977) من إطار تنسيقي يعتمد على نظرة شمولية للعاصمة إلى أداة تصرّف مجالي. وقد تمّ تجاوزه ولم يُعتمد في تهيئة تونس الكبرى منذ أواسط الثمانينات. يرجع ذلك لوجود عديد العراقيل الإدارية والمالية والاقتصادية من أهمها هيمنة التمشّي القطاعي العمودي المركزي على التمشّي الشمولي الأفقي بالنسبة لكل هياكل الدولة، وغياب هيكل إقليمي ينسّق بين البلديات وهيمنة المنظومتين المركزية والقطاعية وأخيرا غياب إمكانات التنفيذ .

لكلّ بلدية من بلديات تونس الكبرى، استراتيجيتها الخاصة في ميدان التهيئة الترابية، والتي لا تتكامل في كل الحالات مع استراتيجية بقية البلديات. لذلك «تتصرّف كل بلدية بطريقة منفردة في ميدان التهيئة العمرانية، ولم تأخذ بعين الاعتبار إلاّ حاجياتها الخاصة» (المرجع السّابق الذّكر)، وقد اقترح التقرير النهائي لدراسة «المثال المديري لتهيئة لتونس الكبرى»، بعث آلية وسيطة بين المثال المديري وأمثلة التهيئة البلديّة تشرح مقترحات المثال المديري على المستوى المحلّي حتى تنجز وتطبّق الأمثلة البلدية في تجانس مع المثال المديري بدون تجاوز أو تشويه له (DGAT,2010). لكن لم تُحدَث هذه الآلية إلى اليوم، ولم تحترم توجهات «المثال المديري لتهيئة لتونس الكبرى»، خصوصا بعد ثورة 2011 وما صاحبها من ضُعف لسلطة الدّولة ومن تعيين لنيابات خصوصية للبلديات ليست لها مصداقية أو مشروعيّة لدى السكان مثّل التخطيط الحضري آخر اهتماماتها.
على سبيل المثال شُرِع في مراجعة مثال التهيئة العمرانية لبلدية أريانة منذ 2003 بعد تقسيمها إلى ثلاث (...)

تشكو التهيئة البلدية من بطء مراجعة الأمثلة التهيئة العمرانية في الآجال المحدّدة ولا تمتلك البلديات وسائل تطبيق هذه الأمثلة باعتبار أنّ « التصرّف العمراني هو عمل يومي كبير يجمع عدة مهام : المراقبة على الميدان والبتّ في رخص البناء ومتابعتها ودراسة أمثلة المقاسم والبتّ فيها في الآجال، والالتجاء المتكرر إلى تحويل صبغة الأراضي من فلاحية أو مناطق خضراء أو طبيعية إلى حضرية أبرز دليل عن ضعف نجاعة التهيئة الحضرية بالمستوى البلدي. وقد أدّى ذلك في غالب الأحيان إلى «إلغاء مثال التهيئة» .علما أنّ من يستفيد من هذه الوضعية غير المستقرة و»الفوضوية» هي الأطراف النافذة والتي يمكنها الوصول للمعلومة بيسر على جميع المستويات ومنها التسلسل الإداري ..

من ناحية أخرى، وإن أعطت مجلة التهيئة العمرانية (1994) البلديات إمكانية إعداد أمثلة التهيئة العمرانية، فإنّ الدّولة لم تمكنها من الوسائل الكافية، الماليّة والبشريّة والتقنيّة لإنجازها وفق المعايير العلميّة المطلوبة في مجال التخطيط الحضري، فضلا عن طول فترة إنجازها. يمكن القول أنّ المنظومة التشريعية المعمول بها منذ عقود المكرسة لهيمنة المستوى المركزي على المستوى المحلي، والتي تعتمد على «تفتيت» البلديات حسب إرادة السلطة السياسية ومراعاة لمصالح أطراف خاصة بالمستوى القاعدي، لم تتمكن من حسن التصرّف في المجال العمراني. هذا في الوقت الذي تندمج فيه البلاد تدريجيا في العولمة وتفتح أسواقها للخارج، وهذا ما يفرض في المستقبل اعتماد سياسة تجميع البلديات الصغيرة وتغيير القوانين التي تسمح بالتعاون فيما بينها وترسّخ الحوكمة المحلية الرشيدة في إطار ما جاء به دستور سنة 2014 من دعم للاّمركزية والجماعات المحليّة.
وقد فتح دستور سنة 2014 آفاقا جديدة لدعم اللاّمركزية وإسناد العمل البلدي من أجل التمتّع باستقلالية عن السلطة المركزيّة، وإرساء ديمقراطية في تسيير الشأن البلدي، ومن تجليات ذلك التأكيد على مبادئ الحوكمة والعمل التشاركي الذي يجمع بين مُمثلي الجماعات المحليّة والمجتمع المدني والسكان، وقد ارتفع عدد البلديات منذ ماي 2016 إلى 350 بلديّة (غطّت كامل التراب الوطني) وصدرت مجلّة الجماعات المحليّة الجديدة، ولا يمكن حاليا تقييم التجربة البلديّة الجديدة إلا بعد فترة من تطبيقها.

وعلى سبيل المثال، وفي إطار تطوير أدوات وجودة الخدمات الإدارية المعلوماتية في مجال التصرف العمراني، قصد المساعدة على اخذ القرار والولوج للمعلومة، شرعت إدارة التعمير في تركيز المنظومة المعلوماتية الجغرافية لأمثلة التهيئة العمرانية «SIG PAU» للتصرف ولمتابعة النمو العمراني.
ويعتبر مشروع تركيز المنظومة المعلوماتية الجغرافية للتصرف في أمثلة التهيئة العمرانية «SIG PAU» عنصر مكون من ضمن مكونات المشروع النموذجي «Open Government » الذي يتم متابعته من طرف رئاسة الحكومة.
وسيشمل المشروع المذكور في قسط أول 170 مثال تهيئة عمرانية سيتم إدراجهم في المنظومة ووضعهم على ذمة المستعملين والعموم.

وستكون هذه المنظومة الواجهة الخاصة بأدوات التعمير وبالخصوص وسيلة سهلة للتصرف في أمثلة التهيئة العمرانية وستمكن مستخدميها من التصرف اللامركزي في أمثلة التهيئة العمرانية نظرا لإمكانية استعمالها من العديد من المستخدمين في نفس الوقت.
وإلى حد الآن تم إدراج ضمن المنظومة 140 مثال تهيئة عمرانية في نسخ مصورة «PAU SCANNE» و86 أمثلة في صيغة رقمية «VECTORISE» وسيتم إدراج باقي الأمثلة في صيغة رقمية مرحليا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا