تحرك احتجاجي آخر يضاف إلى سلسلة التحركات التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، بل حملت في طياتها مؤشرات سياسية تتجاوز شعاراتها المعلنة وحجم المشاركة فيها، فقد أعادت إلى الواجهة منظمات وطنية ومكونات من المجتمع المدني وفاعلين وحقوقيين ونقابيين، اختاروا، بعد فترة من التراجع النسبي في حضورهم السياسي، الالتقاء ضمن إطار تنسيقي مشترك، في محاولة لاستعادة المبادرة وإعادة التموقع داخل مشهد سياسي اتسم، منذ انتخابات 2024، بضعف الوساطة وتراجع المبادرات الجماعية واتساع المسافة بين السلطة وعدد من المكونات.
من الصمت النسبي إلى عودة الروح
لم تكن المنظمات الوطنية مجرد هياكل تدافع عن مصالح قطاعاتها أو عن أهدافها المهنية، بل مثلت، في محطات مفصلية، أحد أبرز مكونات التوازن داخل المشهد العام. وقد اضطلع الاتحاد العام التونسي للشغل بأدوار تفاوضية واجتماعية وسياسية، فيما ساهمت الهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمات أخرى في الدفاع عن الحقوق والحريات، وفتح النقاش حول الإصلاحات، والتدخل عندما كانت الخلافات السياسية تهدد بتعطيل الحوار، لكن المشهد تغير تدريجيا، فقد تراجع حضور عدد من هذه الأطراف في القضايا الوطنية الكبرى، وانشغل بعضها بمشكلاته الداخلية أو بملفاته القطاعية، فيما وجدت مكونات من المجتمع المدني نفسها أمام مناخ أكثر صعوبة، في ظل تصاعد التشكيك في أدوار الجمعيات وتنامي النقاشات المتعلقة بتمويلها واستقلاليتها والإطار القانوني المنظم لنشاطها. وقد بدأ المشهد العام وكأنه يفقد تدريجيا أحد أهم عناصره، الوساطة ولم تعد هناك، بالفاعلية السابقة نفسها، أطراف قادرة على جمع مختلف الفاعلين حول طاولة حوار أو على تحويل المطالب الاجتماعية والحقوقية إلى مبادرات سياسية جامعة.
هذا الغياب لم يكن بالضرورة تعبيرا عن انتهاء الدور التاريخي لهذه المنظمات، بقدر ما عكس صعوبة الحركة داخل واقع سياسي متغير، وتراجع فرص التأثير في القرارات العامة، ومن هنا، فإن التحرك المشترك الذي انتظم يوم 17 أكتوبر الجاري يمكن قراءته بوصفه محاولة لكسر حالة التراجع واستعادة جزء من المبادرة التي فقدتها الأجسام الوسيطة وإعادة الاعتبار للعمل الجماعي باعتباره مدخلا للتأثير في المشهد الوطني، إنها عودة، ولو من الشباك، لقوى لم تختف تماما من المشهد، لكنها لم تعد حاضرة بالفاعلية نفسها التي عرفتها في محطات سابقة،غير أن السؤال الأساسي لا يتعلق بمجرد عودتها إلى الاحتجاج، وإنما بقدرتها على تحويل هذا الحضور إلى مسار سياسي ومدني مستدام يتجاوز رد الفعل إلى الفعل ويربط الدفاع عن الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية بتصور واضح لمستقبل البلاد.
اختبار ميداني لتحالف جديد
جاءت مسيرة 17 أكتوبر لتمنح التنسيق بين المنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني بعدا ميدانيا، بعدما انتقل من مرحلة التشاور وتبادل المواقف إلى تنظيم تحرك مشترك في العاصمة، تحت شعار "تونس أولا.. والشعب فوق كل اعتبار". وقد مثل هذا الموعد أول اختبار بارز لقدرة الأطراف المشاركة على الانتقال من التنسيق التنظيمي إلى التعبئة الميدانية، وإظهار أن القواسم المشتركة بينها يمكن أن تتجاوز البيانات واللقاءات المغلقة إلى تحرك علني يضع القضايا الوطنية في صدارة النقاش. وتبرز أهمية هذه الخطوة في طبيعة الأطراف التي التقت حولها، إذ جمع الإطار التنسيقي منظمات ذات خلفيات ومجالات عمل مختلفة، تشمل النقابي والحقوقي والمهني والطلابي والنسوي والاجتماعي. ومن بين المكونات التي شملها التنسيق، الهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات ومنظمة الأطباء الشبان، والاتحاد العام لطلبة تونس، والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين واتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل إلى جانب الاتحاد العام التونسي للشغل، صاحب المبادرة.
ولا تكمن أهمية هذا التقاطع في عدد المنظمات المشاركة فقط، بل في اختلاف طبيعة المطالب التي تحملها، وما يتيحه ذلك من إمكانية بناء مقاربة تجمع بين الحريات العامة والحقوق الاجتماعية واستقلالية القضاء والدفاع عن المرافق العمومية وكرامة المواطنين، فحين تلتقي منظمة نقابية تدافع عن حقوق الشغالين مع هيئات حقوقية ومهنية وطلابية وجمعيات مدنية، فإن ذلك يفتح المجال أمام توسيع قاعدة النقاش الوطني، شريطة أن يتحول هذا الالتقاء إلى عمل منظم يحترم استقلالية كل مكون ولا يختزل الجميع في موقف سياسي واحد.
العودة إلى الساحة من بوابة القضايا
ومن هذا المنطلق، يبدو أن العمل التنسيقي المشترك هو أكثر من مجرد إعلان عن اختلاف مع السلطة، فهو محاولة لاستعادة القدرة على الفعل الجماعي وعودة الروح واستعادة الدور الوطني، وتأكيد أن المنظمات الوطنية لا تزال قادرة، متى توفرت الإرادة والتنسيق، على العودة إلى الساحة من بوابة القضايا التي تتقاطع عندها مصالح قطاعات واسعة من التونسيين. وفي هذا السياق، يكتسب انخراط اتحاد الشغل في إطار تنسيقي أوسع دلالة سياسية خاصة، فالتنسيق مع المنظمات الحقوقية والمهنية والمدنية يسمح له بتجاوز حدود المطالب النقابية المباشرة نحو فضاء أوسع من القضايا الوطنية، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن هويته النقابية أو التحول إلى حزب سياسي.
وتكشف مواقف الأمين العام للاتحاد صلاح الدين السالمي، خلال مسيرة 17 أكتوبر، عن رغبة في ربط الملفات الاجتماعية بقضايا الحريات والمؤسسات واستقلال القضاء والحوار الوطني. فقد شدد في كلمته على أن تجميع السلطات لا يضمن بالضرورة نجاعة الحكم، وأن إقصاء الكفاءات والقوى الاجتماعية والسياسية لا يحل المشكلات، بل يراكمها، فالمنظمة تدرك أن المطالب المهنية لا تنفصل عن المناخ الذي يجري فيه التفاوض، وأن ضعف الحوار الاجتماعي يرتبط في جانب منه بضعف قنوات التواصل بين الدولة والأجسام الوسيطة.
فمسيرة 17 أكتوبر قد فتحت صفحة جديدة من التنسيق المشترك وأعادت طرح سؤال حول الدور السياسي للمنظمات الوطنية، هل نحن أمام عودة فعلية لهذه القوى والمكونات أم أمام تحالف ظرفي تفرضه مواجهة السلطة والاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟