بالنظر إلى دوره في دفع النمو وتوسيع القاعدة الإنتاجية وخلق مواطن الشغل، وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، غير أن تقييم تطور الاستثمار لا يمكن أن يستند إلى الأهداف المعلنة في الوثائق الحكومية وحدها، بل يقتضي العودة إلى النتائج المسجلة ومقارنتها بالتقديرات السابقة وتقييم مدى واقعية الأهداف المستقبلية في ضوء ما تحقق فعليا.
يكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند قراءة مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027، الذي يستهدف بلوغ نسبة استثمار في حدود 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 15.5% منتظرة سنة 2026، مع توقع ارتفاع حجم الاستثمار إلى نحو 32.630 مليار دينار، فهذه الأرقام تعبر عن فرضيات وتقديرات حكومية، ولا تمثل نتائج نهائية إلا بعد انتهاء السنة المعنية، ومن هنا، يطرح حجم الاستثمار بين 2024 و2027 سؤالا جوهريا، هل تعكس الأهداف المرسومة تحسنا فعليا في نسق الاستثمار؟
2024.. نقطة الانطلاق لتقييم تطور الاستثمار
تقتضي قراءة الوضع الاستثماري في البلاد الانطلاق من البيانات الإحصائية المسجلة، حيث بلغ حجم الاستثمار 24.35 مليار دينار سنة 2024، وفق المعهد الوطني للإحصاء، وتكشف بيانات الاستثمار والتمويل عن تعدد الجهات المساهمة في تكوين حجم الاستثمار. فقد بلغت استثمارات الأسر نحو 7.715 مليارات دينار سنة 2024، مقابل نحو 9.829 مليارات دينار للمؤسسات غير الماليةو6.191 مليارات دينار للإدارة العمومية، و614.3 مليون دينار للمؤسسات المالية، وتبرز هذه التركيبة أن الاستثمار الوطني لا يقتصر على المشاريع الخاصة أو العمومية، بل يشمل أيضا استثمارات الأسر والمؤسسات المالية، أما سنة 2025 فقد ارتفع حجم الاستثمار إلى نحو 26.46 مليار دينار سنة 2025. وتمثل هذه الزيادة نموا بنحو 8.7%.، غير أن ارتفاع القيمة بالدينار لا يعني بالضرورة أن الاستثمار الحقيقي ارتفع بالنسبة نفسها، لأن الأسعار تؤثر في قيمة التجهيزات والمواد والخدمات والأشغال . وتبرز أهمية هذا التمييز عند مقارنة النتائج المسجلة بالتقديرات التي تضمنتها الوثائق الاقتصادية. فقد تضمنت تقديرات سنة 2025 توقع ارتفاع الاستثمار بنسبة 13.3% بالأسعار الجارية، ليبلغ نحو 29.6327 مليار دينار، بما يعادل 16.2% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن الحكم على حجم الاستثمار سنة 2025 يتطلب التمييز بين ما كان متوقعا في بداية السنة وما تمّ تسجيله.
الاستثمار الأجنبي المباشر
وإلى جانب الاستثمار الوطني، يمثل الاستثمار الأجنبي المباشر أحد المؤشرات المهمة لتقييم جاذبية الاقتصاد الوطني وقدرته على استقطاب رؤوس الأموال والخبرات والتكنولوجيا، وتشير البيانات المنشورة إلى تسجيل تدفقات استثمار أجنبي مباشر في حدود 2.9 مليار دينار سنة 2024، قبل ارتفاعها إلى نحو 3.5 مليارات دينار سنة 2025، ويعكس هذا التطور تحسنا في التدفقات الأجنبية، لكنه لا يكفي وحده للحكم على الوضع العام للاستثمار. فالاستثمار الأجنبي المباشر لا يعوض استثمارات المؤسسات المحلية والأسر والإدارة العمومية. كما أن تدفقات الاستثمار الأجنبي لا تعني بالضرورة أن جميع المشاريع المرتبطة بها قد دخلت حيز الإنتاج خلال السنة نفسها. ويقتضي التقييم الدقيق، لذلك، التمييز بين الأموال المتدفقة فعليا، والاستثمارات المصرح بها، والمشاريع التي دخلت حيز التنفيذ، والمشاريع التي أصبحت منتجة ووفرت مواطن شغل فعلية. وتكتسي هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء الأهداف التي تضمنها مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027، إذ يستهدف تعبئة نحو 4 مليارات دينار من الاستثمار الأجنبي المباشر سنة 2026، ثم 4.8 مليارات دينار سنة 2027. وتظل هذه المبالغ أهدافا مستقبلية يتوقف تحقيقها على تطور المشاريع والظروف الاقتصادية ومدى قدرة البلاد على استقطاب استثمارات جديدة وتحويلها إلى أنشطة منتجة.
2026 ..تقديرات بتحسن محدود في نسبة الاستثمار
تستهدف التقديرات الحكومية بلوغ نسبة استثمار في حدود 15.5% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2026، مقابل 16% مقدرة أوليا في بعض الوثائق، ونسبة تقارب 15.4% واردة بشأن سنة 2025. وتشير هذه الأرقام إلى أن النسبة المنتظرة لسنة 2026 لا تتجاوز مستوى سنة 2025 إلا بفارق محدود، وفي انتظار توفر النتائج النهائية لسنة 2026، تقدم بعض المؤشرات الجزئية صورة عن تطور النشاط الاستثماري خلال السنة. فقد سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة تحسنا وفق البيانات المتاحة إلى موفى جويلية، في حين تراجعت الاستثمارات المصرح بها خلال السداسي الأول مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة، بحسب الأرقام الواردة في مشروع الميزان الاقتصادي. كما أنه لا يمكن الجزم بأن البلاد حققت الهدف المحدد لسنة 2026 قبل صدور البيانات النهائية، فالتقديرات تظل مرتبطة بفرضيات بشأن تطور الناتج المحلي الإجمالي والأسعار والاستثمار الخاص والعمومي والأجنبي.
2027 ..تحدي تحويل التوقعات إلى نتائج
يرسم مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027 هدفا يتمثل في رفع نسبة الاستثمار إلى 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 15.5% منتظرة سنة 2026، مع توقع نمو الاستثمار بنسبة 14.1% بالأسعار الجارية وبلوغ حجمه نحو 32.630 مليار دينار.وتعني هذه التقديرات أن الحكومة تراهن على تسارع نسق الاستثمار خلال سنة 2027، سواء من حيث قيمته أو من حيث نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي، غير أن بلوغ هذا الهدف يتطلب تحولا فعليا في وتيرة إنجاز المشاريع وتعبئة الموارد وتوجيهها إلى الأنشطة المنتجة، فإذا اعتُمدت نسبة 15.5% أساسا للمقارنة، فإن بلوغ 16.4% يقتضي زيادة بنحو 0.9 نقطة مئوية خلال سنة واحدة. كما أن توقع ارتفاع الاستثمار بنسبة 14.1% بالأسعار الجارية لا يعني بالضرورة تسجيل زيادة مماثلة في حجم الاستثمار الحقيقي، لأن تغير الأسعار قد يساهم في رفع القيمة ولذلك، يتطلب تقييم الهدف معرفة الفرضيات المتعلقة بالتضخم وتطور الناتج المحلي الإجمالي ونمو مكونات الاستثمار المختلفة.
تضع الحكومة بلوغ نسبة استثمار في حدود 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2027 ضمن أهدافها الاقتصادية، لكن تقييم هذا الهدف يتطلب مقارنته بنتائج السنوات السابقة، لا بالاكتفاء بالنسب المنتظرة، فالأرقام المتعلقة بسنة 2026 لا تزال تقديرية، كما أن الأهداف المتعلقة بسنة 2027 لم تتحول بعد إلى نتائج فعلية. ولذلك، فإن التحدي الأساسي يظل هو تحويل الأهداف المرسومة لنوايا الاستثمار إلى مشاريع منجزة، قادرة على دفع النمو وخلق مواطن الشغل وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.