لسنة 2027، على تحقيق نمو اقتصادي في حدود 3.1%، مقابل 2.7 % منتظرة لكامل سنة 2026، بالتوازي مع رفع نسبة الاستثمار إلى 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي ومواصلة التحكم في التضخم وحصره في حدود 5.2%. وتندرج هذه الأهداف ضمن التوجه نحو تعزيز التعافي الاقتصادي وتحسين أداء القطاعات المنتجة ودفع الاستثمار ودعم التوازنات الاقتصادية والخارجية.
وتأتي هذه التقديرات في سياق يتسم باستمرار الضغوط الداخلية والخارجية، ولا سيما التحديات المرتبطة بالطاقة والمياه والتقلبات المناخية، إلى جانب حالة عدم اليقين التي تطبع الاقتصاد العالمي وتذبذب أسعار الطاقة والمواد الأولية وتغير اتجاهات الطلب الخارجي. وفي ظل هذه المعطيات، تمت مراجعة تقديرات النمو لسنة 2027 من 3.8% الواردة بمخطط التنمية إلى 3.1%، استنادا إلى فرضيات أكثر اتساقا مع التطورات المسجلة والآفاق المتاحة.
النمو الاقتصادي: استهداف 3.1% خلال سنة 2027
يتوقع مشروع الميزان الاقتصادي أن يتطور الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.1% بالأسعار القارة خلال سنة 2027، مقابل 2.7% منتظرة سنة 2026. ويعكس هذا التحسن النسبي انتعاشة مرتقبة في عدد من الأنشطة الصناعية والاستخراجية، إلى جانب استمرار تحسن أداء بعض الخدمات وتسريع تنفيذ المشاريع الاستثمارية. ويرتبط تحقيق هذه النسبة بمدى تحقق جملة من الفرضيات، من أبرزها تطور أداء القطاع الفلاحي واستعادة نشاط الصناعات الاستخراجية وتحسن الطلب الخارجي وتسارع الاستثمار، فضلا عن قدرة الاقتصاد الوطني على تجاوز الإشكاليات المرتبطة بالطاقة والمياه والتمويل. وفي هذا السياق، يبرز تحسين أداء القطاعات المنتجة باعتباره أحد أبرز رهانات السنة المقبلة، خاصة في ظل محدودية مساهمة بعض الأنشطة في النمو خلال الفترة السابقة. ويقتضي بلوغ الهدف المرسوم النهوض بالأنشطة الواعدة وتحسين الإنتاجية والتنافسية وتعزيز القدرة على التصدير، إلى جانب تسريع الانتقالين الطاقي والرقمي. كما يستوجب تحقيق النمو المستهدف مزيد تحسين نجاعة السياسات العمومية وتسريع الإصلاحات الداعمة للنشاط الاقتصادي مع توجيه الموارد نحو المجالات والقطاعات ذات الأولوية والأثر الأكبر على النمو والإنتاجية والتشغيل.
الاستثمار: بلوغ 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي
يمثل تنشيط الاستثمار أحد المحاور الأساسية لمشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027، إذ تستهدف التقديرات بلوغ نسبة استثمار تعادل 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 15.5% منتظرة سنة 2026. ويتوقع أن يتطور الاستثمار بنسبة 14.1% بالأسعار الجارية خلال سنة 2027، ليبلغ حجما في حدود 32 ألفا و630 مليون دينار، وفق الأرقام الواردة في المشروع. وتعكس هذه التقديرات توجها نحو تعزيز مساهمة الاستثمار في دفع النمو وتوسيع الطاقات الإنتاجية، في وقت لا يزال فيه حجم الاستثمار محدودا ودون الإمكانات المتاحة. وكانت نسبة الاستثمار المنتظرة لسنة 2026 قد حددت في حدود 15.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 16% مقدرة أوليا و15.4% مسجلة سنة 2025. ويبرز هذا التطور الحاجة إلى مواصلة الجهود الرامية إلى تنشيط الاستثمار وتسريع نسق إنجاز المشاريع وتحسين مناخ الأعمال، بما يسمح بتحويل الإمكانات المتاحة إلى مشاريع منتجة تدعم النشاط الاقتصادي. كما يرتبط بلوغ الأهداف المرسومة بحسن توجيه الموارد نحو القطاعات ذات الأولوية وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين وتعزيز نجاعة التنفيذ بما يساهم في رفع الإنتاجية وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
الاستثمارات الخارجية المباشرة.. تعبئة 4.8 مليارات دينار
في إطار تعزيز الاستثمار، يستهدف مشروع الميزان الاقتصادي تعبئة ما يناهز 4.8 مليارات دينار بعنوان الاستثمارات الخارجية المباشرة خلال سنة 2027، مقابل 4 مليارات دينار منتظرة سنة 2026. وتستند هذه التقديرات، وفق المعطيات المقدمة، إلى استحثاث نسق إنجاز المشاريع في مجال الطاقات المتجددة، واستقطاب مجموعات جديدة تنشط في المجالين السياحي والخدماتي. ويبرز هذا التوجه أهمية الاستثمارات الخارجية المباشرة في دعم المجهود الاستثماري إلى جانب الحاجة إلى تحسين مناخ الأعمال وتسريع إنجاز المشاريع وتوفير الظروف الملائمة لاستقطاب استثمارات جديدة. ويظل تحقيق الهدف المعلن مرتبطا بمدى القدرة على تحويل التوجهات الاستثمارية إلى مشاريع فعلية، وتعزيز مساهمة القطاعات الواعدة في دفع النشاط الاقتصادي، بما يدعم مسار النمو خلال السنة المقبلة.
العجز الجاري.. استهداف التقليص إلى 3.7%
على مستوى التوازنات الخارجية، يستهدف مشروع الميزان الاقتصادي حصر العجز الجاري في حدود 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2027، مقابل 3.9% منتظرة خلال سنة 2026. ويأتي هذا الهدف في سياق اتسم باستمرار الضغوط على المبادلات التجارية، وخاصة نتيجة ارتفاع واردات الطاقة واتساع العجز الطاقي. وتظل التوازنات الخارجية مرتبطة بتعزيز القدرة التصديرية وتنويع الأسواق والمنتجات وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني. كما تبرز الحاجة إلى تعزيز الاستقلالية الطاقية، في ظل الضغوط المرتبطة بأسعار المحروقات والتقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية للطاقة والمواد الأولية. ويقتضي تحسين التوازنات الخارجية مواصلة العمل على رفع أداء القطاعات المنتجة وتعزيز قدرتها على الاستجابة لحاجيات الطلب الداخلي والخارجي، بما يساهم في الحد من العجز ودعم استقرار الاقتصاد الوطني.
التضخم.. حصر المعدل في 5.2% سنة 2027
يظل التحكم في الأسعار ودعم المقدرة الشرائية للمواطن من أبرز الأولويات الواردة في مشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027، الذي يتوقع أن يستقر معدل التضخم في حدود 5.2%، مقابل 5.3% منتظرة خلال سنة 2026. ويعكس هذا الهدف مواصلة الجهود الرامية إلى احتواء الضغوط التضخمية وضمان انتظام تزويد الأسواق بالمواد الأساسية، إلى جانب تعزيز آليات الرقابة والحد من الممارسات الاحتكارية وتنظيم مسالك التوزيع. وتراعي التقديرات استمرار تأثير عدد من العوامل الداخلية والخارجية على الأسعار، ولا سيما تطور أسعار الطاقة والمواد الفلاحية، بما يفرض مواصلة اليقظة إزاء المتغيرات المسجلة على المستويين الوطني والدولي. وفي هذا الإطار، يبرز المشروع أهمية تعزيز مراقبة الأسواق وتكثيف التصدي للممارسات الاحتكارية والمخلة بالمنافسة، إلى جانب تحسين حوكمة مسالك توزيع المواد المدعمة وضمان توزيع أكثر توازنا بين مختلف المناطق. كما يتضمن التوجه المعلن تسريع الرقمنة الشاملة لمسالك توزيع المواد المدعمة، بما يدعم تحسين حوكمتها ومتابعة توزيعها، في إطار الجهود الرامية إلى التحكم في التضخم والمحافظة على المقدرة الشرائية.
نمو في حدود 2.7% سنة 2026
استنادا إلى النتائج المسجلة خلال الفترة المنقضية من سنة 2026 والتقديرات المتعلقة بتطور نشاط مختلف القطاعات خلال بقية السنة، تمت مراجعة منوال النمو إلى 2.7%، مقابل 3.3% مقدرة أوليا، مقارنة بنسبة نمو بلغت 2.8% سنة 2025. ويؤكد هذا التقدير تواصل مسار التعافي التدريجي للنشاط الاقتصادي، وإن بوتيرة أقل من المتوقع، في ظل محدودية أداء بعض القطاعات، ولا سيما الفسفاط والطاقة، واستمرار الضغوط المرتبطة بالتغيرات المناخية وتطور الظرف الاقتصادي العالمي. وتشير المعطيات المتعلقة بالفترة الأولى من السنة إلى تحسن نسبي في أداء الاقتصاد الوطني، مدفوع أساسا بتحسن أداء قطاعي الفلاحة والخدمات، غير أن هذا التحسن ظل دون مستوى التوقعات الأولية، نتيجة محدودية أداء بعض الأنشطة، خاصة الصناعات الاستخراجية وقطاع النسيج والملابس والأحذية والصناعات الكيميائية.
هذا وسجل الناتج المحلي الإجمالي نموا بنسبة 3.2% خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026 بحساب الانزلاق السنوي، مقابل 3.4% خلال الفترة نفسها من سنة 2025. وبذلك بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.4% خلال السداسي الأول من السنة الجارية. وباحتساب التغيرات الثلاثية، ارتفع النمو بنسبة 1.4% خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026. وفي المقابل، بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي دون احتساب الفلاحة 1.7% خلال السداسي الأول، مقابل 1.8% خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. على مستوى الاستثمار، تشير التقديرات إلى بلوغ نسبة 15.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنة 2026، مقابل 16% مقدرة أوليا و15.4% مسجلة سنة 2025. ويعكس ذلك تحسنا طفيفا مقارنة بالسنة السابقة، لكنه يبرز في الوقت نفسه استمرار محدودية حجم الاستثمار ودون الإمكانات المتاحة. أما العجز الجاري، فمن المنتظر أن يبلغ 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 2.5% سنة 2025، في علاقة مع استمرار الضغوط على المبادلات التجارية، وخاصة بفعل ارتفاع واردات الطاقة.
وقد سجلت الفترة نفسها تطورا في تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتحويلات التونسيين بالخارج، إلى جانب تحسن العائدات السياحية، غير أن هذه التطورات لم تكن كافية لتغطية اتساع العجز التجاري. ورغم الضغوط المسجلة على التوازنات الخارجية، أوفت تونس بالتزاماتها الخارجية وحافظت على مستوى مقبول من احتياطي العملة الأجنبية، وفق المعطيات الواردة في المشروع. وفي ما يتعلق بالأسعار، اتسم مسار التضخم ببعض التذبذب، في ظل استمرار الضغوط، خاصة بالنسبة إلى المواد الغذائية وبعض الخدمات. ومع ذلك، سجلت معدلات التضخم تحسنا تدريجيا مقارنة بالمستويات المرتفعة المسجلة خلال السنوات السابقة، مع توقع استقرار المعدل في حدود 5.3% لكامل سنة 2026.