Print this page

ترشيد التوريد: دعوات متكررة وواردات متصاعدة

أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال لقائه رئيسة الحكومة

سارة الزعفراني الزنزري ومحافظ البنك المركزي فتحي زهير النوري يوم 23 سبتمبر الجاري،  مرة أخرى ، على ضرورة ترشيد التوريد في وقت يتسع فيه العجز التجاري ويتواصل الوزن الثقيل الطاقة في هذا العجز.

إن دعوة رئيس الجمهورية ليست جديدة في السياسة الاقتصادية التونسية، فقد سبقتها في  السنوات الأخيرة إجراءات وتوجهات تهدف إلى التحكم في الواردات والحد من توريد بعض السلع والكماليات، في محاولة للضغط على العجز التجاري والمحافظة على التوازنات الخارجية. غير أن استمرار ارتفاع الواردات يطرح سؤالاً يتجاوز مسألة تشديد إجراءات التوريد: أي واردات يمكن فعلاً تقليصها دون التأثير في الإنتاج والأسعار والنشاط الاقتصادي؟ ففي النشرية الاخيرة  للمعهد الوطني للإحصاء حول التجارة الخارجية بلغت قيمة الواردات خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026 نحو 62.5 مليار دينار، مقابل 56 مليار دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بزيادة قدرها 11.6 %.

لكن توزيع هذا العجز حسب مجموعات المواد يكشف أن الطاقة تساهم لوحدها باكثر من نصف العجز. فقد بلغ عجز الميزان التجاري في قطاع الطاقة وحده 8.9 مليار دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، أي ما يعادل تقريباً نصف العجز التجاري الجملي البالغ 17.9 مليار دينار.

ولا يتوقف الأمر عند الطاقة. فقد سجلت تونس عجزاً  في المواد الأولية ونصف المصنعة، و في مواد التجهيز، و المواد الاستهلاكية. أما المواد الغذائية فسجلت فائضاً . والمواد الاستهلاكية، رغم أهميتها في النقاش المتعلق بترشيد التوريد، لا تمثل الجزء الأكبر من العجز التجاري. كما تجدر الإشارة إلى أن ارتفاع واردات المواد الاولية ونصف المصنعة مواد التجهيز هي غالبا إشارة إيجابية بارتفاع طبقات المؤسسات وبالتالي تطور الاستثمار.

وتزداد الصورة وضوحاً عند النظر إلى تطور الواردات نفسها. فقد ارتفعت واردات الطاقة خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة بنسبة 28.5 %، مقابل زيادة بـ7.9 % في المواد الأولية ونصف المصنعة، و6.2% في مواد التجهيز، و8.2% في المواد الاستهلاكية، و17.1 % في المواد الغذائية.

هذه الأرقام تفرض التمييز بين نوعين من الواردات. فهناك واردات يمكن الحد منها عبر إجراءات تتعلق بالسلع غير الأساسية أو الكماليات، وهناك واردات ترتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد على الإنتاج، مثل المواد الأولية ونصف المصنعة ومواد التجهيز، فضلاً عن الطاقة التي تحتاجها مختلف القطاعات الاقتصادية.

وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن ارتفاع الواردات خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 لم يكن ناتجاً عن مجموعة واحدة من السلع، بل شمل جميع مجموعات المواد. وهو ما يجعل معالجة العجز التجاري من خلال تقليص الواردات الاستهلاكية وحدها محدودة الأثر مقارنة بحجم العجز الطاقي والاحتياجات المرتبطة بالإنتاج. ان معالجة الاختلال الخارجي لا يمكن أن تقوم على ملف الطاقة وحده كما لا يمكن اختزالها في الحد من الواردات الاستهلاكية فمع تكرار الدعوات إلى ترشيد التوريد اطرح الاسئلة  حول مدى قدرة الإجراءات الإدارية على معالجة اختلال هيكلي في التجارة الخارجية.

 

 

المشاركة في هذا المقال