تراجع نسب الزواج بين التحولات الديموغرافية والمجتمعية والاقتصادية

تعيش البنية الاجتماعية في تونس والمنطقة العربية

عموما على وقع تحولات ديموغرافية وقيمية صامتة، تكشف عنها لغة الأرقام الرسمية والتقارير الدولية الصادرة عن الهيئات الأممية، وفي مقدمتها صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، والتي توثق تراجعا غير مسبوق في معدلات ونسب الزواج. ولم يعد هذا التراجع مجرد مؤشر طارئ مرتبط بالأزمات الاقتصادية الأخيرة، بل تحول إلى ظاهرة هيكلية متكاملة الأبعاد، تتداخل فيها المتغيرات الاقتصادية والتحولات الديموغرافية مع طفرة نوعية في الوعي الفردي، عنوانها الأبرز "تكريس الحقوق الصحية والإنجابية والتمسك بالاستقلالية الجسدية ".

وتظهر مؤشرات المعهد الوطني للإحصاء في تونس منحى تنازليا حادا وهيكليا في نسب الزواج، حيث سُجل تراجع إجمالي بنسبة 33 بالمئة خلال فترة الأزمات والمتغيرات بين 2016 و2020، تلاه انخفاض إضافي بنحو 10 بالمئة في الإحصاءات السنوية الأخيرة ليصل عدد عقود الزواج إلى حدود 70,942 عقدا. ولا يعد هذا الانخفاض حالة معزولة، بل يندرج ضمن "تحول ديموغرافي ثان" تعيشه تونس وعموم الدول العربية والإقليمية ذات التطور الاجتماعي المتوسط، حيث تتقاطع الأسباب الاقتصادية وتكاليف المعيشة مع تغير منظومة قيم الشباب وتراجع مركزية مؤسسة الزواج لصالح الاستقلالية والتحصيل العلمي والمهني، وفقا لما تؤكده الدراسات الميدانية وتقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان.

تطور سن الزواج  

وتؤكد البيانات الإحصائية الرسمية الصادرة عن نتائج التعداد العام للسكان والمساكن (RGPH 2024) أن المشهد الديموغرافي في تونس يمر بتحولات جذرية تعيد رسم نموذج بالكامل. فقد ارتفع متوسط سن الزواج الأول للرجال من 33 عاما في سنة 2014 ليصل إلى 35.3 عاما في سنة 2024، بينما انتقل لدى النساء من 28.6 عاما إلى 28.9 عاما خلال نفس الفترة، مواصلا بذلك مساراً تصاعديا طويل الأمد انطلق منذ سنة 1966 حين كان متوسط سن الزواج 27.1 عاما للرجال و20.9 عاما للنساء.

ولا يقتصر الأمر على تأخير سن الزواج فحسب، بل تمتد الظاهرة لتشمل الارتفاع الملحوظ في نسب "العزوف أو العزوبة النهائية"، إذ تشير بيانات الفئة العمرية بين 45 و49 سنة إلى قفزة نوعية في نسبة غير المتزوجين ، حيث ارتفعت لدى النساء من 1.6 في المائة سنة 1984 لتصل إلى 11.3 في المائة سنة 2024، وبلغت لدى الرجال 10.3 في المائة مقارنة بـ 2.7 في المائة خلال نفس الفترة المقارنة. تؤكد هذه المؤشرات، المتبوعة بزيادة معدلات الطلاق وانخفاض عدد عقود القران، بروز نموذج مجتمعي جديد يتسم بالتحول العميق في الخيارات الفردية والاجتماعية.

الوعي بالحقوق الصحية والإنجابية

إذا كانت الأرقام الديموغرافية تقدم الإطار الكمي للظاهرة، فإن المقاربة الحقوقية والاجتماعية تكشف عن جوهر التحول القيمي. وفي هذا الصدد، تؤكد د. هادية بلحاج  رئيسة جمعية توحيدة بالشيخ، أن تراجع نسب الزواج يعكس طفرة حقوقية نوعية تمثلت في ارتفاع منسوب الوعي بالحقوق الصحية والإنجابية، حيث باتت الاستقلالية الجسدية تمثل حجر الزاوية في فلسفة الاختيار لدى الأجيال الجديدة، ولا سيما النساء.

وتوضح بلحاج أن المرأة اليوم لم تعد تنظر إلى نفسها ككائن تابع أو نصف مكمل داخل منظومة أسرية تقليدية تفرض عليها بالإكراه، بل أصبحت تملك سيادة كاملة على جسدها وقراراتها الإنجابية وحياتها المهنية. هذا الوعي المتنامي بالحقوق الإنجابية أفرز فهما جديدا للحرية الشخصية، يرفض تسليع الجسد أو زجه في شراكات نمطية لا تحقق الذات ولا تضمن الندية والشراكة العادلة. وباتت الاستقلالية الجسدية مفهوما متداخلا مع الاستقلال المالي والفكري، مما أعاد كتابة العقد الاجتماعي العائلي في تونس والمنطقة برمتها.

وتضيف رئيسة مجموعة "توحيدة بالشيخ"، في تصريحات لجريدة "المغرب" استنادا إلى معطيات المعهد الوطني للإحصاء ودراسات أخرى قامت بها المنظمة، أن ظاهرة تراجع الزواج مرتبطة ارتباطا وثيقا بعوامل تربوية ومجتمعية ونفسية واقتصادية مترابطة، حيث بلغ العمر الوسيط للزواج مستويات متقدمة لتصل إلى 34 سنة لدى الرجال و29 سنة لدى النساء. وتُبرز المؤشرات أن فئات واسعة من الشباب دون سن الأربعين ما زالوا يقيمون مع عائلاتهم لعدم قدرتهم على توفير الموارد المالية الكافية للاستقلالية السكنية والمعيشية في ظل عجز كثيرين عن تحمل تكاليف الإيجار ومصاريف الحياة الأساسية. وفي مسعى لتسليط الضوء على هذه التحولات، أجرت مجموعة "توحيدة بالشيخ" دراسة ميدانية تتضمن 5,837 شابا وشابة بين 18 و29 سنة في 8 ولايات تونسية، كشفت عن ملامح جيل يتبنى أولويات مغايرة، إذ أقرّ نحو 74 بالمئة من الرجال و75 بالمئة من الفتيات بالراحة في حالتهم غير المتزوجة، بينما يرى 30 بالمئة من الرجال و19.5بالمئة من الفتيات ضمن الفئة (25-29 سنة) أن الزواج ليس مهما. كما أظهرت الدراسة تمسكا بالذات والتحصيل العلمي والمهني، حيث أكد 68 بالمئة من الرجال و72 بالمئة من الفتيات عدم استعدادهم للتخلي عن الدراسة من أجل الزواج، ورفض 70 بالمئة من الرجال و72 بالمئة من الفتيات التضحية بأعمالهم في سبيل الارتباط، فضلا عن تسجيل نسب لمن لا يحبون إنجاب الأطفال بلغت 13.2بالمئة لدى الشبان و9.4 بالمئة لدى الشابات. وتؤكد هذه المعطيات أن تراجع معدلات الخصوبة والزواج هو اتجاه عالمي تختبره الدول ذات التطور الاقتصادي والاجتماعي المتوسط، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى فشل السياسات القسرية، معتبرة أن السبيل الوحيد للتعامل مع هذه التحولات يكمن في توفير منظومة خدمات اجتماعية واقتصادية داعمة، تشمل دور حضانة آمنة وقريبة وعطل أمومة وأبوة مرنة تضمن للشباب التوفيق بين طموحاتهم الشخصية وخياراتهم الأسرية بحرية وأمان.

تقاطع الأصوات المجتمعية

يتجسد هذا المخاض السوسيولوجي بوضوح في شهادتين حيتين تعكسان تعايش وتصارع الرؤى داخل المجتمع المعاصر.

 ياسمين"ن"   تتحدث لـ" المغرب " عن رفضها فكرة الزواج حتى الآن بسبب تمكنها من استقلاليتها المالية الكاملة عبر مسار مهني موفق، لتتوج هذا المسار بإعلان رفضها القاطع لفكرة الزواج التقليدي. وتؤكد أن استقلاليتها الجسدية والنفسية هي خط أحمر لا يمكن المساومة عليه، فهي لا تشعر بأي احتياج عاطفي أو مادي لشريك حياة قد تقيد شروطه حريتها أو تفرض عليها أدوارا جندرية نمطية. بالنسبة لها، الاكتفاء الذاتي والتحكم الكامل في الخيارات الحياتية يمثلان ذروة السعادة وطمأنينة البال التي لا تُقدر بثمن.

 في المقابل تشدد "منى"   على أهمية مؤسسة الزواج والأسرة كحضن ضروري لاستقرار المجتمعات وتوازنها الإنساني. وترى منى أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية مهما بلغت، والصعوبات المعيشية مهما اشتدت، لا تنفي الحاجة الفطرية للإنسان إلى الاستقرار العائلي، مشددة على أن تكوين أسرة وتربية الأبناء يظل المعنى الأسمى للاستمرارية، بغض النظر عن الأعباء والتضحيات التي تتطلبها الشراكة الزوجية.

تحولات ديموغرافية ومجتمعية

وفي إطار قراءة معمقة للتحولات الديموغرافية والاجتماعية في تونس، يوضح الخبير والباحث في الديموغرافيا حافظ شقير لـ" المغرب "أن جذور تأخر سن الزواج تعود تاريخيا إلى فترة السبعينات مع انطلاق برامج التنظيم العائلي، مؤكدا أنها لم تكن ظاهرة حديثة الولادة. ويشير شقير إلى أن هذا التأخير مثّل بين السبعينات وعام 1988 المحرك الأساسي وراء انخفاض معدلات الخصوبة في المجتمع، لافتا إلى أن الظاهرة شملت كافة الفئات الاجتماعية والجهوية دون استثناء.

وفي قراءته للمسار اللاحق، يبرز الباحث والخبير في الديموغرافيا أن الفترة الممتدة بين 2010 و2014 شهدت مرحلة تعاف مؤقت تمثلت في ارتفاع نسب الزواج وانتعاش الخصوبة لتصل إلى 2.45 بمعزل عن أي تأثيرات سياسية. غير أن المجتمع التونسي، بحسب شقير، يمر حاليا بمرحلة "التحول الديموغرافي الثاني" الذي يمس جوهريا منظومة العلاقات الفردية والمجتمعية، حيث تراجعت سلطة الأسرة التقليدية لصالح بروز الفردية وتغير قيم الشباب، وصولا إلى تراجع مركزية مشروع الزواج ليحل محله شعور أوسع بالرضا داخل الأسرة دون ارتباط تقليدي إلزامي.

وعلى مستوى تداعيات هذه التحولات، يبيّن شقير أن نموذج "عالمية الزواج" لم يعد مضمونا في تونس، متوقعا وجود نسب متزايدة من الفئات العمرية المتقدمة (فوق 35 سنة) ممن سيقضين أعمارهن دون زواج، وهي ظاهرة يصفها بالطبيعية في سياقها الحديث بعيدا عن التهويل.

آفاق مستقبلية

وبين لغة الأرقام الرسمية الصادرة عن التعدادات الوطنية التي تؤشر  لتحولات ديموغرافية عميقة، والوعي المتزايد بالاستقلالية الجسدية والحقوق الإنجابية تتأكد حقيقة واحدة: إن تراجع الزواج في تونس والإقليم ليست سوى مخاض لانتقال مجتمعي كبير. ولا يجب فهم هذا التحول بمعزل عن رغبة الأفراد العارمة في امتلاك مصيرهم ، فالمجتمعات التي تعيد اليوم صياغة أولوياتها تجد نفسها أمام حتمية ابتكار أشكال جديدة من التضامن المجتمعي والسياسات العمومية التي تحترم حرية الأفراد وسيادتهم الجسدية، وتضمن في الوقت ذاته استدامة النسيج الأسري والديموغرافي دون وصاية أو إكراه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115