قمة الأقوياء

تعد زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى

العاصمة الأمريكية واشنطن وما أسفرت عنه من نتائج ومخرجات ، واحدة من أهم المحطات الدبلوماسية والجيوسياسية  في الآونة الأخيرة .  ويمكن القول أنها ساهمت في رسم معالم مرحلة جديدة من النظام الدولي المعاصر قائمة بالأساس على "إدارة الصراع" لا على إنهائه بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم. ودارت النقاشات خلال الزيارة حول ملفات كبرى أبرزها ملف تايوان حيث طالب شي جين بينغ الولايات المتحدة بالتعامل مع القضية بحذر . وكذلك ملف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا وملف التجارة والتعرفة الجمركية إضافة الى مآلات الحرب في الشرق الأوسط وإيران.

وأسفرت المحادثات المكثفة بين الزعيمين عن توافقات حول ثماني نقاط رئيسية بشأن هذه القضايا المعقدة والساخنة، مما يفتح الباب أمام هدنة مؤقتة تحكمها براغماتية المصالح المشتركة وضبط النفس الإستراتيجي، في وقت يعاني فيه العالم من مخاض عسير جراء الأزمات المعقدة والمتشابكة في أكثر من مكان حول العالم. وأبرز النقاط التي شملتها التوافقات بحسب البيان الأخيرة الصادر عن بكين بشأن مخرجات القمة ،تتعلق أساسا  بالهدنة التجارية وتجميد التصعيد الجمركي . فقد تضمنت التفاهمات كبحا مؤقتا لحروب الرسوم الجمركية المتبادلة، لمنع الإضرار المباشر بسلاسل الإمداد العالمية ومعدلات النمو.

 كما تضمنت القمة توافقا بشأن إدارة سلاسل التوريد الحيوية  ووضع آليات تشاورية لتجنب القيود الأحادية المفاجئة على المواد الخام والصناعات الحساسة.

 وتم الاتفاق كذلك على التعاون في مكافحة الجرائم العابرة للحدود وذلك من خلال  تنسيق أمني محدد لضبط تدفق المواد الكيميائية المرتبطة بتصنيع المخدرات والمؤثرات العقليّة. إضافة الى فتح خطوط الاتصال العسكري المباشر  وإعادة تفعيل قنوات الحوار بين قيادات البلدين العسكرية لدرء أي سوء تقدير في مناطق الاحتكاك البحري والجوي ولا سيما في بحر الصين الجنوبي.

واتفق الجانبان أيضا على عبر تثبيت دورية اللقاءات القيادية الدبلوماسية العليا وتأكيد زيارات متبادلة مقبلة مثل الترتيب لقمة منتدى "أبيك" المرتقبة. وتوصل الطرفان الى ضرورة الالتزام بالحفاظ على قنوات حوار مستمرة بين البنوك المركزية ووزارات المالية لتقليل تقلبات الأسواق العالمية.

أما  النقطة الأهم فتتعلق بتأطير الخلافات الإقليمية ووضع الملفات الجيوسياسية الشائكة تحت سقف "إدارة الأزمات" بالوسائل الدبلوماسية لمنع تحولها إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

وفيما يتعلق بأمن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ، فقد تم الاتفاق على خطوط إرشادية أولية ومقيدة لضبط التنافس التقني، لمحاولة منع خروج تطبيقات الذكاء الاصطناعي عن السيطرة العسكرية أو الأمنية. وتجدر الإشارة هنا الى أن  التنافس الصيني-الأمريكي التكنولوجي لم يعد محصورا في العواصم التقليدية أو الأسواق المالية الكبرى، بل امتد ليمسك بقلب الجغرافيا الاقتصادية الجديدة في الشرق الأوسط، ويتجلى ذلك في  مشروع "نيوم" السعودي العملاق. هذا المشروع الاستثماري الذي يهدف إلى تنويع الاقتصاد السعودي وتقليل الاعتماد على النفط، عبر بناء نموذج عالمي جديد للمدن الذكية المستدامة التي تعتمد كليا على الطاقة المتجددة  . وبسبب اعتماده على أحدث تقنيات المستقبل في الذكاء الاصطناعي  والرقمنة  والطاقة النظيفة ، تنظر إليه القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين كمركز استراتيجي واعد للشراكات التقنية والاقتصادية، وهو ما يضعه في قلب صراع النفوذ التكنولوجي العالمي  . وبالنسبة لبكين يمثل هذا المشروع نقطة ارتكاز محورية في مبادرة "الحزام والطريق"، ومختبرا عالميا لمدن الذكاء الاصطناعي وتقنيات الطاقة المستدامة.

من جهة أخرى حملت القمة تداعيات عديدة  على الاقتصاد العالمي وأعطت مخرجاتها الأخيرة  بارقة أمل مؤقتة للأسواق العالمية التي أنهكها شبح الحرب التجارية والانقسام الجيوسياسي .  فالهدنة التجارية المعلنة عبر خفض الرسوم الجمركية على السلع بقيمة 30 مليار دولار  بحسب ما أكد البيان الصادر عن البيت الأبيض  وتمديد الهدنة التجارية لمدة شهرين، والتي كان من المقرر أن تنتهي في 10 نوفمبر القادم... كل ذلك من شأنه  أن يعطي متسعا من الوقت للتوصل الى اتفاق تجاري أوسع بكل ما يحمله من انعكاسات إيجابية على استقرار أسعار السلع الأساسية وسلاسل التوريد العالمية، مما يمنح الاقتصاد العالمي هامشا من المرونة.

وساهم لقاء القمة في تبديد جزء من مخاوف الركود العالمي الناتج عن سياسات فصل الاقتصادين  لصالح نموذج أكثر مرونة يقوم على تقليل المخاطر .

 وعلى الرغم من التهدئة المعلنة، الا ان سيطرة بكين على المعادن النادرة تظل ورقة ضغط استراتيجية قابلة للتفعيل في أي لحظة، مما يبقي الاستثمارات الطويلة الأجل في حالة حذر.

وشكل ملف تايوان "الاختبار الأعقد" على طاولة المباحثات، نظرا لكونه الخط الأحمر الأول لبكين وجوهر الأمن القومي الأمريكي في آسيا والهادئ. وفي هذا السياق لم تقدم واشنطن تنازلات استراتيجية، بينما جدد الرئيس الصيني التأكيد على أن قضية تايوان هي "الخط الأحمر الأساسي الذي لا يجوز تخطيه" في العلاقات الثنائية. وما تم التوصل إليه بشأن تايوان انحصر في "دبلوماسية التهدئة اللفظية" وضبط الرسائل السياسية، حيث أكدت واشنطن التزامها بسياسة "الصين الواحدة" مع تجديد رفضها لأي تغيير أحادي الجانب في الوضع الراهن، بينما تعهدت بكين بإدارة التوترات بحذر وتجنب أي تصعيد عسكري مفاجئ في مضيق تايوان، مما أبقى فتيل الأزمة مجمدا مؤقتا دون إيجاد حل جذري لها.

يأتي ذلك فيما توقع نائب وزير خارجية تايوان "وو تشيه تشونغ" في تصريحات امس المضي قدما في صفقة بيع أسلحة أمريكية معلقة لبلاده بقيمة 14 مليار دولار على الرغم من مخرجات القمة، مؤكدا أن تايبيه وواشنطن حافظتا على تواصل وثيق يضمن استمرار الدعم العسكري لتعزيز قدرات تايوان الدفاعية.

وعلى الصعيد الجيوسياسي الإقليمي، برز الملف الإيراني كأحد أكثر الملفات تعقيدا على الطاولة، حيث وصف الرئيس الأمريكي الدعم الصيني لطهران بأنه "غير مقبول على الإطلاق". فقد حرص الرئيس الصيني على إرسال رسائل متوازنة تحث واشنطن وطهران على العودة إلى مسار التفاوض السلمي وإحياء الاتفاق النووي، معربا عن أمل بلاده في تحقيق الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط.

وفي المقابل، تسعى واشنطن لانتزاع ضمانات أو تقليص للدعم الاقتصادي والإستراتيجي الصيني الموجه لطهران، في وقت ترى فيه الصين أن أمن الطاقة الإقليمي وتأمين خطوط تجارتها يمر عبر الحوار الشامل لا عبر سياسات الضغط القصوى، مما يجعل هذا الملف عرضة للتجاذب الخفي برغم مظاهر التهدئة.

ولا تنفصل مخرجات قمة واشنطن والتعامل مع الملف الإيراني عن الضغوط السياسية الداخلية المتصاعدة التي يواجهها الرئيس الأمريكي على أبواب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في الثالث من نوفمبر المقبل. فمع تراجع شعبية إدارة ترامب وانعكاسات الحرب المستمرة في إيران والأزمات الاقتصادية على الشارع الأمريكي، بدأ أعضاء بارزون ومرشحون من الحزب الجمهوري يعيدون حساباتهم ويحاولون النأي بأنفسهم عن سياسات البيت الأبيض لحماية حظوظهم الانتخابية. وقد تجسد هذا التشرذم في تصويت نواب جمهوريين لصالح تقييد صلاحيات ترامب العسكرية، وانتقادات علنية حادة وجهها قياديون جمهوريون - مثل السيناتور ليزا موركوفسكي وروغر ويكر - لطبيعة الاستقبال المبالغ فيه للرئيس الصيني في واشنطن، وسط مخاوف متزايدة من تنامي التعاون العسكري والاستخباري بين طهران وبكين. هذا المخاض الداخلي يضع الإدارة الأمريكية أمام مأزق حقيقي بين متطلبات الدبلوماسية الدولية وإكراهات الاستحقاقات الانتخابية المحلية.

ولفت الانتباه خلال هذه الزيارة حفاوة الاستقبال التي أحيط بها الرئيس الصيني، وهو ما يعكس طبيعة الشخصية السياسية  لدونالد ترامب، فهو رئيس لا يتعامل بمنطق الدبلوماسية التقليدية، بل لا يمنح احترامه الكامل إلا للأقوياء. وهذا يظهر جليا حقيقة ان الدول الكبرى وحدها هي القادرة، عبر ما تمتلكه من تطور اقتصادي وعسكري، وعظمة حضارية، وحنكة دبلوماسية صلبة، على فرض مكانتها وانتزاع التقدير في معترك العلاقات الدولية. وتتضح هذه المقارنة جلية إذا ما استُحضِرت سلوكيات ترامب الفجة وتصرفاته الحادة مع زعماء وقادة دول أخرى ممن لم يمتلكوا أوراق القوة ذاتها. ليؤكد هذا المشهد مجددا أن لغة القوة والمصالح المتبادلة هي المعيار الأوحد الذي يحكم إيقاع الاحترام في قاموس الإدارة الأمريكية الحالي.

ولا يمكن اختزال الصراع المحتدم بين واشنطن وبكين في مجرد تنافس تجاري عابر أو أزمات دبلوماسية مؤقتة، بل هو مخاض عسير لإعادة رسم خارطة النفوذ العالمي. فبينما تراهن الإدارة الأمريكية على أدوات القوة الخشنة وحرب الرقائق واستعراض الردع العسكري، تثبت الصين قدرتها على إدارة المعركة بحلم استراتيجي طويل الأمد، مستندة إلى إرث حضاري عميق مستوحى من طريق الحرير التاريخي وقاعدة صناعية تكنولوجية صلبة.

وفي المحصلة فإن ما جرى في واشنطن ليس اتفاق سلام شامل بين بيكين وواشنطن بقدر ما هو "هدنة تكتيكية" تهدف إلى شراء الوقت. فالصين والولايات المتحدة محكومتان بتشابك اقتصادي عميق يمنع الصدام المطلق، لكن تنافسهما الهيكلي على قيادة النظام الدولي يظل قائما.

ولعل الاستحقاقات القادمة ستضع كل هذه التفاهمات أمام الامتحان الأهم لا سيما خلال منتدى "أبيك" المرتقب، الذي سيحدد ما إذا كانت هذه القمة بداية لمسار طويل من التعايش، أم مجرد استراحة محارب قبل جولة جديدة من الصراع على النفوذ العالمي بين البلدين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115