العامة للأمم المتحدة في ظل ظرف دولي شديد التعقيد وتحت شعار "استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق للجميع". لقد تحولت الأمم المتحدة الى مجرد منبر لإلقاء الكلمات البروتوكولية، أكثر منها مساحة تفاوضية حية ومكثفة بين الخصوم والحلفاء. وهنا يبرز التساؤل حول ماذا تبقى من دور للأمم المتحدة وجمعيتها العامة في خضم حروب لا تتوقف يديرها الأقوياء بمنطق القوة وتعجز فيها الدبلوماسية الأممية عن فرض الحلول والتهدئات بمنطق العدالة والقانون والحق.
وخلال اجتماعات الجمعية العامة الحالية تتصدر المشهد في نيويورك ملفات عديدة في مقدمتها الحرب ضد إيران وأزمات أمن الطاقة والملاحة العالمية، والحرب في أوكرانيا، بالإضافة إلى القضايا الإنسانية والمناخية والذكاء الاصطناعي.
وفي ظل التعنت المتواصل وجبروت الاحتلال الذي يواصل حرب ابادته في غزة وعدوانه على جنوب لبنان واحتلاله لأراض في سوريا، يتكشف يوما بعد يوم عجز المنظومة الأممية وهشاشتها أمام فرض قراراتها أو حماية القوانين الدولية، ليتحول الدور الأساسي للأمم المتحدة في كثير من المحطات إلى حالة من "التهميش الممنهج". فحين تُفرغ القرارات الأممية من مضامينها الإلزامية، ويعطّل الفيتو المتكرر أي إدانة حقيقية أو عقوبات رادعة ضد جرائم الإبادة والانتهاكات الصهيونية المستمرة في فلسطين ولبنان، تتآكل تدريجيا رمزية المنظمة باعتبارها الحارس الإنساني والضمير العالمي للأمم. ولم تعد الأمم المتحدة بالنسبة للشعوب المستضعفة منصة لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا، بقدر ما باتت أداة بيروقراطية لـ "إدارة الأزمات" وتفريغ الغضب الشعبي ضمن أروقة التفاوض العبثي، ومسرحا تُوظفه القوى الكبرى لشرعنة مصالحها أو فرض هيمنتها، مما يكرس انطباعا بأنها تحولت من صوت للعدالة إلى صدى لموازين القوى الدولية على حساب الدماء والحقوق الأساسية للشعوب المقهورة.
وتأتي هذه الدورة في وقت تتعرض فيه المنظمة لضغوط مالية وسياسية غير مسبوقة، فرغم قيام الولايات المتحدة مؤخرا بدفع 725 مليون دولار للميزانية العادية و102 مليون دولار لعمليات حفظ السلام لتجنب خطر فقدان حق التصويت، إلا أنها لا تزال مدينة للميزانية العادية بنحو 1.312 مليار دولار. وفي ظل سعي الأمم المتحدة لتنفيذ إجراءات تقشف وإصلاح عبر مبادرة UN80 بينما تطالب إدارة ترامب بمزيد من التخفيضات الجذرية، توقف الخبير البريطاني ريتشارد غوان من مجموعة الأزمات الدولية ليصف المشهد بالقول إن الأمم المتحدة لم تعد في "سقوط حر" كما بدت العام الماضي، لكنها أصبحت عالقة في "أزمة مفتوحة بلا نهاية"، مشبها وضعها بمريض "خرج من غرفة الطوارئ لكنه لا يزال في مركز لعلاج الصدمات".
ولا تقتصر الأزمة على الجانب المالي، إذ يظل مجلس الأمن عاجزا عن التحرك في أكبر النزاعات حين تكون إحدى قوى الفيتو طرفا فيها أو تتعارض مصالح الدول الخمس الدائمة العضوية . وهو ما تختصره صرخة غوتيريش التحذيرية بالقول إن "العالم يتغير، ومؤسساتنا يجب أن تتغير معه"، مذكرا بأن الأمم المتحدة "ليست مجرد منصة، إنها وعد".
وفي المقابل يرى البعض ان الدور الحقيقي للأمم المتحدة ليس في الخطابات الرسمية الملقاة على منبر الجمعية العامة، بل في اللقاءات والاتصالات التي تدور بين صانعي القرار في العالم داخل كواليس النقاشات والغرف المغلقة، حيث تُبرم التسويات وتُختبر النوايا وفق منطق موازين القوى والمصالح الاستراتيجية لا وفق قواعد العدالة الدولية. ففي ملف الصراع الراهن في الشرق الأوسط تتفاعل اتصالات دبلوماسية وعروض لفتح مضيق هرمز مقابل تخفيف الضغط العسكري لاحتواء أسعار النفط ومنع الانفجار الشامل، بينما تتركز المشاورات بشأن غزة ولبنان على "إدارة الفوضى واحتواء التصعيد" وهندسة الترتيبات الأمنية الإقليمية بما يخدم المصالح الغربية، بعيدا عن أي حلول جذرية وعادلة، مما يجعل ما تتمخض عنه هذه اللقاءات مجرد ترحيل للأزمات الكبرى.
ويبرز الملف الإيراني والصدام العسكري مع الولايات المتحدة والاحتلال في صدارة الأحداث. ففي تطور لافت على هامش اجتماعات الجمعية العامة، أعلن مسؤول إيراني كبير استعداد طهران لإعادة فتح مضيق هرمز في غضون سبعة أيام شرط أن تتخذ الولايات المتحدة خطوات أولية لتخفيف الضغط العسكري ورفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، مع الإشارة إلى تسليم مقترح تفصيلي عبر وسطاء في 16 سبتمبر.
هذا التوجه نحو التهدئة المشروطة يتزامن مع تحذيرات القيادة العسكرية المركزية الإيرانية من أي تصعيد عسكري جديد. وفي ذات السياق، شهدت كواليس الأمم المتحدة حراكا دبلوماسيا مكثفا شمل مباحثات رفيعة المستوى بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تناولت الأوضاع مع إيران وأزمة البحر الأحمر وأوكرانيا، ما يعكس حجم المخاوف الدولية من تداعيات استمرار الصراع على الاستقرار العالمي وأسواق الطاقة.
وأدى إعلان احتمالية فتح مضيق هرمز واستئناف تشغيل خط أنابيب (شرق-غرب) السعودي إلى هبوط أسعار عقود خام برنت ودون مستويات المئة دولار، مما يؤكد مدى ارتباط الاستقرار الاقتصادي العالمي بالمسارات السياسية والدبلوماسية الجارية في نيويورك.
وتعد الدورة الـ81 للجمعية العامة هي الأخيرة للأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش مع اختتام ولايته الثانية والأخيرة في 31 ديسمبر 2026 القادم وذلك بعد عقد من الزمن على رأس المنظمة الدولية. وتجرى مباحثات لاختيار خليفته الذي سيتولى المنصب لخمس سنوات مقبلة ابتداء من 1 جانفي 2027 عبر توصية من مجلس الأمن وتعيين رسمي من الجمعية العامة.
وفي ظل عجز المنظومة الدولية عن إنصاف الشعوب المستضعفة في فلسطين ولبنان وغيرها من دول العالم التي تشهد حروبا ونزاعات، يبقى رهان الاستقرار مرتبطا بمدى قدرة المسارات الدبلوماسية القادمة على احتواء الانفجار العسكري في الملف الإيراني وباقي ملفات المنطقة الساخنة إضافة الى ممرات الطاقة العالمية، لتجنب السيناريوهات الأسوأ.