مجالات الحياة وبعد أن تعددت التقارير التي تؤكد أن اكتساحه للحياة البشرية سيتسبب في اندثار مهن عديدة وفي الوقت الذي تعاني فيه تونس من مشكلات البطالة المرتفعة التي تمس كل الفئات العمرية وكل المستويات التعليمية يصبح هذا المعطى بمثابة ناقوس خطر لسوق الشغل في تونس .
جاء في تقرير للبنك الدولي بعنوان "تبني التغيير وتحديد ملامحه: التنمية البشرية من أجل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مرحلة انتقالية" أن ثلث الوظائف فقط ستتأثر في تونس بالذكاء الاصطناعي بالإضافة إلى انه من المرجح أن يتم تغير معظم المهن المتأثرة بدل تعزيزها بالذكاء الاصطناعي. هذه الخلاصة التي تعني انه ما من شك في وجود فجوة مع البلدان التي يشهد فيها الذكاء الاصطناعي اكتساح أوسع للحياة عامة . إذا تستعد سوق العمل التونسي لتحولات مهمة خلال السنوات المقبلة، في ظل تسارع الرقمنة وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي وتغير حاجات المؤسسات، بينما تكشف نتائج مسح "مستقبل المهن" للمعهد العربي لرؤساء نشره في 2025 ان فجوة المهارات أصبحت من أبرز العوائق أمام قدرة الشركات على مواكبة هذه التحولات. وأن 80% من المؤسسات تعتبر فجوة المهارات العائق الرئيسي أمام التحول، ما يجعل معالجة هذا الخلل أحد الشروط الأساسية لمواكبة سوق العمل التونسي للتحولات المنتظرة إلى حدود 2030. فالرهان خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط على عدد الوظائف التي يمكن للاقتصاد إحداثها، وإنما على قدرته أيضاً على إعداد العاملين للوظائف التي ستتغير طبيعتها أو ستنشأ مع التحول التكنولوجي. فيما قالت 86% إنها تستهدف تحسين مهارات العاملين لديها لمواكبة الاتجاهات الرئيسية في نشاطها. كما أظهرت النتائج أن 85% من المؤسسات تستهدف تطوير مهارات موظفيها استجابة للتحولات الاقتصادية الرئيسية.
وتشير نتائج المسح أيضا إلى أن نحو 20% من الوظائف في تونس ستشهد تغيراً بحلول سنة 2030، مقابل معدل عالمي في حدود 22%. وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في اقتصاد يواجه تحديات مرتبطة بالتشغيل والبطالة إذ لا يتعلق مستقبل سوق العمل فقط بعدد الوظائف التي سيتم إحداثها وإنما أيضاً بمدى قدرة اليد العاملة على امتلاك المهارات التي ستحتاجها المؤسسات. وعلى المستوى العالمي يشير المسح إلى أن حوالي 22% من الوظائف ستتغير بحلول 2030 مع توقع استحداث 170 مليون وظيفة مقابل انتقال أو اختفاء 92 مليون وظيفة.
أما في تونس فتتجه الوظائف الأسرع نموا بصورة واضحة نحو المجالات التكنولوجية. وتضع الدراسة اختصاص البيانات الضخمة واختصاص الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في مقدمة الوظائف ذات النمو المرتفع إلى جانب مهندسي الروبوتات. وفي المقابل تتوقع المؤسسات تراجع عدد من الوظائف، من بينها المحاسبون والمدققون وعمال التركيب والمصانع وموظفو إدارة الأجور بسبب رقمنة العمليات وتغير حاجات السوق.
فالمؤسّسات لا تواجه فقط تحدي خلق مواطن شغل وإنما أيضا تحدي العثور على يد عاملة تمتلك المهارات المطلوبة للوظائف الجديدة. إن التحول المتوقع في سوق العمل يأتي في وقت لا تزال فيه البطالة تمثل أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية في تونس بنسبة مرتفعة كانت إلى حدود الثلاثي الثاني من العام الحالي ب 14.9%. لذلك فإن الفجوة التي تكشفها الدراسة لا تتمثل بالضرورة في غياب اليد العاملة وإنما في عدم التطابق بين المهارات المتوفرة والمهارات التي يتجه الطلب عليها. وبينما يتقدم الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والأمن السيبراني إلى مقدمة المهارات المستقبلية فإن المؤسسات مطالبة بالاستثمار في إعادة تأهيل العاملين فيما تواجه منظومة التعليم والتكوين تحدي الاستجابة بشكل أسرع لحاجات الاقتصاد.