يوفال أبراهام ورايتشل زور تاريخ مهرجان البندقية من بابه الكبير، بعد أن حظي بموجة تصفيق استمرت 24 دقيقة ونصف الدقيقة، محطما الرقم القياسي السابق الذي حققته المخرجة كوثر بن هنية عن فيلمها «صوت هند رجب» والذي نال تصفيقا دام 22 دقيقة. وقد عادت المخرجة التونسية كوثر بن هنية هذا العام إلى مهرجان البندقية عضوة في لجنة التحكيم.
كان «نازا» هو الفيلم الوثائقي الوحيد المشارك في المسابقة الرسمية لهذا العام. وفي مهرجان يهيمن عليه عادة الفيلم الروائي، شكّل وجوده استثناءً لافتا، خاصة مع الحديث المبكر عن إمكانية منافسته على جائزة «الأسد الذهبي
من التحقيق الصحفي إلى الشاشة
بعد فوزه بالجائزة الخاصة للجنة التحكيم واستقباله بتصفيق قياسي، غادر الفيلم الوثائقي «نازا» قاعة عرض الدورة الأخيرة لمهرجان البندقية السينمائي، ليصبح حديث الصحافة والسياسة والرأي العام في الوقت نفسه. فبعد عرضه الأول، دوّى التصفيق في القاعة لأكثر من 24 دقيقة، في مشهد غير مسبوق في تاريخ المهرجان. لكن الاحتفاء السينمائي لم يكن سوى بداية الحكاية، إذ سرعان ما تحوّل الفيلم إلى مادة سجال سياسي حاد داخل إسرائيل. كما فتح نقاشا واسعا حول الحرب والسرديات المتنافسة وحدود حرية التعبير.
قد يبدو عنوان «نازا» غامضا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع اختصار لمصطلح عسكري يُستخدم داخل الجيش الإسرائيلي للإشارة إلى ما يسمى «الأضرار الجانبية» الناتجة عن الغارات الجوية.
ومن هذا المصطلح تحديدا، ينطلق الفيلم ليبحث في آليات الاستهداف خلال الحرب على غزة، مستندا إلى شهادات من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها.
على مدى ثمانين دقيقة، يجمع الفيلم شهادات 24 ضابط استخبارات وجنديا ومبلّغا عن مخالفات. وقد صُورت أجزاء من العمل في ظروف سرية خلال الليل وعلى أسطح بنايات في تل أبيب، في محاولة لحماية المتحدثين وإتاحة مساحة لهم للكلام بكل حرية.
لا يقدّم «نازا» رواية تقليدية للحرب وسردية متداولة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي . في المقابل، يحاول الإجابة على الأسئلة الشائكة : كيف تُختار الأهداف؟ وكيف تُحسب الخسائر البشرية؟ ومن يتحمل مسؤولية القرار؟
لم يولد فيلم «نازا» من فراغ، فقدج كانت ولادته ثمرة تحقيقات استقصائية نشرت خلال العامين الماضيين في عدد من المنصات الإعلامية، من بينها مجلة +972 ومنصة «لوكال كول» وصحيفة «الغارديان».
وقد نجح المخرجان في نقل هذه المادة الصحفية إلى لغة سينمائية مكثفة. فجمعا بين الوثيقة والشهادة والصورة، من دون أن تفقد بعدها الإنساني.
غضب داخل إسرائيل
إن كان فيلم «نازا» قد لقي ترحيبا واسعا في مهرجان البندقية، فإن ردود الفعل داخل إسرائيل كانت مختلفة تماما. فقد أثار العمل موجة من الانتقادات السياسية والإعلامية. واعتبره بعض المسؤولين والناشطين إساءة إلى الدولة ومؤسساتها.
ومع تصاعد الجدل، وصلت بعض الدعوات إلى حد المطالبة بسحب الجنسية من مخرجي الفيلم، وهو ما زاد من حجم الاهتمام الإعلامي بالعمل وأعطاه بعدا يتجاوز المجال السينمائي.
تكمن قوة «نازا» في أنه لم يبق حبيس شاشة العرض. فسواء اتفق المشاهد مع ما يطرحه أو اختلف معه، فإن الفيلم نجح في إثارة نقاش واسع حول واحدة من أكثر القضايا حساسية في العالم اليوم.
ربما كان التصفيق الطويل ترجمة لإعجاب الجمهور على كيفية تحويل عمل وثائقي مدته ثمانون دقيقة إلى قضية ثقافية وسياسية تتجاوز حدود المهرجان. وتستمر بعد إسدال الستار.