الثمانية الأولى من السنة الجارية، في مؤشر يعكس استمرار الضغوط التي تواجهها التجارة الخارجية رغم تسجيل الصادرات نموا ملحوظا خلال الفترة نفسها. ووفق أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء، فقد بلغ العجز التجاري إلى نهاية شهر أوت الفارط نحو 17.8538 مليار دينار، مقابل 14.639 مليار دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025، مسجلا زيادة تناهز 21.96 بالمائة، أي ما يعادل نحو 3.215 مليار دينار إضافية في عام واحد.
تكشف هذه الأرقام أن التحسن المسجل على مستوى الصادرات لم يكن كافيا لتعويض الارتفاع المتسارع في الواردات، في وقت يواصل فيه الميزان الطاقي لعب دور محوري في تعميق العجز، إلى جانب العجز المسجل في المواد الأولية ونصف المصنعة ومواد التجهيز والعديد من السلع الاستهلاكية.
الواردات تنمو بوتيرة أسرع
أظهرت بيانات التجارة الخارجية بالأسعار الجارية أن قيمة الصادرات ارتفعت خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية إلى 44.6716 مليار دينار، مقابل 41.3724 مليار دينار خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، وبذلك تكون الصادرات قد سجلت نموا في حدود 7.97 بالمائة، وهو تطور إيجابي من حيث المبدأ، خصوصا في ظل مساهمة عدد من القطاعات المصدرة في دعم المداخيل الخارجية للبلاد، غير أن هذا النمو لم يكن كافيا لمواكبة الارتفاع المسجل في الواردات، التي قفزت من 56.0113 مليار دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2025 إلى 62.5254 مليار دينار خلال الفترة نفسها من 2026. وبلغت نسبة نمو الواردات 11.63 بالمائة، أي أنها نمت بوتيرة أسرع بنحو أربع نقاط من الصادرات، ليكشف هذا التطور عن اتساع الفجوة بين قيمة الصادرات والواردات، وبالتالي ارتفاع العجز التجاري إلى مستويات أكبر مقارنة بالسنة الماضية.
تراجع نسبة تغطية الواردات بالصادرات
انعكس اتساع الفارق بين الصادرات والواردات على نسبة تغطية الواردات بالصادرات، التي تراجعت من 73.86 بالمائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2025 إلى نحو 71.45 بالمائة في الفترة المقابلة من سنة 2026، ويكتسب هذا المؤشر أهمية خاصة لأنه لا يقيس فقط تطور الصادرات بشكل منفصل، وإنما يعكس العلاقة بين قدرة الاقتصاد على تحقيق مداخيل من الخارج وبين حجم الطلب على السلع والخدمات المستوردة، وبذلك فإن ارتفاع الصادرات بنسبة تقارب 8 بالمائة لا يعني بالضرورة تحسن وضعية الميزان التجاري، طالما أن الواردات تنمو بوتيرة أسرع. هذا وتكشف التفاصيل القطاعية للبيانات أن الطاقة تظل العامل الأكثر تأثيرا في تفاقم العجز التجاري، حيث بلغ العجز في الميزان الطاقي خلال نفس الفترة نحو 8.9302 مليار دينار، مقابل 7.148 مليار دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025، وبذلك ارتفع العجز الطاقي بنحو 1.78 مليار دينار في عام واحد. ويعادل العجز المسجل في قطاع الطاقة تقريبا نصف العجز التجاري الإجمالي، وتزامن ارتفاع العجز الطاقي مع زيادة قوية في واردات المنتجات الطاقية، التي ارتفعت خلال الفترة ذاتها بنسبة 28.5 بالمائة. ويكشف هذا التطور عن استمرار حساسية الميزان التجاري لتطورات سوق الطاقة.
سجلت الصادرات الطاقية بدورها نموا قويا، حيث ارتفعت صادرات القطاع بنسبة 44.3 بالمائة، مدفوعة أساسا بارتفاع مبيعات المنتجات المكررة. وبلغت قيمة صادرات المواد المكررة نحو 1.12 مليار دينار، مقابل حوالي 504.2 مليون دينار خلال الفترة نفسها من العام الماضي. وهذا التطور يوضح أن ارتفاع صادرات الطاقة لم يكن كافيا لتغيير الصورة العامة للميزان الطاقي، في ظل استمرار ارتفاع قيمة الواردات بوتيرة كبيرة. ورغم أن الطاقة تمثل العامل الأكبر في العجز التجاري، فإن البيانات تكشف أن المشكلة لا تتوقف عند قطاع المحروقات، فقد بلغ العجز التجاري خارج الطاقة نحو 8.9237 مليار دينار خلال الفترة ذاتها.
عجز المواد الأولية ونصف المصنعة يتجاوز 4.5 مليارات دينار
بلغ العجز في المواد الأولية ونصف المصنعة نحو 4.5441 مليار دينار. ويعكس هذا الرقم ارتباط جزء مهم من النشاط الصناعي والإنتاجي بالمدخلات المستوردة من الخارج، فيما بلغ العجز في مواد التجهيز نحو 3.1255 مليار دينار، وتكتسب هذه الفئة أهمية خاصة لأن واردات التجهيز يمكن أن تكون مرتبطة بالاستثمار وتحديث القدرات الإنتاجية. كما سجلت مواد الاستهلاك عجزا في حدود 2.2372 مليار دينار. وفي مقابل العجز المسجل في قطاعات الطاقة والمواد الأولية والتجهيز والاستهلاك، حقق قطاع المواد الغذائية فائضا قدره نحو 983.1 مليون دينار. ويعود جزء مهم من هذا الأداء إلى قوة الصادرات الغذائية، وفي مقدمتها زيت الزيتون، فقد بلغت عائدات صادرات زيت الزيتون نحو 3.7697 مليار دينار مقابل 2.7024 مليار دينار خلال الفترة نفسها من 2025. وبذلك ارتفعت عائدات صادرات زيت الزيتون بأكثر من مليار دينار في عام واحد، لتؤكد هذه المادة مجددا موقعها كأحد أهم مصادر العملة الأجنبية بالنسبة إلى تونس.
الاتحاد الأوروبي.. الشريك التجاري الأكبر
على المستوى الجغرافي، تظل السوق الأوروبية الوجهة الأساسية للصادرات التونسية، فقد استحوذ الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 على نحو 70.2 بالمائة من إجمالي الصادرات التونسية، بقيمة بلغت 31.3464 مليار دينار، مقابل 29.1659 مليار دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025، ويؤكد ذلك استمرار الارتباط القوي للاقتصاد الوطني بالسوق الأوروبية، سواء من حيث الصادرات أو من حيث الإنتاج والاستثمار. وسجلت الصادرات التونسية نحو فرنسا ارتفاعا بنسبة 3.4 بالمائة، بينما ارتفعت الصادرات نحو إيطاليا بنسبة 5.2 بالمائة، ونحو ألمانيا بنسبة 2.1 بالمائة، هذه الزيادات، وإن كانت متفاوتة، تؤكد استمرار أهمية الأسواق الأوروبية بالنسبة إلى المؤسسات التونسية المصدرة، لكن الواردات من الاتحاد الأوروبي ترتفع بدورها، حيث ارتفعت واردات تونس من الاتحاد الأوروبي بشكل واضح، لتبلغ نحو 28.175 مليار دينار، مقابل 24.4101 مليار دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2025.
كما سجلت الواردات التونسية من تركيا ارتفاعا بنسبة 8.1 بالمائة، فيما زادت الواردات من الصين بنسبة 6.1 بالمائة، وتكشف هذه الأرقام عن جانب آخر من تركيبة العجز التجاري والذي يتمثل في ارتفاع قيمة الواردات من بعض الشركاء مقارنة بحجم الصادرات التونسية نحو هذه الأسواق.
لم يعد العجز التجاري مجرد رقم يرتفع من سنة إلى أخرى، بل أصبح مؤشرا على مجموعة من الاختلالات والتحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد، ووصول العجز إلى 17.85 مليار دينار خلال ثمانية أشهر، مقابل 14.64 مليار دينار قبل عام، يؤكد أن الفجوة بين الصادرات والواردات اتسعت بشكل واضح، والطاقة مسؤولة عن جزء كبير من العجز، في حين يمثل العجز خارج الطاقة رقما مماثلا تقريبا ما يعني أن معالجة الاختلال تتطلب سياسة متعددة المحاور.