جولة كوشنر في المنطقة.. غزة على طاولة التفاوض والضفة في قلب التصعيد الإسرائيلي

لم يعد التحرك الأمريكي بشأن قطاع غزة منفصلا

عن المشهد الفلسطيني الأوسع، فبينما يبحث جاريد كوشنر، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قيادة حركة ''حماس'' في مصر ، تنفيذ خارطة الطريق الأمريكية، الضفة تواصل الغربية المحتلة التحول إلى جبهة مفتوحة على احتمالات التصعيد،في ظل استمرار اعتداءات وانتهاكات المستوطنين وأيضا في ظل الإجراءات الإسرائيلية المجحفة وتزايد المخاوف من أن تتحول ترتيبات "اليوم التالي'' في غزة إلى مسار مواز لتكريس واقع جديد في الضفة المحتلة .

ويكتسب هذا التزامن أهمية كبرى، خصوصا أنّ كوشنر يعمل -وفق تصريحات أمريكية- محاولة لدفع خطة غزة التي تتضمن نزع سلاح الفصائل، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وترتيبات أمنية وإدارية جديدة للقطاع. وتؤكد المعطيات أنّ نجاح هذه الخطة لا يتوقف على موقف حماس وحدها، بل يرتبط أيضا بمدى استعداد حكومة الاحتلال الإسرائيلية للقبول بالانسحاب ووقف العدوان والالتزام بالشق السياسي من الاتفاق. ومساءالأحد، وصل كوشنر إلى "إسرائيل"، بعد محادثات أجراها مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ولاحقا مع وفد من حركة "حماس" في مصر.

ويتزامن هذا الحراك الدبلوماسي مع التصعيد الذي تعيشه الضفة الغربيةالمحتلة، ففي الوقت الذي تنشغل فيه العواصم بملف نزع سلاح حماس ومستقبل إدارة غزة، يرى مراقبون أن الضفة باتت تمثل الحلقة التي لا يمكن تجاهلها في أي تسوية مقبلة، خصوصا مع استمرار التوتر الميداني من اعتداءات دامية ينفذها المستوطنون وارتفاع احتمالات التصعيد فيها. وتأتي هذه المخاوف في وقت تشير فيه تقييمات ميدانية إلى أن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة في الضفة الغربية المحتلة بالتزامن مع جبهات أخرى.

والتقى رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بجاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومبعوثه، وذلك بعد يوم من عقد الأخير اجتماعا نادرا مع مسؤولين من حركة حماس في القاهرة، في محاولة لتحريك خطة الرئيس الأمريكي بشأن غزة.وقال مصدر دبلوماسي إن خليل الحية رئيس المكتب  السياسي لحماس حضر بعض الاجتماعات التي عقدها الوسطاء مع كوشنر ونيكولاي ملادينوف،  مبعوث مجلس السلام التابع لترامب إلى غزة، في  القاهرة أمس الاول. ويمثل ذلك ثاني اجتماع معروف لكوشنر مع ممثلين عن حركة حماس.وقال ترامب في أواخر جويلية إنه جرى التوصل إلى  اتفاق لنزع سلاح حماس وغيرها من الجماعات  المسلحة في غزة. لكن نتنياهو، الذي يسعى لإعادة انتخابه في الاقتراع المقرر  في أكتوبر ، ‌رفض الخطة التي طرحها ترامب علنا. وذكر ترامب أن الاتفاق سينفذ على مراحل،مع انسحاب القوات الإسرائيلية  من غزة بالتزامن مع التقدم في عملية نزع السلاح وتولي قوة دولية لتحقيق الاستقرار العمل مع  قوة شرطة فلسطينية جديدة لتأمين القطاع.

بين غزة والضفة

ووفق متابعين يحمل المشهد الفلسطيني الحالي مفارقة واضحة بين مسار دبلوماسي أمريكي يسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة في غزة، مقابل استمرار الانتهاكات والاعتداءات في الضفة الغربية.

ويرى محللون أنّ هذه المفارقة ليست عابرة، إذ إن أي معالجة لملف غزة بمعزل عن الضفة قد تنتج تسوية جزئية لا تعالج جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.فالقضية الفلسطينية، في الحسابات السياسية، ليست قطاع غزة وحده، بل منظومة مترابطة تشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية ومستقبل الدولة الفلسطينية والذي يسعى الاحتلال عبر مخططاته إلى فصلها جغرافيا وسياسيا .

وخلال الفترة الأخيرة، استمرت الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية والهجمات في غزة، وهو ما يعزز المخاوف الفلسطينية من أن تكون الضفة أمام مرحلة جديدة من التصعيد.

وتتحدث تقارير حديثة عن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة وغزة،بينما تشير تقديرات ميدانية إلى بقاء احتمالات التصعيد في الضفة مرتفعة.ويرى مراقبون أنّ خطورة المشهد لا تكمن فقط في عدد العمليات أوالمداهمات، وإنما في التراكم السياسي والميداني الذي يمكن أن ينتج واقعا جديدا على الأرض.فكل تصعيد جديد، وكل توسع استيطاني، وكل عملية تهجير أو مصادرة أراض، يضيّق المساحة المتاحة أمام أي حل سياسي يقوم على إقامة دولة فلسطينية.فإذا كانت واشنطن تسعى إلى نزع سلاح الفصائل في غزة وإنشاء إدارة فلسطينية مدنية جديدة، فإن استمرار السياسات الإسرائيلية في الضفة قد يقوض المبررات السياسية التي تستند إليها الخطة الأمريكية نفسها.

ووفق محللين من أبرز القضايا التي حملها لقاء كوشنر مع "حماس" ملف السلاح.لكن هذا الملف، وفق مراقبين، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن السؤال المتعلق بالوجود العسكري الإسرائيلي.فحركة المقاومة الإسلامية حماس تطالب بانسحاب إسرائيل ووقف الهجمات، بينما تضغط واشنطن باتجاه نزع السلاح وإنهاء الدور الحكومي للحركة. وتشير التقارير إلى أن المباحثات ناقشت قضايا الانسحاب الإسرائيلي، وقوة الاستقرار الدولية، والمساعدات،ومستقبل الإدارة المدنية للقطاع.أما إسرائيل، فتواجه ضغوطا بشأن الانسحاب ووقف الهجمات والقبول بالترتيبات السياسية التي تتضمنها خطة غزة.وقد رفض نتنياهو الخطة الأمريكية أو أبدى معارضة لبعض عناصرها،بينما تسعى إدارة ترامب إلى دفعها قدما.

ويرى محللون أن الضفة الغربية قد تكون إحدى أوراق نتنياهو في هذه المعادلة، إذ إن حكومة الاحتلال الإسرائيلية تعمل، في حال تعثر المسار في غزة، على تشديد إجراءاتها الأمنية والسياسية في الضفة، ما قد يؤدي إلى فتح جبهة جديدة من التوتر.

اعتداءات المستوطنين في الضفة

ووفق متابعين لا يقتصر التصعيد في الضفة على العمليات العسكرية الإسرائيلية الرسمية، إذ يمثل عنف المستوطنين والسياسات المرتبطة بالاستيطان أحد الملفات التي يمكن أن تؤثر في مستقبل أي تسوية.ويرى مراقبون أنّ أي خطة سلام تتجاهل هذا العامل ستكون معرضة للاهتزاز، لأن تغيير الوقائع على الأرض في الضفة يمكن أن يجعل الحلّ السياسي أكثر صعوبة حتى لو نجحت المفاوضات المتعلقة بغزة.

ولهذا، يرى محللون أنّ استمرار التوسع الاستيطاني أو التهجير أو التضييق على الفلسطينيين في الضفة قد يتعارض بصورة مباشرة مع أي حديث أمريكي عن إقامة دولة فلسطينية مستقبلا. ويؤكد متابعون أن هذا الاحتمال لا يمكن استبعاده، خصوصا إذا فشلت مفاوضات المرحلة الثانية أو بقيت قضية السلاح والانسحاب الإسرائيلي عالقة.ففي مثل هذه الحالة، قد تعود إسرائيل إلى توسيع عدوانها في الضفة تحت مبررات منع الهجمات، بينما قد تتجه الفصائل الفلسطينية إلى تكثيف المواجهة هناك.وهكذا، بدل أن يؤدي الاتفاق في غزة إلى خفض شامل للتوتر، قد يتحول إلى إعادة توزيع لجبهات الصراع.وتحذر قراءات ميدانية من أن الضفة لا تزال من المناطق المرشحة للتصعيد، ما يجعل أي تسوية في غزة بحاجة إلى معالجة متزامنة للأوضاع فيها.

القدس في قلب المعادلة

ولا يمكن الحديث عن الضفة الغربية من دون القدس ، فالقدس تمثل نقطة تماس سياسية ودينية وأمنية شديدة الحساسية، وأي تصعيد فيها يمكن أن ينعكس سريعا على الضفة وغزة والمنطقة بأكملها.

ويرى مراقبون أنّ إحدى نقاط الضعف في أي اتفاق يركز على غزة فقط هي أنه قد يترك الملفات الأكثر حساسية خارج إطار التفاوض، وهو ما يسمح بعودة التصعيد من بوابة القدس أو الضفة.ومن هنا، فإنّ استدامة الهدوء في غزة ستحتاج، على الأرجح، إلى مستوى أوسع من التهدئة يشمل الضفة والقدس أيضا.

ويرى محللون أن نجاح واشنطن في غزة من دون تحقيق تغيير في الضفة سيكون نجاحا محدودا، لأن استمرار الصراع هناك سيبقي القضية الفلسطينية مفتوحة على احتمالات الانفجار.بل إن بعض المراقبين يذهبون أبعد من ذلك، معتبرين أن مستقبل الضفة قد يكون الاختبار الحقيقي لأي مشروع أمريكي لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115