Print this page

رحلة البحث عن العدالة الصحية للنساء في الأرياف والمناطق الحدودية حين تقرر الجغرافيا مصير الجسد والحياة

في قرى تونس النائية وتخومها الحدودية التي تعيش على

هامش التنمية، لا تقتصر معركة النساء اليومية على مجرد مجابهة قسوة الطبيعة أو هشاشة الواقع الاقتصادي، بل تمتد لتكون صراعا صامتا من أجل الوصول إلى "حق غائب" وهو الحق في الصحة الشاملة للنساء.

فرغم الترسانة التشريعية المتقدمة التي تحظى بها البلاد، تفضح الخارطة الصحية هوة سحيقة بين المركز والأطراف، حيث تُترك المرأة في الأرياف رهينة لنقص المؤسسات وغياب أطباء الاختصاص وعتمة الطرقات المقطوعة. من سليانة إلى القصرين، ومن حاسي الفريد إلى التجمعات المعزولة بمرناق، تتشابه حكايات الوجع والانتظار، وتتكرر شهادات نساء دفعت جغرافيا سكناهن ثمن التأخير في العلاج. وفي خضم هذا الواقع تبرز صرخات الحقوقيات والفاعلات في المجتمع المدني والصحافة الميدانية، لتسائل الضمير الجماعي وترفع شعارا لا حياد عنه وهو ان العدالة الصحية ليست منّة ولا شعارا موسميا، بل هي المحرار الحقيقي لبناء دولة المواطنة والكرامة الإنسانية.

شهادات حية من قلب المعاناة

لتسليط الضوء على هذا الواقع كشفت الناشطة الحقوقية رباب الهمامي الكاتبة العامة لرابطة النساء الحقوقيات، ومستشارة بلدية ورئيسة لجنة الشؤون الاجتماعية ببلدية مرناق سابقا  عن تفاصيل ميدانية وشهادات حية لنساء دفعن ثمن هذا النقص الهيكلي في الخدمات الصحية. أشارت الهمامي لـ" المغرب "إلى أن التقارير والوقائع الأكثر ألما ترد تباعا من ولايات سليانة، القصرين، القيروان، والكاف، مؤكدة في السياق ذاته أن معتمدية مرناق -التي لا تبعد سوى ساعة واحدة عن العاصمة- تعاني بدورها في مناطقها الريفية مثل القنة، جبل رصاص، وسيدي مسعود بسبب غياب وسائل النقل المجدية.

وتؤكد الناشطة الحقوقية رباب الهمامي أن "الحديث عن حق النساء في المناطق الريفية والحدودية في النفاذ العادل وغير المشروط لخدمات الصحة الجنسية والإنجابية ليس حديثاً عن خدمة صحية فحسب، بل عن العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية". وتشير الهمامي إلى أن تقاسيم قوة الدول تبين اليوم بقدرتها على حماية حقوق الفئات الهشة، موضحة أن الصحة الجنسية والإنجابية هي ركيزة من ركائز الصحة العمومية والتنمية المستدامة، وليست شأنا نسويا خاصا فحسب. ومن خلال عملها الميداني، لمست الهمامي حجم المعاناة اليومية حين تحول الجغرافيا والهشاشة الاجتماعية أبسط الخدمات إلى رحلة شاقة، مستحضرة شهادات حية لنساء دفعن ثمن هذا النقص الهيكلي.

ومن أبرز هذه الشهادات الحية التي تم تدوينها خلال تنظيم القوافل الصحية بالجهات . في القصرين مريم  البالغة 35 سنة  صرحت بأنها تحتاج لأكثر من ساعة كاملة للوصول إلى أقرب مستشفى يضم طبيبا مختصا في أمراض النساء والتوليد، وغالبا ما تضطر إلى تأجيل مواعيدها الطبية الحيوية لارتفاع مصاريف التنقل وعدم توفر مرافق يشد أزرها.

وفي الشمال الغربي هناك حالة أماني  التي تبلغ 29 سنة ، أكدت أن المركز الصحي المحلي موجود جغرافيا، لكنه يعجز عن توفير كافة الخدمات العلاجية المطلوبة، وعند حاجتها الملحة لفحص دقيق أو استشارة اختصاص، يتم توجيهها إلى المستشفى الجهوي، وهو مسار شاق يتطلب ساعات من التنقل والانتظار.

 في حاسي الفريد حالة فتحية،  وتبلع 32  سنة ، دفعت ثمنا باهظا لتردي البنية التحتية، حيث تعرضت للإجهاض وفقدان جنينها خلال فصل الشتاء، نظرا لوعورة الطرقات وانعزال المنطقة، وعجزها التام عن بلوغ المستشفى في الوقت المناسب لإنقاذ حالتها.

هذه الوقائع الدامية ليست استثناءات معزولة بل تعكس واقعا أليما تؤكده شهادات أخرى لنساء يفضلن الانكفاء والصمت التام وتجنب الذهاب إلى الطبيب بسبب "الخجل" أو الخوف المبرر من الوصم الاجتماعي ونظرة المحيط، مما يؤكد الحاجة الملحة لتقريب الخدمات الصحية  والطبيبة بما يحترم خصوصية المرأة وكرامتها الإنسانية.

قوافل الأمل في مواجهة أمراض العصر

في خط متواز مع الرصد الحقوقي، لعبت الصحفية أميمة العرفاوي  دورا في نقل تفاصيل العمل الميداني، مسلطة الضوء على إحدى المحطات الفارقة المتمثلة في تنظيم قافلة صحية بمعتمدية الروحيّة  من ولاية سليانة -وتحديدا بمركز رعاية الأم والطفل-، وذلك إثر مخرجات ملتقى الإعلام والصحة المنعقد بولاية سليانة في ديسمبر 2025 والذي أثبت ارتفاع نسب الإصابة بالسرطانات الأنثوية بالجهة.

وفي تصريحها لـ" المغرب " أشارت العرفاوي الى ان هذه القافلة، التي انتظمت بفضل تنسيق محكم بين مصالح منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان وديوان الأسرة والعمران البشري، أسفرت عن نتائج لافتة تمثلت في ان القافلة لاقت إقبالا جماهيريا مكثفا فاق كل التوقعات، حيث استفاد منها أكثر من 550 امرأة وقُدمت خلالها أكثر من 550 عيادة طبية متخصصة.

وتم التركيز على الكشف المبكر والاشتباه في عدد من حالات الإصابة بالسرطانات الأنثوية، إلى جانب تأمين أنشطة تثقيف وتوعية مكثفة تخص الصحة الجنسية والإنجابية.

  وكشفت الفعالية عن تحديات بنيوية عميقة تتمثل في ضعف الوعي المجتمعي المبكر بخصوص الكشف عن السرطانات الأنثوية، ونقص أطباء الاختصاص، فضلاً عن وعورة التضاريس وكثافة السكان في الروحيّة والمناطق المتاخمة لولاية القصرين.

 وسجلت القافلة حضورا لافتا لمختلف الشرائح العمرية، لا سيما النساء كبار السن، إلى جانب حضور رجالي نوعي ولافت تمثل في مرافقة الأزواج لزوجاتهم للاطمئنان على صحتهن.

دور المجتمع المدني

ولا يقتصر منظور التغيير الشامل في السياسات على التدخلات الطبية الظرفية، بل يتطلب رؤية استراتيجية واضحة المعالم، وهو ما أكدته نسرين دالي الناشطة المدنية ومسؤولة السياسات في المجتمع المدني، التي شددت  في تصريحها لـ
" المغرب "على أن "المناصرة (Le plaidoyer) لا تقتصر على المطالبة بالحقوق فحسب، بل هي استراتيجية حقيقية لتحويل العمل الميداني إلى تغيير مستدام".

وفي هذا السياق تعتبر دالي بأن القوافل الصحية والطبية تكتسي أهمية بالغة باعتبارها رافعة فعلية تبدأ من التسقيف والتوعية، لترسيخ قناعة لدى الجنسين بأن الصحة الجنسية والإنجابية هي حق أساسي مكفول وليست طابوها اجتماعيا محظورا. ولا يتوقف المسار عند هذا الحد، بل يعتمد على التشبيك لبناء جبهة صلبة تضم الجمعيات ومهنيي القطاع الصحي، تليها مرحلة التنسيق الهيكلي مع السلطات المحلية لضمان المتابعة العلاجية اللازمة بعد مغادرة القوافل.

وختاما، تعتبر دالي بان مرحلة "المواجهة والضغط" تستند إلى البيانات والأرقام الميدانية الدقيقة كأدلة دامغة للضغط على صانعي القرار السياسي بغية تعديل التشريعات، رصد الاعتمادات المالية والميزانيات، وضمان نفاذ دائم ومستدام للخدمات الصحية لصالح كافة المواطنين دون إقصاء.

دور القابلات في الخطوط الأمامية للرعاية الصحية

 تؤكد نسرين دالي أن القابلات يمثلن الصف الأول والرقم واحد في القطاع الصحي، خاصة على المستوى العمومي وفي المناطق الريفية، نظرا لعدم قدرة النساء على زيارة أطباء النساء والتوليد بشكل يومي بسبب قلة عددهم مقارنة بالقابلات المتاحات بكثرة في الميدان.

 وقالت محدثتنا بأن معلومات القابلات مبنية على أسس علمية وصحية دقيقة، وهن يمثلن الواجهة الحقيقية للصحة الشاملة والإنجابية للنساء.

 وتشدد دالي على ضرورة تعزيز دور القابلات وحفظ حقوقهن وتكوينهن بشكل مستمر، مع توسيع نطاق دعمهن لتجاوز النظرة القاصرة التي تحصرهن فقط في متابعة النساء الحوامل أو المتزوجات.

وقالت ان القابلات تتمتعن بالقدرة على توجيه الفتيات، خاصة في مراحل دقيقة كفترة البلوغ، وشرح كيفية تفهم مراحل البلوغ .

وتؤكد دالي بان القابلة تعتبر وجها أساسيا لا يقتصر دورها على الجانب الطبي الصرف، بل يتعداه إلى التوجيه والإرشاد المعنوي والصحي، حيث تلعب دورا محوريا في نشر الوعي وفك طابوهات الصحة الإنجابية في مختلف الجهات.

وتشير دالي الى ان اهم خطوة نحو احداث تغيير فعلي في السياسات المتعلقة بالصحة الإنجابية هو التثقيف والتعليم خاصة ان التعداد الأخير لسنة 2024 كشف أن نسبة الأمية في تونس تبلغ  17بالمئة في كامل تراب الجمهورية، وأن نسبة هامة من الأميات هن من النساء (وفقا لتصريحات وزيرة الشؤون الاجتماعية).

نحو عدالة صحية شاملة

إن معالجة هذا الملف الحارق تستوجب استحضار الدور المحوري لـ ديوان الأسرة والعمران البشري، باعتباره الوجه المؤسساتي الأول والركيزة الأساسية في المنظومة الصحية والجنسية والإنجابية الشاملة في تونس، والذي يتقاطع عمله الميداني مع الهياكل العمومية والجمعيات الحقوقية لردم الهوة بين المركز والجهات الداخلية.

وتشير الناشطة المدنية يسرى دالي في هذا الصدد إلى أن الإنصاف الصحي الحقيقي يقتضي بالضرورة تبني سياسات عمومية ناجعة تكفل دعم المستشفيات العمومية والمراكز الأساسية في المناطق الريفية والحدودية بالأدوية والمستلزمات الحيوية. وكذلك  إقرار امتيازات استثنائية تحفيزية لفائدة الإطار الطبي وشبه الطبي المرابط في المستشفيات والمراكز الريفية للحد من نزيف الهجرة الداخلية للأطباء.

وتطوير خدمات الصحة المتنقلة لتجوب القرى النائية وتقرب العلاج من النساء المهشمات. والاستثمار الجاد في برامج التوعية الشاملة، واعتبار الحق في المعلومة الطبية الصحيحة جزءا لا يتجزأ من منظومة الحق في الحياة والصحة.

أرقام ومؤشرات

ان الأرقام والإحصائيات الرسمية والهيكلية الهامة الصادرة عن الهياكل الرسمية في تونس -(مثل المعهد الوطني للإحصاء والديوان الوطني للأسرة والعمران البشري) والتي تتلاقى مباشرة مع واقع الخدمات الصحية والإنجابية --تفسر جانبا من معضلة التفاوت الجهوي. وبحسب مؤشرات الأمية وتأثيرها على النفاذ الصحي فقد أظهرت النتائج الرسمية للتعداد العام للسكان والسكنى أن نسبة الأمية العامة في تونس تبلغ 17.3 بالمئة (من أصل نحو 11.9 مليون نسمة).

ويظهر الخلل بوضوح في التباين بين الجنسين والجهات، حيث ترتفع نسبة الأمية لدى الإناث لتصل إلى 22.4 بالمئة مقابل 12 بالمئة لدى الذكور.

و تسجل المناطق الداخلية والحدودية أعلى نسب أمية بين النساء (مثل جندوبة، القيروان، سيدي بوزيد، القصرين، وسليانة بنسب تتراوح بين 25 بالمئة و28.5 بالمئة)، وهو ما يفسر صعوبة وعي بعضهن بالحقوق الصحية أو التعامل مع المعلومة الطبية والوقائية.

 اما بالنسبة الى خدمات الصحة الإنجابية والحاجيات غير الملباة، فتشير التقارير الصادرة عن هياكل الصحة الإنجابية إلى وجود تحديات في تغطية الحاجيات الكاملة للنساء، حيث توجد نسبة هامة من النساء (تصل تقديرا إلى حدود 20 بالمئة في بعض الفترات أو المؤشرات المرتبطة بالنقص) ممن لا تحصلن على كافة الاحتياجات الصحية الإنجابية الملباة مثل المتابعة الطبية اللصيقة للحمل، أو خدمات الإجهاض الآمن والمتاحة.

وفيما يتعلق بتغطية وسائل تنظيم الأسرة والتفاوت الجهوي ، ورغم المجهودات التاريخية للديوان الوطني للأسرة والعمران البشري في رفع نسب التغطية بوسائل منع الحمل والتي تحسنت عموما لتتجاوز 54 بالمئة، إلا أن شبكة توزيع أطباء الاختصاص تعاني من اختلالات هيكلية،حيث تسجل بعض المندوبيات الجهوية نقصا حادا في أطباء النساء والتوليد وفنيي التبنيج، مما يؤدي إلى تراجع أو تذبذب استمرارية الخدمات الصحية الحساسة في المستشفيات الريفية والمحلية.

 وفيما يتعلق بمؤشرات وفيات الأمهات، ورغم الانخفاض التاريخي لنسبة وفيات الأمهات في تونس مقارنة بعقود خلت -حيث استقرت في حدود تقريبية تتراوح حول 34.7 لكل 100 ألف ولادة حية في فترة التقييمات السابقة وفقا لبيانات وزارة الصحة الإدارة الجهوية للرعاية الصحية الأساسية ، البرنامج الوطني لسلامة الأم والوليد ، إلا أن الخبراء والهياكل الحقوقية ​ يؤكدون أن هذا الرقم يظل قابلا للتحسين، وأن الحالات المسجلة للوفيات أو المضاعفات الخطيرة تتركز غالبا في الجهات الداخلية بسبب عوائق النقل، وعسرة الطرقات في الشتاء، والتأخر في الوصول إلى أقرب مركز استشفائي مختص.

حين تصبح الكرامة الإنسانية بوصلة للسياسات

إن بناء تونس العادلة والمستدامة لا يتحقق فقط عبر الاستثمارات الاقتصادية الكبرى أو الإصلاحات الهيكلية البحتة، بل يقاس أساسا بقدرة الدولة على حماية الحقوق الأساسية والكونية لكل مواطنيها ومواطناتها على حد سواء.

وعندما يصبح الحق في الصحة الإنجابية واقعا مضمونا ومتاحا لكل امرأة -مهما ضاقت بها سبل الجغرافيا أو اشتدت هشاشتها الاجتماعية- تكون البلاد قد خطت الخطوة الأهم نحو تحقيق دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية. فالعدالة الصحية هي اختبار أخلاقي ودستوري دائم يثبت أن كرامة النساء فوق كل اعتبار جغرافي أو غيره .

 

 

 

المشاركة في هذا المقال