كيف تعيد "هدنة الطاقة" خلط أوراق ترامب قبيل انتخابات الكونغرس؟

 فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المراقبين

بإعلان ما وصفه بـ"هدنة الطاقة" بين روسيا وأوكرانيا لوقف استهداف منشآتهما الخاصة بالطاقة ومصافي النفط.

وتُواجه الهدنة المعلنة اختبارا حقيقيا وسط شكوك واسعة بشأن مدى تنفيذها على أرض الواقع. ولئن أبدى الرئيس الأوكراني زيلينسكي ترحيبا مشروطا، مؤكدا أن بلاده أوقفت فعليا هجماتها على مصافي النفط الروسية لمدة يومين عقب الإعلان، إلا أنه اتهم موسكو بخرق الهدنة ومواصلة قصف محطات الكهرباء والبنية التحتية الأوكرانية. من جهته، أكد الكرملين على لسان المتحدث ديمتري بيسكوف أن الاتصالات مع واشنطن لا تزال "جارية" بشأن هذا الموضوع وسط كتمان على تفاصيل التفاوض، مع استمرار التقارير الميدانية عن ضربات طالت منشآت طاقة داخل أوكرانيا.

وترتبط المبادرة الأمريكية بمساعي خفض أسعار الوقود والديزل في الأسواق العالمية والولايات المتحدة، لكنها تثير شكوكا في الأوساط الأوروبية وكذلك في كييف حول إمكانية أن تستغل موسكو هذه الهدنة لربح الصراع الدائر منذ سنوات.

وجاء الإعلان الأمريكي عن الهدنة في وقت يجد فيه دونالد ترامب نفسه محاصرا بين كماشتين. فمن جهة هناك حرب استنزاف طاحنة تتصاعد في أوروبا الشرقية، ومن جهة أخرى يحتدم السباق الانتخابي على أبواب الكونغرس الأمريكي. لذلك يرى البعض أن"هدنة الطاقة" هي مناورة دبلوماسية عابرة، يسعى من خلالها البيت الأبيض لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل ساعة الصفر للاقتراع.

ولم تأتِ "هدنة الطاقة" بمعزل عن الضغوط الاقتصادية الحادة التيتواجه الإدارة الأمريكية، خاصة مع تصاعد كابوس ارتفاع أسعار الوقود محليا لمستويات قياسية غير مسبوقة، وهذا ما فاقم من التحديات التي تواجه الحزب الجمهوري. فهذه الفاتورة الاقتصادية الباهظة أثقلت كاهل المواطنين الأمريكيين وأصبحت السلاح الأبرز بيد الديمقراطيين.

علاوة على ذلك، أدت الهجمات النوعية بالمسيرات الأوكرانية إلى تدمير نحو نصف طاقة التكرير الروسية، مما أشعل أسواق النفط العالمية. وقد دفع هذا الوضع ترامب للضغط العنيف على كييف لوقف تلك الهجمات، مقابل التوصل لصفقة فورية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لضخ مئات الآلاف من أطنان الديزل الروسي للأسواق الأمريكية والعالمية، وتعليق العقوبات حتى أفريل 2027. وتزامن ذلك مع إعلان وزارة الخزانة الأمريكية قبل أيام ترخيصا يقضي بتعليق العقوبات على الديزل الروسي المنشأ والسماح بمعاملات بيعه واستيراده حتى تاريخ 7 أفريل.

وأحدثت هذه الخطوة هزة في المشهد الدبلوماسي والعسكري الدولي، وبرزت تداعياتها الأولى في تجريد كييف من أوراق قوتها. إذ تجد القيادة الأوكرانية نفسها أمام صدمة جراء الإعلان الأحادي الذي تم دون تنسيق مسبق. واعتبرت كييف أن واشنطن تضغط عليها للتخلي عن سلاحها الفعال الوحيد -وهو استهداف البنية التحتية النفطية الروسية- دون الحصول على ضمانات حقيقية أو تنازلات ميدانية من الكرملين. ورغم إعلان كييف استعدادها للالتزام بالشروط المقابلة، تواصلت الخروقات الميدانية والقصف الروسي لمنشآت الطاقة الأوكرانية.

ولم تتوقف الضغوط الأمريكية عند حدود الإعلان الأحادي للهدنة، بل تصاعدت لتأخذ طابعاً صداميا مباشرا، إذ لجأ دونالد ترامب إلى توجيه انتقادات حادة وتهديدات مبطنة وصريحة للرئيس الأوكراني. وذهب ترامب إلى حد المطالبة علنا بتغيير القيادة السياسية في أوكرانيا والبحث عن وجه جديد للسلطة، محملا زيلينسكي المسؤولية الشخصية عن أزمة أسعار الوقود العالمية بسبب استمرار مسيراته في استهداف مصافي النفط الروسية. هذا التصعيد غير المسبوق يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في كسر أي تمرد أو تباين في وجهات النظر، لضمان تمرير صفقة الطاقة بأي ثمن.

ومن جهة أخرى، يعكس هذا القرار الأمريكي الأحادي شرخا عميقا بين واشنطن وحلفائها. إذ تنظر العواصم الأوروبية والاتحاد الأوروبي بريبة شديدة إلى الاتفاق، معتبرة أنه يمنح موسكو متنفسا ماليا هائلا لتمويل آلتها الحربية ويقوض نظام العقوبات الغربية. فقد عبر دبلوماسيون ومسؤولون أوروبيون في تصريحات صحيفة عن استيائهم، مشيرين إلى أن اتفاق ترامب مع بوتين "لا علاقة له بإنهاء الحرب"، بل هو مرتبط بالانتخابات النصفية الأمريكية ومحاولة خفض أسعار الوقود محليا بعد أزمته مع إيران.

أضف على ذلك، فإن هذه الخطوة واجهت معارضة شرسة وغيرمعتادة من مشرعين بارزين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري فيمجلس الشيوخ، والذين وجهوا رسائل احتجاج واضحة ترفض ماوصفوه بـ "الهدية المجانية لخصم أمريكا".

الأكيد بأن الدافع الأساسي لقرار ترامب هو محاولة إنقاذ الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي القادمة والتي ستجرى يوم الثالث من نوفمبر، وتشمل التنافس على جميع مقاعد مجلس النواب (435 مقعدا) و35 مقعدا من أصل 100 في مجلس الشيوخ، لتحديد ملامح الكونغرس.

ووفقا للتقارير والتحليلات الصادرة عن وسائل الإعلام واستطلاعات الرأي الأخيرة، فإن حظوظ ترامب والحزب الجمهوري في الاحتفاظ بالأغلبية تواجه عدة تحديات وضغوط متباينة، وأبرزها تراجع معدلات التأييد، وذلك بحسب تقارير أوردتها صحيفة "واشنطن بوست" والتي أكدت خلالها أن شعبية الرئيس دونالد ترامب تراجعت إلى مستويات منخفضة، لا سيما بين الناخبين المستقلين والمتأرجحين الذين ساهموافي فوزه عام 2024.

والملاحظ كذلك وجود انقسام حاد حول السياسات الترامبية. لذلك يحاول بعض المرشحين الجمهوريين النأي بأنفسهم عن بعض سياسات ترامب المتعلقة بالاقتصاد والهجرة وملف حرب إيران لتجنب خسارة الأصوات المتأرجحة. في المقابل، يسعى الحزب الديمقراطي إلى استغلال التراجع التقليدي لحزب الرئيس في الانتخابات النصفية للتوسع في دوائر كانت تعتبر محسومة للجمهوريين.

وتزامنت هذه التطورات مع انتكاسات قضائية لإدارة ترامب، أبرزها قرار المحكمة العليا بوقف فرض قيود جديدة على التصويت البريدي،إلى جانب معارك أوسع تخوضها وزارة العدل للسيطرة على قائمات الناخبين. في ظل هذا الانسداد المؤسسي، تحول قطاع الطاقة والأسعار إلى ورقة الضغط الكبرى الأخيرة التي يراهن عليها ترامب لقلب الطاولة وإرضاء الناخب المتضرر.

يشار الى ان انتخابات التجديد النصفي تكتسي أهمية بالغة تاريخيا في النظام السياسي الأمريكي. فهي بمثابة استفتاء شعبي مباشر على أداء الرئيس وحزبه خلال أول عامين من الحكم. وتشير التقاليد السياسية إلى أن حزب الرئيس يخسر تقريبا في الأغلب مقاعد في الكونغرس، نظرا لتراجع حماس ناخبيه مقابل تعبئة قوية لناخبي الحزب المعارض. وإذا انتقلت الأغلبية للحزب المعارض،تصبح إدارة الرئيس في حالة "شلل تشريعي" ويتحول سياسيا إلى ما يُسمى في الأدبيات الأمريكية "بطة عرجاء".

وقد لطالما كانت الانتخابات النصفية منصة لولادة حركات سياسية غيرت وجه أمريكا، مثل صعود "عقد مع أمريكا" للمحافظين عام1994، أو "الموجة الزرقاء" للديمقراطيين عام 2018. لذلك يستميت اليوم الرئيس ترامب في محاولات الرفع من حظوظه.

وفيما يراهن ترامب على "هدنة الطاقة" وصفقة الديزل الروسي في الوقت الضائع لخفض أسعار الوقود وتجنب كارثة خسارة الكونغرس،تبدو التكلفة الاستراتيجية مرتفعة فيما يتعلق بعلاقاته مع حلفائه الأوروبيين، فضلا عن وجود رفض داخل الحزب الجمهوري نفسه.

أما على المستوى العالمي، فإن أي هدنة بين روسيا وأوكرانيا من شأنها أن تحدث انعكاسات إيجابية، غير أن هذه الهدنة الهشة ليست كافية بمفردها لترسيخ استقرار مستدام في أسواق الطاقة العالمية. فالانفراجة الحقيقية لا ترتبط حصريا بالجبهة الأوكرانية، بل هي رهينة أزمات جيوسياسية أعمق، وعلى رأسها حرب الاستنزاف المشتعلة ضد إيران وأزمة إغلاق مضيق هرمز وممرات الملاحة في الخليج والتي تمر عبرها نسبة ضخمة من تجارة النفط والغاز العالمية.

وفي المحصلة ، تظل "هدنة الطاقة" الأوكرانية مجرد ورقة ضغط مؤقتة في معركة ترامب المستميتة لإنقاذ أغلبية حزبه في الكونغرس. ورغم ما تثيره من هزة في تحالفات واشنطن وانتقادات داخلية، فإن الاختبار الحقيقي لأسواق الطاقة واستقرارها العالمي يظل مرتبطا بمدى نجاح المساعي الدبلوماسية لفك المعضلات الكبرى وتهدئة الحروب المشتعلة في الشرق الأوسط.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115