من اهم الأحداث في بلاد نضبت فيها السياسية او كادت، وهو ما جعل البعض يثقلها بالرهانات ويبحث قبل ان تنطلق عن شروط ومحددات نجاحها، هل هو عدد المشاركين أو هو تفاعل السلطة ام قدرتها على تغيّر موازين القوى والتأثير في الشارع.
لترتقي المسيرة بوعي او دونه سواء لدى جمهور المنظمين و المعارضة او السلطة نفسها، الى مواجهة غير مباشرة حدية اما أن تنتصر فيه السلطة أو المنظمات. والحال ان المسيرة الاحتجاجية هي فعل سياسي، وفي السياسة لا يوجد حدث بهذا الثقل الا الانتخابات نسبيا.
وهو ما لسنا إزاءه فالمسيرة وفق منظميها ليس استفتاء شعبي على شرعية السلطة ولا مشروعيتها ولا ينتظر منها ان تلعب هذا الدور او ان تكون الحدث القادح المغير للواقع السياسي وموازينه في البلاد. هل احتجاج تراقب المنظمات ما بعده، اي انها فعل سياسي يساعد على ترسيخ ما قد يكون مسار تغيير في المشهد والموازين.
اذ ان المسيرة هي محاولة من هذه المنظمات على توفير شروط انطلاق اولى خطوات هذا المسار، وهي استعادة المبادرة والقدرة على التجميع التي يبدو ان نصفها الأول قد تحقق من خلال قائمة المشاركين والملتحقين بالمسيرة من منظمات وأحزاب، وهو ما يمنح المنظمات الداعية للمسيرة دفعا إيجابيا في اتجاه كسب تحدي تنظيم تحرك ناجح الذي قد يكون عنصر العدد مهم فيه لكنه ليس الأهم.
فأهمية أعداد المشاركين هنا، رمزية واعتبارية لتاريخ المنظمات، وليست أهمية سياسية يحدد من خلالها هل النجاح او الفشل وما يترتب عنه لاحقا، حيث يبدأ التقييم مما ستكشفه المسيرة عن حالة القوى التي دعت إليها، وعن قدرتها على ايجاد ارض مشتركة يمكن البناء عليها لا تحالف او تقطع بين المنظمات او الفاعلين السياسيين بل ارضية سياسية يمكنها أن تقنع التونسيين الغاضبين بان هناك بدائل وخيارات اخرى.
وهذا هو الرهان واهمية مسيرة 17 أكتوبر، ليس كم جمعت من الناس بل قدرتها على ان خلق فرصة تأسيس ممكن سياسي يحول التذمر والغضب الاجتماعي المتراكم إلى مبادرة في المجال العام تخترق المجتمع أفقيا وعموديا، فالمسيرة تنعقد في مناخ وسياق اجتماعي وسياسي لا تغيب فيه أسباب الاحتجاج، بل يغيب قدرة الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين على تقليص الهوة بينهم وبين شارع بات يبحث اليوم عن من يمثله من يعبر عنه وعن مطالبه.
فجوهر ازمة الحياة السياسية في تونس لا يمكن في غياب الاعتراض بل في ان هذا الاعتراض لم يجد بعض اطار سياسي يحوله الى قوة اجتماعية وسياسية قادرة على التأثير. فالغضب موجود، وأسبابه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ماثلة للعيان لا تحتاج شرح، لكن وجوده لا يكفي في ظل غياب من يمثله ويقوده.
وتلك هي الفرصة التي تمنحها المسيرة، لا بصفتها موعد احتجاجي يجمع المتضادين او يبحث عن عودة للشارع ـــ فهذا قد اختبر في مناسبات عدة ولكنه فشل لما تمت مراكمته من عناصر الصراع وانعدام للثقة ــ بل بما تمنحه من إمكانيات لما بعد المسيرة.وذلك هو الأهم . ان تقود المسيرة الى ما بعدها.
وهذا لا يتعلق بالقدرة على جمع المتناقضين باسم الضرورة، بل بتحديد المشتركة وبناء علاقة بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والمجتمع، والحفاظ على حد أدنى من التشاور والتنسيق بين القوى التي اجتمعت لتجاوز ازمة التمثيل السياسي والاجتماعي التي تجعلها غير قادرة على ان تكون صوت الغاضبين ولا ممثل لهم.
هذه هو رهان مسيرة الغد، ولا يعنى ذلك ان لا اهمية ليوم المسيرة، فهو ما سيحدد ما قد تحمله الأسابيع القادمة.