المهرجان الدولي للراب لأول مرة في سبيطلة : مدينة الآثار من خطى الرومان إلى صدى الشارع
- بقلم ليلى بورقعة
- 15:13 24/06/2026
هناك مدن لا تكتفي بحراسة ذاكرتها والوقوف على أطلال مجدها...
فتبحث في كل جيل عن لغة جديدة تروي بها حكايتها الاستثنائية. وسبيطلة، المدينة التي اعتادت أن تتحدث عنها أثارها الرومانية وأعمدتها الشامخة وقوس نصرها... يعلو فيها اليوم صوت موسيقى ولدت بعيدا عن القصور والمسارح والقاعات... هي موسيقى خرجت من الأزقة والأحياء الشعبية ومن تفاصيل الحياة اليومية، صادحة بأسئلة الشباب وهواجسهم وآمالهم. إنّه الراب، الفن الذي وجد في الكلمة الحرة والإيقاع السريع وسيلة للبوح، وفي الجمهور شريكا في الغضب والاحتجاج... والحلم.
في سياق رؤية ثقافية تسعى إلى بناء جسور الوصل بين التراث والتعبيرات الفنية المعاصرة، وبين ذاكرة المكان وطموحات الأجيال الجديدة، تستعد سبيطلة لاحتضان الدورة التأسيسية للمهرجان الدولي للراب من 8 إلى 14 أوت 2026.
الراب في سبيطلة: إيقاع الشباب اليومي
هي مدينة تُقرأ كما القصائد المدهشة وتُزار كمعبد أخير للتصوف وللوجد. في سبيطلة، تقف الأعمدة الرومانية كقبس نور علِق بها الزمن ولم يجرؤ على الرحيل، كأنها ما زالت تكتب على الهواء سيرة حضارة مرّت من هنا... ثم قررت أن تبقى بشكل آخر.
في سبيطلة، يتداخل الحجر مع الحلم، ويذوب الماضي في الحاضر كما يذوب الضوء في شقوق الفجر. قد لا تقول المدينة شيئا بصوت عال، لكنها تُقنعك أنّ الصمت نفسه يمكن أن يكون موسيقى، وأن الذاكرة حين تستيقظ في مكان مثلها تتحول إلى حنين يتأرجح على مهل بين الأرض والسماء.
لطالما ارتبط اسم سبيطلة بمعابدها الرومانية الشاهدة على تعاقب الحضارات، وبموقعها الأثري الذي يمثل أحد أهم المعالم التاريخية في تونس. وقد عرفت المدينة خلال العقود الأخيرة حراكا شبابيا وثقافيا متناميا، كانت موسيقى الراب أحد أبرز تعبيراته. فمنذ بدايات الألفية الجديدة، برزت في سبيطلة ومختلف مناطق ولاية القصرين مجموعات شبابية اختارت الراب وسيلة للتعبير عن واقعها الاجتماعي وهواجسها وطموحاتها... مستفيدة من الانتشار الواسع للمنصات الرقمية ووسائل إنتاج الموسيقي الحديثة.
ولعلّ ما يميز تجربة الراب في الجهات الداخلية عموما أنه نشأ بعيدا عن الأضواء والمؤسسات الثقافية الكبرى، معتمدا على المبادرات الفردية والطاقة الإبداعية للشباب. فالراب لم يكن مجرد لون موسيقي، بل تحوّل إلى لغة ثقافية جديدة عبرت عن قضايا التهميش والتنمية والهوية والانتماء، ومنحت الشباب مساحة للتعبير الحر عن أفكارهم وأحلامهم .
خلال جلسة عمل انعقدت أول أمس، وخصصت لمتابعة الاستعدادات التنظيمية للدورة التأسيسية للمهرجان الدولي للراب أكدت وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي "أهمية أن تمتلك كل تظاهرة فنية هويتها الخاصة التي تميزها عن غيرها، بما يكرس التنوع داخل المشهد الثقافي الوطني".
ويبدو أن مهرجان الراب بسبيطلة يسعى منذ دورته الأولى إلى ترسيخ هذه الخصوصية من خلال الجمع بين فضاء أثري استثنائي وفن يعتبر من أكثر الفنون الشبابية انتشارا وتأثيرا في العصر الراهن. وللتذكير كانت وزارة الشؤون الثقافية قد أعلنت السنة الفارطة عن تنظيم الدورة الأولى للمهرجان الولي للراب من 17 إلى 27 أوت 2025 بـرباط المنستير على أن تحتضن كل سنة جهة جديدة من جهات الجمهورية هذا المهرجان. وبعدها لم ير هذا المهرجان النور دون توضيح الأسباب !
اعتراف متأخر بجيل يُبدع في الظل
إنّ اختيار الموقع الأثري بسبيطلة لاحتضان المهرجان الدولي للراب في دورته الأولى يحمل دلالة رمزية عميقة. فبين الأعمدة الرومانية التي تختزل قرونا من التاريخ وإيقاعات الراب التي تعبر عن نبض الحاضر، تتشكل صورة جديدة للثقافة بوصفها فضاءً للحوار بين الأزمنة والأجيال. إنها رسالة تؤكد أن التراث ليس مجرد ذاكرة جامدة، بل رصيد حيّ قادر على احتضان أشكال التعبير الفني الجديدة ومنحها معنى معاصرا.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا الراب في سبيطلة، بل كيف يمكن لسبيطلة أن تجعل من هذا الفن جزءا من مشروعها الثقافي المستقبلي. فإذا نجح المهرجان في بناء علاقة حقيقية بين الفنانين والجمهور والمدينة، فإنه لن يكون مجرد موعد صيفي عابر إنما خطوة نحو تأسيس هوية ثقافية جديدة تجعل من سبيطلة فضاءً يلتقي فيه عبق التاريخ بحراك الشباب، وتتحول فيه الثقافة إلى قوة ناعمة تدعم التنمية وتعزز الانتماء وتفتح آفاقا جديدة للإبداع.
وفي هذا السياق، قال فنان الراب والناشط الثقافي بسبيطلة "حبيب غرايسي" أو "حبيب الذيب" (اسمه الفني) لـ "المغرب" بصوت يحمل وميضا من الحلم وبعضا من وجع الانتظار: «هذا المهرجان ليس مجرد منصة غناء بالنسبة إلينا، بل هو اعتراف متأخر بجيل كامل ظلّ يبدع في الظل. نحن أبناء هذه الأرض، كبرنا بين حجارة التاريخ العريقة، لكننا كبرنا أيضا وسط ندرة الفضاءات الثقافية والترفيهية التي تحتضن أحلام الشباب وتمنحهم فرصة التعبير عن ذواتهم. فكان الراب بالنسبة إلينا نافذة مفتوحة على العالم. عندما كانت الأبواب موصدة، كنا نجد في الموسيقى مساحة للتنفس، وفي الكلمة ملاذا للتعبير عن واقعنا وأحلامنا. لذلك نرى أن الأولوية في هذا المهرجان يجب أن تكون لأبناء الجهة، لا من باب المجاملة، بل لأنهم جزء من قصته الحقيقية ومن ذاكرته الفنية التي تشكلت بصمت وعلى مدى سنوات طويلة».
ويتابع حبيب غرايسي الذي سبق له أن أخرج رفقة محمد مباركي فيلما وثائقيا بعنوان"بروفا" عن ثقافة الهيب هوب والراب في سبيطلة، قائلا: «شباب سبيطلة والقصرين لا يحتاجون فقط إلى حفلات موسمية، بل يحتاجون إلى فضاءات دائمة للحياة والثقافة والإبداع. يحتاجون إلى أماكن يلتقون فيها، يتعلمون فيها الموسيقى والفنون، ويكتشفون مواهبهم بعيًا عن الفراغ والعزلة ».
ويختم شهادته بنبرة يختلط فيها الفخر بالرجاء: «أن يرتفع صوت الراب من موقع سبيطلة الأثري هو رسالة جميلة مفادها أن هذه المدينة مهد للفن وللإبداع وللعزيمة التي لا تلين.... ونجاح المهرجان الحقيقي سيكون يوم يصبح كل شاب موهوب في الجهة مؤمنا بأنّ حلمه يمكن أن يجد مكانا تحت أضواء المسرح، لا أن يبقى حبيس الجدران والانتظار».
في النهاية، يبقى نجاح المهرجان الدولي للراب رهين قدرته على تجاوز الطابع الاحتفالي الظرفي. فالمهرجانات الكبرى لا تصنعها الأسماء الفنية وحدها، وإنما تصنعها المشاريع الثقافية المستدامة القادرة على اكتشاف المواهب وتكوينها ومرافقتها. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إنجاح الدورة التأسيسية، بل في تحويل المهرجان إلى منصة دائمة لدعم فنون الشارع والهيب هوب والراب وإدماجها ضمن النسيج الثقافي المحلي والوطني.
آخر مقالات ليلى بورقعة
- من إخراج رضوان الهنودي: «يمة سامحيني» مرثية البرّ والعصيان... و"العقوق الثقافي"
- من تنظيم مخبر "نحو الخطاب وبلاغة التداول" بكلية الآداب بمنوبة: "من عالم الحس إلى عالم اللغة: التقاطع والحدود"
- فاز بجائزة البابطين للإبداع الشعري: محمد صالح البوعمراني يكتب تتويج تونس بالحبر النقدي
- في القائمة القصيرة لـ "جائزة الإبداع الروائي العربي": العجمي بن بوبكر يُبحر بالسرد في صحراء المفارقات
- «هجرة الشمس» جديد أدونيس: "الحرب وحش يلتهم الكون!"