ارتفاعًا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة حيث ارتفعت من 25.2 مليار دينار إلى 29.3 مليار دينار ، أي بزيادة قدرها 4.1 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 16.3 بالمائة وفق بيانات البنك المركزي التونسي. ويأتي هذا التطور في وقت ظل فيه التضخم شبه مستقر عند 5.5 % مقابل 5.6 % قبل عام، فيما تحسن النمو الاقتصادي من 1.6 إلى 2.6 %.
تكشف بيانات البنك المركزي عن أن وتيرة نمو النقد المتداول تجاوزت بكثير معدلات التضخم والنمو الاقتصادي، وهو ما يطرح تساؤلات حول الأسباب وراء هذا الارتفاع القياسي في حجم السيولة المتداولة خارج القطاع البنكي.
إن هذه الزيادة تفسر في إطار وجود عوامل محددة على غرار ارتفاع مستوى السيولة لدى الأسر والمؤسسات، إضافة إلى ارتفاع المعاملات نقدا. كما يعد الاقتصاد الموازي أحد العوامل المساهمة في هذه الظاهرة، باعتبار أن الأنشطة غير المهيكلة تعتمد بدرجة كبيرة على التداول النقدي بدل الوسائل البنكية وتحاول تونس .
في المقابل، توجد مؤشرات إيجابية قد تفسر جانبًا من هذا الارتفاع. فقد شهدت مداخيل السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج نموًا ملحوظًا خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما وفر موارد إضافية من العملة الصعبة تم تحويل جزء منها إلى الدينار التونسي ثم سحبه نقدًا للاستهلاك أو الادخار، مما ساهم في زيادة حجم النقد المتداول.
غير أن عنصرًا جديدًا يفرض نفسه في تحليل هذه المعطيات، ويتمثل في قانون الشيكات الجديد. فمنذ دخول الإصلاحات المتعلقة بالشيكات حيز التنفيذ مطلع العام، لوحظ توجه عدد من المتعاملين الاقتصاديين إلى تقليص الاعتماد على الشيكات بسبب التشدد في العقوبات والإجراءات المرتبطة بها. وقد يكون ذلك دفع بعض التجار والمؤسسات والأفراد إلى تفضيل الدفع النقدي أو الاحتفاظ بسيولة أكبر خارج الحسابات البنكية، تحسبًا للصعوبات المرتبطة باستخدام الشيكات.
ورغم غياب بيانات رسمية تؤكد حجم تأثير هذا العامل، فإن تزامن تطبيق القانون مع الارتفاع القوي للنقد المتداول يجعل من الصعب استبعاده كأحد الأسباب المحتملة. و الظاهرة ناتجة عن تداخل عدة عوامل تشمل ارتفاع المداخيل، وزيادة السحب النقدي، وتوسع الاقتصاد الموازي، إضافة إلى التغيرات التي أحدثها قانون الشيكات الجديد.
ويبقى التحدي الأساسي أمام السلطات النقدية في متابعة تطور هذه المؤشرات وتقييم آثارها على الشفافية المالية وعلى قدرة الجهاز البنكي على استقطاب السيولة وتوجيهها نحو الاستثمار والتمويل المنتج باعتبار ارتفاع الكتلة النقدية يتسبب ايضا في التضخم الذي يواجه ضغوطا تدفع نحو ارتفاعه مجددا.