Print this page

التضخم في تونس خلال ماي 2026: استقرار حذر و استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية

سجلت نسبة التضخم في تونس خلال شهر ماي 2026

مستوى 5,5%، محافظة بذلك على نفس النسبة المسجلة في الشهر السابق، وهو ما يؤكد استمرار المنحى التنازلي للتضخم مقارنة بالمستويات المرتفعة التي تجاوزت 10% خلال سنة 2023. ويعكس هذا تأثير السياسات النقدية والرقابية في الحد من الضغوط التضخمية، رغم استمرار بعض العوامل التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع، خاصة في قطاع المواد الغذائية.

يبين الرسم البياني الخاص بمساهمات التضخم حسب نظام التسعيرة الذي نشره المعهد الوطني الأحياء ضمن نشرية مؤشر الأسعار اشعر ناس المنقضي أن التضخم واصل تراجعه تدريجيا من أكثر من 10% سنة 2023 إلى 5,5% في ماي 2026، وهو ما يعكس تحسنا نسبيا في استقرار الأسعار. غير أن هذا التحسن لا يعني اختفاء الضغوط التضخمية، بل يشير إلى تباطؤ نسق ارتفاع الأسعار مقارنة بالسنوات السابقة.
وتظل المواد الغذائية المحرك الرئيسي للتضخم، حيث ارتفعت أسعارها بنسبة 8,2% على أساس سنوي. ويعود ذلك أساسا إلى الزيادة الكبيرة في أسعار اللحوم الحمراء والدواجن والخضر والغلال والأسماك الطازجة. ويعكس هذا الوضع تأثير ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، إضافة إلى العوامل المناخية التي تؤثر على عرض المنتوجات الفلاحية. وفي المقابل، ساهم تراجع أسعار بعض المواد مثل الزيوت الغذائية والبيض في الحد من وتيرة الارتفاع.
أما بالنسبة للمواد المصنعة والخدمات، فقد ارتفعت أسعار المواد المصنعة بنسبة 4,6% مدفوعة أساسا بارتفاع أسعار الملابس والأحذية ومواد التنظيف، في حين سجلت الخدمات زيادة بنسبة 4,2% نتيجة ارتفاع أسعار خدمات النزل والمطاعم، وهو ما يعكس انتعاش النشاط السياحي وارتفاع تكاليف الخدمات.
وفي سياق تحليل مكونات التضخم، يبرز دور المواد الحرة في تغذية ارتفاع الأسعار، حيث بلغت نسبة ارتفاع أسعارها 6,7% مقابل 1,2% فقط بالنسبة للمواد المؤطرة. كما سجلت المواد الغذائية الحرة زيادة سنوية بلغت 9,3% مقابل 0,2% للمواد الغذائية المؤطرة، ما يبرز أهمية نظام التسعيرة في الحد من ارتفاع الأسعار بالنسبة لبعض المنتجات الأساسية.
وعلى المستوى الشهري، ارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك بنسبة 0,3% خلال ماي 2026 مقارنة بأفريل 2026. ويعود ذلك أساسا إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 0,4% وأسعار المطاعم والنزل بنسبة 0,6%. وقد ساهم ارتفاع أسعار اللحوم بنسبة 4,2% في دفع الأسعار نحو الارتفاع، رغم تراجع أسعار البيض والخضر والغلال الطازجة.
ومن حيث المساهمة القطاعية في التضخم، احتلت المواد المعملية المرتبة الأولى بمساهمة بلغت 1,7 % تلتها الخدمات بمساهمة قدرها 1,4 %. أما حسب نظام التسعيرة، فقد جاءت المواد غير الغذائية الحرة في الصدارة بمساهمة بلغت 2,9 %، تلتها المواد الغذائية الحرة بـ 2,4 %، وهو ما يؤكد أن الجزء الأكبر من التضخم مصدره المنتجات غير الخاضعة لنظام التسعيرة.
وفي سياق اقتصادي أوسع، يأتي هذا التراجع التدريجي للتضخم في ظل مواصلة البنك المركزي التونسي سياسة نقدية حذرة تهدف إلى كبح الضغوط التضخمية والحفاظ على استقرار الأسعار. كما ساهم تحسن نسبي في سلاسل التزويد العالمية وتراجع بعض أسعار المواد الأولية مقارنة بفترة ما بعد الأزمات الدولية في تخفيف الضغوط على الاقتصاد التونسي. ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة، خاصة في ما يتعلق بارتفاع أسعار المواد الغذائية، وضعف القدرة الشرائية للأسر، والحاجة إلى تحقيق توازن بين مكافحة التضخم ودعم النمو الاقتصادي.
وبصفة عامة، يمكن اعتبار نسبة التضخم المسجلة في ماي 2026 مؤشرا إيجابيا على استمرار استقرار الأسعار مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن بقاء التضخم الغذائي عند مستويات مرتفعة يفرض مواصلة الجهود الرامية إلى دعم الإنتاج وتحسين التزويد بالمواد الأساسية لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي هذا الإطار، أكد مجلس إدارة البنك المركزي التونسي أن المخاطر التضخمية لا تزال قائمة رغم التراجع التدريجي لنسبة التضخم، مشيراً إلى أن الضغوط التضخمية ذات المصدر الخارجي شهدت تصاعداً خلال الفترة الأخيرة. ويرى المجلس أن انتقال آثار ارتفاع الأسعار العالمية إلى السوق المحلية يمثل عاملاً قد يدفع التضخم إلى الارتفاع مستقبلاً. وأمام هذا المناخ الذي يتسم بقدر كبير من عدم اليقين على الصعيدين الدولي والوطني، شدد البنك المركزي على ضرورة مواصلة انتهاج سياسة نقدية حذرة تهدف إلى الحفاظ على استقرار الأسعار والحد من التوقعات التضخمية وحماية التوازنات الاقتصادية الكلية. وفي هذا السياق، قرر المجلس الإبقاء على نسبة الفائدة الرئيسية دون تغيير عند مستوى 7%، مع التأكيد على مواصلة متابعة التطورات الاقتصادية والنقدية والمالية عن كثب والاستعداد لاتخاذ الإجراءات المناسبة كلما اقتضت آفاق التضخم ذلك.

المشاركة في هذا المقال