والأمني في العراق مجددا، بعد سلسلة من الخطوات التي اتخذتها الحكومة العراقية بالتوازي مع إعلانات صدرت عن عدد من الفصائل المسلحة بشأن فك ارتباطها بهيئة الحشد الشعبي ووضع تشكيلاتها تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة.
وتنظر بغداد إلى هذا الملف بوصفه أحد أهم الاستحقاقات الوطنية التي تأجلت لسنوات طويلة نتيجة التعقيدات الأمنية والسياسية التي رافقت مرحلة ما بعد عام 2003، فيما ترى أطراف سياسية أن نجاح الدولة في حسم هذا الملف سيمثل نقطة تحول تاريخية في مسار بناء المؤسسات الأمنية وإعادة ترسيخ مفهوم احتكار الدولة للقوة.
وتسعى الحكومة العراقية إلى استكمال مشروع حصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية عام 2026، ضمن خطة واسعة تشمل مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة التي تمتلكها الفصائل المسلحة، بما في ذلك الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى والطائرات المسيّرة الهجومية والاستطلاعية وقاذفات الصواريخ والأسلحة المضادة للدروع والآليات العسكرية الثقيلة.
وأعلن رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي تشكيل لجنة لفك ارتباط الفصيلين المسلحين "عصائب أهل الحق " و"كتائب الإمام علي " بقوات الحشد الشعبي، في خطوة تهدف إلى تسريع الخطوات لحصر السلاح في يد الدولة.
وجاء ذلك خلال لقاء الزيدي، أمس بمقر الحكومة بوفدين من حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عقب يوم من إعلانهما فك الارتباط بالحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة العراقية.وستتولى هذه اللجنة وضع الآليات المناسبة لتنفيذ إجراءات فك الارتباط بالحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خلال اليومين المقبلين، بحسب بيان صادر عن المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء على منصة "إكس".
وتأتي هذه التحركات في وقت تتحدث فيه تقديرات أمنية عراقية عن وجود ما يقارب 15 مليون قطعة سلاح خارج سيطرة الدولة، بينها مئات الآلاف من قطع السلاح الثقيل، وهو ما يجعل من العراق واحداً من أكثر دول المنطقة تعقيدا من حيث انتشار السلاح وتعدد الجهات التي تمتلكه.
تحولات لافتة
وشهدت الأيام الأخيرة تطورات مهمة تمثلت في إعلان حركة عصائب أهل الحق البدء بإجراءات فك ارتباطها بالحشد الشعبي، من خلال تشكيل لجنة مركزية تتولى جرد الأفراد والأسلحة والمعدات والآليات التابعة للحركة، تمهيداً لإعادة تنظيم وضعها القانوني والعسكري ضمن مؤسسات الدولة.
وجاءت هذه الخطوة بعد إعلان مماثل صدر عن كتائب الإمام علي، وقبل ذلك قرار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وضع سرايا السلام تحت تصرف الدولة وفصلها عن الإطار السياسي للتيار.
ويرى مراقبون أن هذه القرارات تعكس تحولات مهمة داخل البيئة السياسية في العراق، خاصة أنها تصدر عن قوى تمتلك حضورا عسكريا وتنظيميا مؤثرا منذ سنوات طويلة.
فالعصائب، التي برزت خلال سنوات الاحتلال الأمريكي ثم لعبت أدوارا بارزة في الحرب ضد تنظيم "داعش"، تحولت خلال العقد الأخير إلى قوة سياسية وعسكرية تمتلك نفوذا داخل البرلمان ومؤسسات الدولة، الأمر الذي يجعل أي تغيير في وضعها التنظيمي حدثا يتجاوز البعد العسكري إلى أبعاد سياسية أوسع.
معادلة جديدة
وتقول الحكومة العراقية أن مشروع حصر السلاح لا يستهدف جهة بعينها، بل يهدف إلى تنظيم العلاقة بين الدولة والتشكيلات المسلحة وفق الأطر الدستورية والقانونية، بما يضمن أن تكون جميع القدرات العسكرية والأمنية خاضعة للقيادة الرسمية للدولة.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس الحكومة الزيدي تشكيل لجنة خاصة لمتابعة إجراءات فك ارتباط عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي بالحشد الشعبي، على أن تتولى وضع الآليات التنفيذية اللازمة لإنجاز العملية خلال المراحل المقبلة.
وتقول الحكومة إن هذه الخطوات تمثل جزءا من مشروع أشمل لإعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس مؤسساتية، وإنهاء أي ازدواجية في القرار العسكري أو الأمني.
بين الدعم والترقب
ورغم تضارب ردود الافعال الذي لاقته هذه الإجراءات من قبل أطراف سياسية مختلفة، فإن العديد من الخبراء يرون أن الطريق ما يزال طويلا أمام تحقيق نتائج ملموسة.
فالتجارب السابقة أظهرت أن الإعلان عن النوايا السياسية لا يكفي وحده لإنجاز تحولات بهذا الحجم، خصوصاً في ظل تشابك المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نشأت حول الفصائل المسلحة خلال العقدين الماضيين.
ويشير مختصون في الشأن الأمني إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار البيانات أو تشكيل اللجان، وإنما في القدرة على تنفيذ عمليات جرد دقيقة للأسلحة والمعدات والمقاتلين، والتأكد من انتقالها الفعلي إلى سيطرة الدولة.
كما يبرز تساؤل أساسي يتعلق بمصير البنى التنظيمية للفصائل المسلحة بعد فك الارتباط، وما إذا كانت ستتحول بالكامل إلى أطر رسمية أم ستحتفظ بأشكال من النفوذ المستقل تحت مسميات جديدة.
ضغوط خارجية وحسابات داخلية
وتتزامن التحركات العراقية مع ضغوط دولية متزايدة، خصوصا من جانب الولايات المتحدة التي تدعو منذ سنوات إلى حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء وجود التشكيلات المسلحة التي تعمل خارج المنظومة الرسمية.
وازداد الاهتمام بهذا الملف خلال الأشهر الأخيرة في ظل المتغيرات الإقليمية التي شهدتها المنطقة، وما رافقها من تصاعد التوترات الأمنية والعسكرية بين أطراف إقليمية ودولية.
وترى دوائر سياسية عراقية أن بغداد تسعى أيضا إلى تجنب أي تداعيات اقتصادية أو مالية قد تنتج عن استمرار حالة السلاح المنفلت، خاصة في ظل ارتباط الملف بصورة العراق أمام المؤسسات المالية الدولية والشركات الاستثمارية الأجنبية.
ويعتقد مراقبون أن نجاح الحكومة في تحقيق تقدم ملموس في هذا المجال قد يمنحها نقاط قوة إضافية على الصعيدين الداخلي والخارجي، ويعزز قدرتها على إدارة ملفات أكثر حساسية خلال السنوات المقبلة.
فصائل خارج المسار
ورغم التطورات الأخيرة، لا تزال بعض الفصائل المسلحة تتخذ موقفا متحفظا من ملف نزع السلاح أو إعادة تنظيمه، معتبرة أن الظروف الحالية لا تسمح بفتح هذا الملف بعيداً عن التطورات الإقليمية ومستقبل الوجود العسكري الأجنبي في العراق.
وتتمسك بعض هذه الفصائل بموقفها القائل إن سلاحها مرتبط بمواجهة التهديدات الخارجية وحماية العراق من المخاطر الأمنية المحتملة، فيما ترى أطراف أخرى أن أي نقاش حول هذا الملف يجب أن يتم ضمن تفاهمات سياسية وأمنية شاملة.
وهذا التباين في المواقف يضع الحكومة أمام تحد إضافي يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين فرض سلطة الدولة والحفاظ على الاستقرار السياسي وعدم خلق أزمات جديدة داخل المشهد العراقي المعقد.
ويرى خبراء أن نجاح مشروع حصر السلاح بيد الدولة سيعتمد على مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها وجود إرادة سياسية موحدة، وتوفير آليات تنفيذ واضحة، وضمان تعاون جميع المؤسسات الأمنية والعسكرية، فضلاً عن بناء توافقات سياسية قادرة على استيعاب التحولات المقبلة.
كما أن نجاح العملية يتطلب رقابة حكومية صارمة وجدولا زمنيا واضحا يحدد مراحل التنفيذ، إلى جانب توفير ضمانات قانونية وتنظيمية تمنع ظهور تشكيلات موازية أو إعادة إانتاج النفوذ المسلح بأشكال مختلفة.
وفي حال تمكنت بغداد من تجاوز هذه العقبات، فإنها ستكون أمام فرصة تاريخية لإغلاق أحد أكثر الملفات تعقيدا منذ عام 2003، ووضع أسس جديدة لعلاقة الدولة بالقوى المسلحة، بما يعزز الاستقرار الداخلي ويكرس احتكار المؤسسات الرسمية للسلاح والقرار الأمني.