النفوذ والقوة، حيث لم تعد المواجهة الراهنة بين التحالف الصهيوني-الأمريكي وإيران مجرد صراع عسكري عابر، بل تحولت إلى صِدام بنيوي بين مشروعين: مشروع صهيوني يسعى لتوسيع هيمنته على المشرق العربي، وجدار صدّ إيراني أثبت بالدليل القاطع أن سياسة الاحتواء التقليدي قد انتهت. يتطرق أستاذ العلاقات الدولية عدنان الامام في هذا الحوار مع "المغرب" الى كل هذه التحولات وابرز نتائج الحرب الصهيو -أمريكية على ايران .
ماهي تداعيات الحرب الامريكية الصهيونية على ايران اقليميا وعالميا؟
أعتقد أن الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، بصرف النظر عن حجم الخسائر التي ألحقتها، كشفت عن حقيقة مركزية يصعب تجاوزها في أي قراءة استراتيجية جدية: إيران لم تعد دولة يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد قوة إقليمية قابلة للاحتواء بالوسائل العسكرية التقليدية، بل أصبحت رقماً بنيوياً صعباً في معادلة الأمن الإقليمي والدولي. فهذه المواجهة لم تختبر فقط القدرات الصاروخية أو العسكرية الإيرانية، بل اختبرت أيضاً صلابة الدولة، تماسك مؤسساتها، قدرة نظامها السياسي على امتصاص الضربات، واستمرارية قرارها الاستراتيجي في ظروف قصوى.
أول ما أظهرته هذه الحرب هو أن البنية الإيرانية لا تقوم على منطق الفرد الواحد أو القيادة المعزولة، بل على شبكة مؤسساتية مركبة ومتداخلة. صحيح أن النظام الإيراني يتمحور حول موقع القيادة العليا، لكن آليات القرار فيه موزعة بين مؤسسات سياسية وأمنية وعسكرية وعقائدية، مثل مجلس الخبراء، مجلس الأمن القومي، مجلس تشخيص مصلحة النظام، مجلس الشورى، الحرس الثوري، الجيش النظامي، المؤسسات الاستخباراتية، ومراكز التخطيط الاستراتيجي. لذلك، فإن استهداف قيادات من الصف الأول لا يؤدي آلياً إلى شلل الدولة أو انهيار منظومة القرار. هنا تظهر ما يمكن تسميته بالصلابة المؤسساتية، أي قدرة النظام على إعادة إنتاج القيادة والقرار والعمل العسكري حتى في لحظات الضغط القصوى.
هذه النقطة شديدة الأهمية، لأن بعض القراءات الغربية والإسرائيلية انطلقت من فرضية أن ضرب الرأس أو تعطيل بعض القيادات كفيل بإرباك النظام الإيراني. لكن ما حدث هو العكس تقريباً: استمرت العمليات، استُوعبت الضربات، وتم الحفاظ على تسلسل القرار. وهذا يعني أن إيران طورت، بفعل العقوبات والحروب غير المباشرة والاغتيالات والضغط الطويل، نموذجاً من “الديمقراطية المؤسساتية الداخلية” داخل بنية النظام، لا بالمعنى الليبرالي الغربي، بل بمعنى تعدد مراكز الخبرة والقرار والتخطيط، بحيث لا تنهار الدولة بمجرد غياب شخصية أو استهداف موقع قيادي.
وكيف ترى المواجهة على مستوى القدرات العسكرية؟
أما على المستوى العسكري، فقد أظهرت الحرب حدود القوة الأمريكية -الإسرائيلية حين تواجه دولة تمتلك عمقاً جغرافياً، وقدرات صاروخية، وبنية دفاعية موزعة، وشبكة إقليمية من الحلفاء. لم يكن الرهان الإيراني قائماً على التفوق الجوي التقليدي أو على خوض حرب متناظرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل على ما يمكن تسميته بالردع المركب. هذا الردع يقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: القدرة الصاروخية بعيدة ومتوسطة المدى، الطائرات المسيّرة ذات الكلفة المنخفضة والفعالية العالية، والعمق الاستراتيجي الممتد عبر الجغرافيا الإقليمية من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن.
بهذا المعنى، أثبتت الحرب أن التحالف المقابل قادر على إيلام إيران، لكنه غير قادر على حسم المعركة معها. وهذه مسألة فارقة، فالفرق كبير بين امتلاك القدرة على الضرب، وامتلاك القدرة على الحسم. الولايات المتحدة وإسرائيل تستطيعان تدمير منشآت، اغتيال قيادات، وتعطيل بنى عسكرية مؤقتاً، لكنهما لا تستطيعان إسقاط بنية استراتيجية متجذرة، ولا إنهاء قدرة إيران على الرد، ولا تفكيك شبكاتها الإقليمية. من هنا يمكن القول إن إيران كرّست نفسها كقوة إقليمية أولى لا لأنها لا تُصاب، بل لأنها تُصاب و لا تنكسر.
كيف ترون دور مضيق هرمز في المعادلة ؟
في معادلة الربح والخسارة، لا يمكن إنكار أن إيران تدفع أثماناً باهظة: خسائر بشرية، ضربات للبنية التحتية، استنزاف اقتصادي، وضغوط داخلية وخارجية. لكن الدول لا تُقاس استراتيجياً فقط بحجم الخسارة المباشرة، بل بقدرتها على تحويل الضغط إلى تراكم سياسي وعسكري. إيران قد تستثمر هذه الحرب في ثلاثة اتجاهات كبرى: تعزيز شرعية خطابها المقاوم داخلياً وخارجياً، تسريع استقلالها العسكري والتكنولوجي، وإعادة طرح نفسها كقوة رئيسية لا يمكن تجاوزها في أي هندسة أمنية مستقبلية للشرق الأوسط.
وفي هذا السياق تبرز مسألة مضيق هرمز بوصفها إحدى أخطر أوراق القوة الإيرانية. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، بل شريان استراتيجي للطاقة العالمية. أي محاولة إيرانية لفرض رسوم عبور أو إنشاء هيئة إشراف ملاحية خاصة بها ستطرح إشكالية قانونية وجيوسياسية شديدة التعقيد. قانونياً، سيصطدم ذلك بمبدأ حرية الملاحة وبقواعد المرور العابر في المضائق الدولية، خصوصاً وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، حتى وإن كانت إيران لم تصادق عليها، لأنّ هذه المعاهدة لم تعمد إلى إنشاء قواعد جديدة متفق عليها بقدر ما عمدت إلى تدوين القانون العرفي المعمول به منذ أمد طويل. أما جيوسياسياً، فإن مجرد طرح هذه الفكرة يعني أن طهران تريد الانتقال من موقع الدولة المطلة على المضيق إلى موقع القوة المنظمة لقواعد استخدامه.
إذا نجحت إيران، ولو جزئياً، في فرض واقع جديد في مضيق هرمز، فإن ذلك سيغير جزءاً من قواعد أمن الطاقة العالمي. فالدول الصناعية، والأسواق الآسيوية، وشركات التأمين، وأسعار النفط والغاز، كلها ستصبح أمام معادلة جديدة: أمن الطاقة لم يعد مضموناً بالمظلة الأمريكية، بل أصبح مرتبطاً بقدرة إيران على التعطيل أو التنظيم أو فرض شروط مقابلة. وهذا لا يعني إطلاقا أن إيران ستغلق المضيق، لأن الإغلاق الكامل قد يضر بها وبحلفائها أيضاً، لكنه يعني أنها تستخدم المضيق كورقة سيادة و ضغط و تفاوض، و خاصّة، كآلية لجني الأرباح بما يمكّن من تعويض الخسائر الناجمة عن الحرب و من تخفيف وطأة العقوبات.
كيف ترى توجه ايران نحو تكريس تقاربها مع روسيا والصين؟
الحرب أيضاً تعزز بصورة واضحة التحول الإيراني نحو الشرق. فإيران، المحاصرة غربياً منذ عقود، تجد في الصين و روسيا فضاءً استراتيجياً بديلاً. الصين تحتاج إلى أمن الطاقة وتبحث عن شركاء قادرين على تحدي الهيمنة الأمريكية ضمن حدود محسوبة، وروسيا ترى في إيران شريكاً طبيعياً في تفكيك الأحادية الغربية، خاصة بعد الحرب الأوكرانية. لذلك، فإن الحرب لا تدفع إيران إلى العزلة، بل قد تدفعها إلى تعميق تموضعها داخل محور أوسع من القوى الصاعدة، حيث تصبح جزءاً من انتقال دولي نحو عالم متعدد الأقطاب.
لكن الأهم أن هذه الحرب تعيد تعريف موقع إيران داخل ما يسمى بمحور المقاومة. سابقاً، كانت إيران تُقدَّم غالباً بوصفها قوة دعم وتمويل وتسليح وتوجيه. أما بعد هذه المواجهة، فإنها تظهر أكثر فأكثر كقائد ميداني مباشر في الصراع الإقليمي. هذا التحول له أثر مزدوج: فهو من جهة يعزز شرعية إيران لدى حلفائها الذين يرون أنها لم تعد تدير المواجهة من الخلف فقط، ومن جهة أخرى يزيد من كلفة استهدافها لأنها لم تعد منفصلة عن جبهات الإقليم. العراق، لبنان، اليمن، ليست ملفات مستقلة في التصور الإيراني، بل حلقات ضمن هندسة ردع إقليمية واحدة.
كذلك، كشفت الحرب أن العقوبات لم تمنع إيران من بناء قاعدة تصنيع عسكري ذاتي، بل دفعتها إلى ذلك دفعاً. فكلما أُغلقت أمامها الأسواق العسكرية الغربية، زادت حاجتها إلى تطوير منظوماتها الصاروخية، ومسيّراتها، وقدراتها الإلكترونية، وصناعاتها الدفاعية المحلية. هذه ليست مجرد مسألة تقنية، بل مسألة سيادة استراتيجية. فالدولة التي تنتج جزءاً كبيراً من أدوات ردعها لا تخضع لمنطق الحظر الخارجي، ولا يمكن تعطيلها بمجرد منع التوريد عنها. ولذلك يمكن القول إن الحرب سرعت مسار الاستقلال التكنولوجي العسكري الإيراني بدل أن توقفه.
ما هي تداعيات الحرب حتى الان على المستوى العالمي ؟
على المستوى العالمي، تداعيات الحرب تتجاوز الشرق الأوسط. فهي تضرب إحدى الفرضيات الكبرى التي حكمت النظام الدولي بعد الحرب الباردة، وهي أن التفوق العسكري الأمريكي قادر دائماً على فرض النتائج السياسية. التجربة الإيرانية تقول شيئاً مختلفاً: القوة العظمى تستطيع أن تضرب، لكنها لا تستطيع دائماً أن تعيد تشكيل الواقع السياسي. وهذا درس تراقبه قوى كثيرة، من الصين إلى روسيا، ومن كوريا الشمالية إلى دول الجنوب العالمي. فإيران تصبح هنا نموذجاً لدولة متوسطة القوة استطاعت، عبر مزيج من الصبر الاستراتيجي، التصنيع العسكري، العقيدة الأمنية، والتحالفات غير المتناظرة، أن تصمد و أن تمنع العدو الصهيو-أمريكي من تحقيق أهدافه.
مع ذلك، ينبغي تجنب القراءة الانتصارية السطحية. إيران لا تخرج من الحرب بلا جراح، ولا تواجه مستقبلاً سهلاً. هناك ضغوط اقتصادية، تململ اجتماعي، تحديات داخلية، وتهديد دائم بتجدد الضربات. لكن الفرق أن هذه الضغوط لم تعد كافية لإخراجها من المعادلة، بل ربما تجعلها أكثر تشدداً في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية، لأنها ستقرأ الحرب باعتبارها دليلاً إضافياً على أن القوة الذاتية لا الضمانات الدولية هي ما يحمي بقاء الدولة.
الخلاصة أن هذه المواجهة لا يمكن قراءتها فقط من زاوية من ربح ومن خسر في الميدان. الأهم هو ما كشفته عن طبيعة التحول في ميزان القوة. لقد خرجت إيران من الحرب وهي أكثر إدراكاً لكلفة المواجهة، لكنها خرجت أيضاً وهي أكثر رسوخاً في موقعها كقوة لا يمكن تجاوزها. لم تعد إيران مجرد ملف إقليمي على طاولة واشنطن أو تل أبيب، بل أصبحت طرفاً مؤثراً في إعادة تشكيل قواعد الأمن والطاقة والتحالفات في الشرق الأوسط، بل وفي النظام الدولي الآخذ في التحول. ومن هنا، فإن التعامل معها مستقبلاً لن يكون ممكناً بمنطق الاحتواء العسكري وحده، بل بمنطق الاعتراف الواقعي بأنها أصبحت رقماً صعباً في معادلة دولية أوسع من حدود الخليج والشرق الأوسط.
هل نحن أمام معادلة قوى جديدة؟
نعم، أعتقد أننا أمام لحظة مفصلية في إعادة تشكّل معادلة القوة العالمية، ولكن ينبغي أن نفهم ذلك بدقة: نحن لا نشهد انتقالاً فورياً من نظام دولي إلى آخر، بل نشهد تسارعاً في تفكك البنية الأحادية التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب الباردة. المواجهة الأخيرة مع إيران لم تخلق هذا التحول من العدم، لكنها جعلته مرئياً، مكثفاً، وقابلاً للقياس الاستراتيجي.
الدلالة الأولى لهذه الحرب أن احتكار الغرب للقوة التدميرية قد انكسر. فالولايات المتحدة وإسرائيل لم تعودا في موقع الطرف الوحيد القادر على إلحاق الضرر الواسع بالخصم؛ فقد أظهرت إيران، من خلال ضرب القواعد الأمريكية في الخليج وإحداث دمار كبير داخل العمق الإسرائيلي، أنها لا تمتلك فقط قدرة دفاعية على الصمود، بل قدرة هجومية وردعية قادرة على نقل الحرب إلى فضاء الخصم نفسه. لذلك لم تعد المعادلة قائمة بين قوة تضرب وأخرى تتحمّل، بل بين قوة غربية ما زالت قادرة على التدمير، وقوة إيرانية صاعدة قادرة على الردّ والتدمير المضاد ورفع كلفة الحرب إلى مستوى غير قابل للضبط. وهذا هو التحول الحقيقي: أن التكنولوجيا الغربية لم تعد تضمن الحصانة، وأن الردع لم يعد حكراً على واشنطن وتل أبيب، بل أصبحت طهران طرفاً منتجاً للردع ومؤثراً في معادلة القوة، لا مجرد متلقٍّ للضغط العسكري.
صمود إيران أمام حلف عسكري بهذا الحجم لا يمكن قراءته بوصفه مجرد قدرة على الاحتمال، بل بوصفه انتقالاً من الدفاع السلبي إلى الردع الفعّال. فإيران لم تكتفِ بامتصاص الضربات الأمريكية ـ الإسرائيلية والمحافظة على تماسكها السياسي والعسكري، بل أثبتت قدرتها على نقل الكلفة إلى الطرف المقابل، عبر استهداف القواعد الأمريكية في الخليج وإلحاق أضرار واسعة داخل العمق الإسرائيلي. وهنا تكمن الدلالة الاستراتيجية الأعمق: إيران لم تظهر كدولة تتحمّل الضربات فحسب، بل كقوة قادرة على الرد، والمبادرة، وتعطيل أهداف خصومها. لذلك لم تعد مجرد لاعب إقليمي مؤثر، بل أصبحت قوة ذات وزن عسكري يتجاوز الإقليم، لا لأنها تضاهي القوى الكبرى في حجم الموارد أو الانتشار العالمي، بل لأنها تمتلك قدرة نادرة في النظام الدولي: حرمان الخصم الأقوى من تحقيق نصر حاسم، وفرض معادلة ردع متبادل ترفع كلفة الحرب إلى مستوى سياسي وعسكري بالغ الخطورة.
من الناحية البنيوية، يمكن القول إن هذه الحرب وثّقت مرحلة متقدمة من نهاية العالم أحادي القطب. فالنظام الأحادي لم يكن يعني فقط هيمنة الولايات المتحدة اقتصادياً أو دبلوماسياً، بل كان يعني قبل كل شيء احتكار القدرة على فرض النتائج السياسية بالقوة العسكرية. عندما تصبح دولة مثل إيران قادرة على تعطيل هذا الاحتكار، وعلى فرض كلفة استراتيجية عالية على واشنطن وتل أبيب وحلفائهما، فإننا نكون أمام تحوّل يتجاوز حدود الشرق الأوسط.
هذا ل يعني أن إيران أصبحت عقدة استراتيجية داخل النظام الدولي الجديد. فالقطب العالمي ينتج نظاماً كاملاً حوله، أما العقدة الاستراتيجية فهي قوة لا يمكن تجاوزها في حسابات الأمن والطاقة والتحالفات والحرب. إيران اليوم تقترب من هذا الموقع: لا تملك وحدها القدرة على تشكيل النظام الدولي، لكنها تملك القدرة على تعطيل مشاريع الآخرين، وإعادة توزيع المخاطر، وفرض نفسها في كل ترتيبات الأمن الإقليمي والدولي.
وتكمن أهمية هذه اللحظة في بعدها النفسي أيضاً. فالحرب لم تضرب فقط منشآت أو قواعد أو منظومات عسكرية؛ لقد ضربت صورة التفوق التكنولوجي للغرب. طوال عقود، قامت الهيبة الغربية على فكرة أن التكنولوجيا العسكرية المتقدمة قادرة على شلّ الخصم، تفكيك قيادته، وتعطيل قدرته على الرد. لكن استمرار إيران في القتال والرد والمناورة بعد الضربات الواسعة يبعث رسالة خطيرة إلى دول أخرى: لقد كشفت المواجهة أن الفجوة التكنولوجية بين الغرب والقوى الصاعدة لم تعد كما كانت؛ فالغرب لا يزال متفوقاً في مجالات نوعية، خاصة الطيران، الاستخبارات، الأقمار الصناعية، والقيادة والسيطرة، لكن إيران راكمت بدورها تفوقاً في مجالات الصواريخ، والمسيّرات، والحرب غير المتناظرة، وأساليب إرباك منظومات الدفاع الجوي. وبذلك لم تعد التكنولوجيا حكراً غربياً، بل أصبحت ميداناً لتفوّقات متقابلة ومتخصصة.
هذه الرسالة ستُقرأ بعناية في بكين وموسكو وبيونغ يانغ، كما ستُقرأ في عواصم الجنوب العالمي. فالعديد من الدول ستستخلص أن الطريق إلى الاستقلال الاستراتيجي لا يمر إطلاقا عبر الدبلوماسية أو القانون الدولي، بل عبر بناء قدرة وطنية على الصمود والردع. وهذا هو أحد أخطر آثار الحرب: أنها قد تجعل النموذج الإيراني، رغم كلفته العالية، نموذجاً قابلاً للمحاكاة لدى دول تشعر بأنها مستهدفة أو محاصرة.
في المقابل، ستعزز هذه المواجهة تموضع إيران داخل محور أوسع من القوى الصاعدة. الصين ستنظر إلى إيران بوصفها شريكاً ضرورياً في أمن الطاقة وفي إعادة موازنة الضغط الأمريكي، لكنها ستبقى حذرة من أي اضطراب مفرط في مضيق هرمز. وروسيا ستتعامل مع إيران كحليف وظيفي في مواجهة الغرب، خصوصاً في سياق تآكل النظام الأمني الذي تقوده واشنطن. لذلك، فإن إيران لن تصبح مجرد تابع للشرق، بل ستسعى إلى لعب دور مستقل داخل المعسكر الأوراسي الصاعد، مستفيدة من حاجات الصين للطاقة ومن حاجات روسيا إلى شركاء يوسعون جبهة الضغط على الغرب.
ومن هنا يظهر البعد الرمزي والمادي لتحول إيران إلى قطب جذب. رمزياً، ستقدم نفسها كدولة واجهت أقوى تحالف عسكري في المنطقة ولم تنهَر. ومادياً، ستوظف موقعها الجغرافي، وقدراتها الصاروخية، ومكانتها في أسواق الطاقة، وشبكاتها الإقليمية، لتصبح مركز جذب للقوى التي تريد هامشاً أوسع في مواجهة الهيمنة الغربية. وهذا لا يعني أن كل الدول ستنضم إلى إيران أو تتبنى نموذجها، لكنه يعني أن طهران ستغدو مرجعاً في معادلة أوسع: كيف يمكن لدولة متوسطة القوة أن ترفع كلفة إخضاعها إلى مستوى غير مقبول؟
لكن التحول النهائي لا يزال مرهوناً بما بعد وقف إطلاق النار. فالحروب لا تُحسم فقط في الميدان، بل في الترتيبات التي تليها. إذا استطاعت إيران تحويل صمودها العسكري إلى مكاسب سياسية وقانونية، مثل انتزاع اعتراف عملي بدورها في أمن الخليج، أو فرض قواعد جديدة في مضيق هرمز، أو تثبيت حقها في هندسة إقليمية لا تستبعدها، فسنكون أمام تحول بنيوي مكتمل. أما إذا بقي الصمود العسكري بلا ترجمة سياسية، فقد يتحول إلى مجرد إنجاز دفاعي كبير، لا إلى ميلاد معادلة عالمية جديدة.
وهنا تبرز مسألة الممرات المائية، وخاصة مضيق هرمز. فمحاولة إيران فرض شكل من أشكال السيادة التنظيمية أو الرسوم أو الرقابة الملاحية ليست مجرد تفصيل اقتصادي، بل اختبار لطبيعة النظام الدولي المقبل. فإذا استطاعت دولة غير غربية أن تفرض قواعد جديدة حول ممر بحري حيوي، فإن ذلك يعني أن قواعد العولمة نفسها لم تعد محكومة حصراً بالمظلة الغربية. أما إذا تم احتواء هذا المسعى، فسيعني أن النظام القديم ما زال قادراً على الدفاع عن خطوطه الأساسية، ولو بصعوبة أكبر.
خلاصة القول: نعم، نحن أمام ميلاد معادلة قوى جديدة، لكن ليس بمعنى ولادة نظام مستقر ومكتمل، بل بمعنى دخول العالم مرحلة انتقالية يتراجع فيها احتكار الغرب للحسم، وتتقدم فيها قوى قادرة على الصمود والتعطيل وفرض الكلفة. من هذه الزاوية، فإن المواجهة الأخيرة لا تخص إيران وحدها. إنها تخص فلسفة القوة في النظام الدولي كله. لقد أظهرت أن التاريخ لم يعد يُكتب من مركز واحد، وأن العالم يدخل طوراً جديداً .
ايران تفرض واقعا جديدا في هرمز سيغير جزءاً من قواعد أمن الطاقة العالمي