Print this page

مع موسم الغريبة بيراز الطرابلسي لـ"المغرب" "نتوقع مشاركة لا تتجاوز 30 %والخوف مازال قائما"

ينطلق موسم حج الغريبة 2026 اليوم الخميس

30 أفريل الجاريبجزيرة جربة، ليتواصل إلى غاية 6 ماي المقبل، في أجواء تمتزجفيها الرمزية الدينية بالرهانات الأمنية والسياحية، وسط مساعٍ لإعادة هذا الموعد التاريخي إلى نسقه الطبيعي بعد سنوات منالاضطراب، موسم جديد يحمل في طياته مزيجا من الأمل والحذرفي نفس الوقت، وسط حضور متوقّع أقل من السنوات التي سبقت 2023، نتيجة أحداث هجوم معبد الغريبة سنة 2023 والتي مازالت تؤثر على نسق المشاركة.

يعد هذا الحدث من أعرق المواسم الدينية اليهودية ، حيثيحتضنه معبد الغريبة الذي يستقطب سنويا زوارا من مختلفأنحاء العالم، في تجسيد حيّ لتاريخ طويل من التعايش والتنوعالثقافي الذي ميّز تونس، وخاصة جزيرة جربة التي تعرفبخصوصيتها الاجتماعية والدينية.

تداعيات أحداث 2023 تلقي بظلالها

رغم انطلاق الاستعدادات منذ أسابيع، فإن موسم هذا العام يأتيفي سياق خاص، ما تزال تلقي فيه أحداث هجوم معبد الغريبة2023 بظلالها على المشهد. ذلك الهجوم الذي أسفر عن مقتلمدنيّيْن اثنين هما تونسي وتونسي- فرنسي من بين الحجيج،وثلاثة من أفراد قوات الأمن، مازالت تداعياته إلى اليوم، هجوم ترك أثرا عميقًا على صورة الموسم وعلى ثقة الزوار، وهو ما يفسّرالتوقعات بتسجيل مشاركة محدودة مقارنة بالسنوات التيسبقت، وقد شكل هذا الهجوم نقطة تحوّل في تاريخ الموسم، وأدى إلى تراجع ملحوظ في عدد الوافدين خلال السنوات الأخيرة. وفي هذا السياق، صرّح رئيس هيئة تنظيم الزيارة السنوية لمعبدالغريبة بيريز الطرابلسي لـ"المغرب"أن نسبة المشاركة هذا العام قد لا تتجاوز 30 بالمائة من المستويات المعتادة، مشيرا إلى أن التخوفات الأمنية ما تزال تؤثر على قرار السفر لدى العديد من الزوار، رغم الجهود المبذولة لتأمين الحدث.

استعدادات لاستعادة الثقة

وأشار الطرابلسي إلى أنه تمّ القيام بالحملات الضرورية للترويج لموسم الغريبة وسط استعدادات أمنية مكثفة، وأضاف أن الموسم ينطلق عشية اليوم أما الموعد الرسمي لزيارة معبد "الغريبة" وممارسة مختلف الطقوس والاحتفال بخرجة المنارة والاحتفالاتستكون على امتداد يومي الاثنين والثلاثاء 4 و5 ماي المقبل. وقد استعدت لجنة التنظيم بالتنسيق مع الوحدات الأمنية جيدا عبر تعزيز الإجراءات الأمنية بشكل غير مسبوق، حيث تم نشر وحدات أمنية إضافية وتأمين كافة مداخل ومحيط المعبد، بهدف ضمان سلامة المشاركين. كما شملت الاستعدادات الجوانب اللوجستية، من خلال تهيئة الفضاءات الداخلية والخارجية للمعبد، وإجراء عمليات تنظيف وصيانة واسعة. ويؤكد المنظمون أن هذه الجهود تهدف إلى إعادة الثقة تدريجيا لدى الزوار، وإعطاء صورة إيجابية عن قدرة تونس على تنظيم التظاهرات الكبرى في ظروف آمنة.

برنامج ديني وثقافي متنوع

تنطلق الأنشطة الفعلية للموسم بداية من مساء اليوم، على أن تبلغ ذروتها يومي 4 و5 ماي، حيث تُقام الطقوس الرئيسية، من بينها "خرجة المنارة" التي تعدّ من أبرز مظاهر الاحتفال، إضافة إلى الصلوات الجماعية والاحتفالات التقليدية. ويمتد البرنامج على مدار أسبوع، جامعا بين الطابع الديني والاحتفالي، في أجواء تعكس عمق التراث وتبرز خصوصية جزيرة جربة كفضاء للتنوع الثقافي. وأكد المنظمون أن الزيارة هذه السنة مفتوحة أمامالجميع، سواء من داخل تونس أو خارجها، في خطوة تهدف إلىإعادة إشعاع هذا الحدث تدريجيا، واستعادة مكانته كوجهة دينيةوسياحية عالمية.

المراهنة على عودة تدريجية للزوار

شهد موسم الغريبة تراجعا لافتا في عدد الزوار خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يتجاوز عدد المشاركين في 2023 نحو 7 آلاف زائر، مقارنة بعشرات الآلاف في فترات سابقة. ومع ذلك، يراهن المنظمون على عودة تدريجية للأعداد، خاصة في ظل استمرار تدفق السياح على المعبد طيلة السنة. هذا شهد معبد الغريبةتوافد نحو 120 ألف زائر بين شهري جوان وسبتمبر 2025، ما يعكس بقاء هذا المعلم وجهة سياحية ودينية مهمة رغم التحديات.

وغم التوقعات المتحفظة بشأن عدد الزوار هذا العام، فإن انطلاق موسم 2026 يعدّ في حد ذاته مؤشرا إيجابيا على عودة هذه المناسبة الدينية. ويأمل القائمون على التنظيم أن يشكل هذا الموسم خطوة إضافية نحو استعادة بريق الغريبة، وإعادة تثبيت مكانتها كوجهة دينية وسياحية عالمية.

لقاء بين الحضارات والأديان

ويذكر أن لجنة تنظيم حج الغريبة عن تنظيم الدورة السنوية لسنة 2026 أعلنت في بلاغ سابق لها عن تنظيم الموسم من 30 أفريل الجاري إلى 6 ماي، بجزيرة جربة ، وأضافت أن هذا الحدث يعد من أعرق المزارات الدينية اليهودية في أفريقيا والعالم حيث يستقطب سنويا زورا من مختلف الجنسيات ليؤكد المكانة التاريخية والرمزية التي تحتلها تونس كأرض لقاء بين الحضارات وفضاء للتعايش بين الأديان. ويمثل حج الغريبة أكثر من مجرد مناسبة دينية إذ يجسّد استمرارية تقليد ضارب في التاريخ ويعكس ثراء التراث التونسي وتنوّعه خاصة في جزيرة جربة التي تُعدّ نموذجا فريدا للانسجام بين مكونات المجتمع عبر القرون. 

منظومة أمنية متكاملة 

وفق اللجنة فإنه في سياق الحرص على سلامة المشاركين وعلى إثر أحداث سنة 2023 تؤكد السلطات التونسية بالتنسيق الكامل مع لجنة التنظيم، أنه تم إقرار منظومة أمنية متكاملة ومعززة، تشمل كافة محيط الفعالية بما يضمن تنظيم الحج في ظروف آمنة ويُوفّر الإطار الملائم لإقامة الشعائر بكل طمأنينة. كما يمثل هذا الموعد رسالة متجددة من تونس إلى العالم، مفادها أن قيم التسامح والتعايش ليست شعارات، بل واقع متجذر في التاريخ والممارسة اليومية. وشددت اللجنة على أن جربة التي حافظت عبر الزمن على خصوصيتها الثقافية والروحية، تواصل اليوم أداء دورها كجسر للتواصل بين الشعوب، وكفضاء يحتضن الاختلاف في كنف الاحترام والسلام.

المشاركة في هذا المقال