Print this page

تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لمدة شهر: طعن قضائي وموجة تنديد واسعة وتحذيرات من المساس بالحريات والعمل الجمعياتي

أثار قرار تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع

عن حقوق الإنسان لمدة شهر موجة واسعة من الجدل في البلاد، وسط تصاعد المخاوف بشأن مستقبل الحريات العامة والعمل الجمعياتي، خاصة أنه يأتي في سياق سلسلة من الإجراءات التي طالت منظمات مدنية مستقلة وجمعيات خلال الفترة الأخيرة على غرار الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب جمعية منامتي وجمعية أصوات نساء....

في بيان صادر مساء الجمعة 24 أفريل الجاري، أكدت الرابطة أنها تلقت معلومات تفيد بصدور قرار يقضي بتعليق نشاطها، مشيرة إلى أنها لا تزال في انتظار التأكيد الرسمي. وشددت المنظمة على التزامها الكامل بالقوانين والتراتيب الجاري بها العمل، معتبرة أن هذا القرار ، يمثل "انتهاكا لحرية التنظيم والعمل الجمعياتي". كما أعلنت الرابطة عزمها الطعن في القرار عبر المسارات القانونية، مؤكدة تمسكها بمواصلة نشاطها الحقوقي والدفاع عن ضحايا الانتهاكات، ومحملة السلطات مسؤولية أي تداعيات قد تمسّ الفضاء المدني والحريات العامة.

سياق متوتر وتصعيد متدرج

لم تكتف الرابطة برفض القرار، بل وضعته ضمن سياق أوسع قالت إنه يتسم بـ"تصاعد التضييق الممنهج على المجتمع المدني والأصوات المستقلة". وأشارت إلى مؤشرات سابقة، من بينها تعليق العمل باتفاقيات متعلقة بزيارة السجون، معتبرة ذلك استهدافا مباشرا لدورها الرقابي. وترى الرابطة أن القرار يشكل خرقا للمرسوم عدد 88 لسنة 2011 المنظم للجمعيات، إضافة إلى مخالفته للدستور والالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان. وشددت على "تمسك الرابطيين والرابطيات، بحقهم المشروع في مواصلة العمل الحقوقي، ومواصلة الدفاع عن ضحايا الظلم والانتهاكات دون تمييز"، كما "لن تثنيهم كلّ محاولات الترهيب أو التضييق عن أداء واجبهم في نصرة المظلومين والمظلومات"، وفق نصّ البيان.كما حمّلت الرابطة، السُلطات المسؤولية الكاملة عن كلّ ما قد يترتب عن هذا القرار من مساس بالحريّات العامة وبسلامة الفضاء المدني، ودعت كافة مكونات المجتمع المدني والقوى الديمقراطية والحقوقية "إلى التكاتف والتجند دفاعا عن الرابطة وعن حرية التنظيم والتعبير، ورفضا لكل أشكال الارتداد عن دولة الحقوق والحرّيات".

نمط متكرر من التعليق

فخلال الأشهر الماضية، شهدت البلاد قرارات متتالية بتعليق أنشطة جمعيات لمدة تصل إلى شهر، غالبا عبر إجراءات استعجالية، وهو ما اعتبرته منظمات وطنية وحقوقية "مساسا بحرية تكوين الجمعيات،" وغيابا للشفافية في التعليل القانوني لهذه القرارات.
كما خاضت بعض الجمعيات، مسارات قضائية للطعن في قرارات تعليق نشاطها، بعد إخضاعها لإجراءات مماثلة لمدة شهر، في سابقة أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط الحقوقية.

ردود فعل... إدانة وتحذير

عبّر الحزب الجمهوري عن إدانته الشديدة للقرار، واعتبره جزءا من "تصعيد غير مسبوق" يستهدف المجتمع المدني، محذرا من تداعياته على المسار الديمقراطي. كما ربط الحزب هذه الخطوة بسياق أوسع يشمل ملاحقات لصحفيين ونشطاء. و جدد الحزب الجمهوري تمسكه بالدولة المدنية الديمقراطية، داعيا إلى إطلاق سراح الصحفي زياد الهاني والإلغاء الفوري لقرار تجميد نشاط الرابطة والكفّ عن استهداف المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وسائر المنظمات المستقلة ووقف كل التتبعات القضائية والإدارية والمالية المسلطة على الجمعيات والإعلام المستقل واحترام التزامات تونس الدولية في مجال الحقوق والحريات، وتوحيد صفوف القوى الوطنية والمدنية للتصدّي لهذا المسار.

"سابقة خطيرة "

بدوره أعلن حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات تضامنه مع الرابطة، مؤكدا أن الدفاع عنها هو دفاع عن الحريات في تونس، فيما دعت أطراف سياسية أخرى إلى التراجع الفوري عن القرار. من جهتها، وصفت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين القرار بأنه "سابقة خطيرة"، معتبرة أنه يندرج ضمن مناخ عام يتسم بتصاعد الضغوط على الإعلام والمجتمع المدني. ودعت النقابة إلى احترام استقلالية المنظمات والجمعيات، ووقف ما وصفته بسياسات التضييق والترهيب، مؤكدة استعدادها للدفاع عن الحريات بكل الأشكال المشروعة. واكدت النقابة أن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ليست مجرد منظمة بل هي أحد أبرز أعمدة النضال الحقوقي في تونس، بما راكمته من تاريخ طويل في مواجهة الاستبداد والدفاع عن الحريات العامة والفردية والانتصار لضحايا الانتهاكات. وشددت في بيان لها أن استهدافها اليوم لا يمكن قراءته إلا كاعتداء مباشر على أحد أهم ركائز الحياة الديمقراطية، وضرب لمكسب وطني تأسس بتضحيات أجيال من المناضلين.

تضامن حقوقي ومدني واسع

هذا و عبّرت عدة منظمات وهياكل مدنية عن تضامنها مع الرابطة، من بينها اتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل، الذي اعتبر استهداف الرابطة يمثل تهديدا مباشرا للحق في التنظيم وللرقابة المستقلة على السلطة. ورأت هذه الأطراف أن ما يحدث يعكس توجهًا نحو تقليص مساحة الفضاء المدني، محذّرة من أن التضييق على المنظمات المستقلة قد تكون له انعكاسات سياسية واجتماعية أوسع، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الحساسة التي تعيشها البلاد.

التراجع الفوري عن قرار التعليق

بدورها أدانت جمعية “تقاطع من أجل الحقوق والحريات” قرار تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لمدة شهر، واعتبرته سابقة خطيرة تعكس توجها نحو تقييد الفضاء المدني. وحذّرت من أن هذا القرار يندرج ضمن سياسات تعسفية قد تقوّض أسس دولة القانون وتؤثر سلبا على مناخ الحقوق والحريات في تونس. وأكدت الجمعية أن الرابطة تمثل ركيزة أساسية في الحركة الحقوقية بتاريخها النضالي، معتبرة أن استهدافها يعد مساسا بالحياة الديمقراطية. كما دعت إلى التراجع الفوري عن قرار التعليق، واحترام استقلالية المنظمات، مع تجديد تضامنها مع كافة مكونات المجتمع المدني في مواجهة ما وصفته بمحاولات التضييق.

 

المشاركة في هذا المقال