رمادية خطرة، تتبادل فيها الأطراف "الرسائل النارية" تحت غطاء من المناورات الدبلوماسية الخشنة. وفي خضم ذلك برز تحول جوهري في الخطاب الأمريكي الذي يقوده الرئيس ترامب، الذي انتقل من لغة الضغط الاقتصادي إلى لغة الإنذار العسكري المباشر محاولاً فرض "هزيمة نفسية" على المفاوضين الإيرانيين قبل الجلوس إلى الطاولة.
وكشفت المستجدات الميدانية الأخيرة عن محاولة طهران استثمار الضغط العسكري لرفع سقف مكاسبها السياسية، حيث لم يعد وقف إطلاق النار هدفاً بحد ذاته، بل تحول إلى أداة للضغط على الصهاينة وضم لبنان في أية تهدئة قادمة عبر انتزاع اعتراف قانوني ومالي بالأضرار وفرض بند التعويضات، مما يعكس رغبة إيرانية في صياغة "صفقة إقليمية شاملة" لا مجرد تهدئة مؤقتة.
ميدانياً، كسر الصراع حدوده التقليدية بوصول الشظايا الصواريخ الباليستية إلى عمق تل أبيب وحيفا ، مما يؤكد خروج المواجهة عن السيطرة. وبالتوازي، يرصد هذا الملف التململ في أروقة الكونغرس الأمريكي، حيث بدأ الحلفاء قبل الخصوم يتساءلون عن الجدوى والتكلفة والجدول الزمني لهذه الحرب المفتوحة.
فاليوم المنطقة تجد نفسها أمام مفاوضات تجرى بالصواريخ الباليستية قبل الجلوس لطاولة المحادثات، حيث يسعى كل طرف لانتزاع "صورة النصر" قبل أن يفرض الواقع الميداني أو الضغط الداخلي التنازلات الصعبة.
مسار المحادثات
لقد صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من لهجته تجاه إيران، داعيا طهران إلى ''لتحرك بسرعة'' لإنقاذ مسار المحادثات قبل فوات الأوان. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الحرب بين واشنطن و''إسرائيل'' وطهران حالة من التصعيد الصعب، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة والدبلوماسية.
تصريحات ترامب، التي نشرها عبر منصته "تروث سوشيال"، لم تخلو من نبرة حادة، إذ تحدّث عن ما وصفه بـ"هزيمة عسكرية ساحقة" لإيران، معتبرا أن المفاوضين الإيرانيين "يسعون'' للتوصل إلى اتفاق. وتعكس هذه اللغة التصعيدية تحوّلا لافتا في الخطاب الأمريكي، الذي كان في مراحل سابقة يوازن بين الضغط السياسي وفتح قنوات التفاوض، لكنها اليوم تبدو أقرب إلى إستراتيجية فرض الأمر الواقع.
في المقابل، تتمسك طهران برواية مختلفة، إذ تؤكد أنها لا تزال تدرس المقترحات الأمريكية ولم تحسم موقفها بعد، وهو ما يشير إلى فجوة واضحة في توصيف مسار المفاوضات بين الطرفين. هذه الفجوة لا تقتصر على الخطاب الإعلامي، بل تعكس أيضا تباينا عميقا في الرؤى حول طبيعة الاتفاق المحتمل وحدوده، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو بالدور الإقليمي لإيران.
ويأتي هذا التصعيد في سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية، حيث تتقاطع ملفات متعددة، من بينها التوترات في الشرق الأوسط، والتنافس الدولي بين القوى الكبرى، فضلا عن الحسابات الداخلية لكل من واشنطن وطهران. فبالنسبة للإدارة الأمريكية، تمثل هذه القضية اختبارا لسياسة الردع وإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة، بينما تنظر إيران إلى المفاوضات باعتبارها ورقة سيادية مرتبطة برفع العقوبات والحفاظ على نفوذها.
ويرى مراقبون أن استخدام ترامب لعبارات من قبيل ''قبل فوات الأوان'' يحمل دلالات تتجاوز التحذير الدبلوماسي، ليقترب من التلويح بخيارات أكثر صرامة، قد تشمل تشديد العقوبات أو حتى التصعيد العسكري غير المباشر. غير أن هذا النهج ينطوي على مخاطر، إذ قد يدفع طهران إلى مزيد من التشدد، بدلا من الانخراط في تسوية سريعة.
في الوقت ذاته، لا يمكن فصل هذه التصريحات عن السياق السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، حيث يسعى ترامب إلى تقديم نفسه كقائد حازم في السياسة الخارجية، قادر على فرض شروطه على الخصوم في ظلّ حالة الجدل والرفض التي رافقت قرار دخول أمريكا الحرب إلى جانب "إسرائيل" .
في ضوء ذلك، تبدو المفاوضات وكأنها تسير على حافة دقيقة بين الانفراج والتصعيد. فكلما ارتفعت حدة الخطاب، ازدادت احتمالات التعثر، لكن في المقابل، قد يشكل هذا التصعيد نفسه أداة ضغط لدفع الأطراف نحو تسوية، وإن كانت بشروط أكثر تعقيدا.
شروط إيران
وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، برزت مؤشرات جديدة على طبيعة الشروط التي تطرحها طهران لأي مسار محتمل لوقف إطلاق النار، في خطوة تعكس محاولة إعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسي والعسكري في المنطقة. فقد نقلت قناة "براس تي في" عن مسؤول إيراني رفيع أنّ بلاده وضعت خمسة مطالب أساسية كمدخل لأي اتفاق، من أبرزها إدراج لبنان ضمن التفاهمات، والمطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية.
هذه الشروط، تكشف عن تحوّل في المقاربة الإيرانية، من مجرد التفاعل مع الضغوط إلى السعي لفرض معادلة تفاوضية أوسع تتجاوز حدود المواجهة المباشرة. فإدراج لبنان ضمن أي اتفاق لا يبدو مطلبا تقنيا بقدر ما هو تأكيد على ترابط ساحات النفوذ في الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية، حيث تعتبر طهران أن أي تسوية لا تشمل هذه الساحة تبقى ناقصة وربما غير قابلة للاستمرار.
في المقابل، تطرح مسألة التعويضات المالية بعدا جديدا في مسار التفاوض، إذ تشير إلى أن إيران تسعى ليس فقط لوقف العمليات، بل أيضا لانتزاع اعتراف ضمني بالأضرار التي تكبدتها نتيجة المواجهات. هذا الطرح قد يواجه تعقيدات كبيرة، خاصة في ظل الموقفين الأمريكي والإسرائيلي، اللذين غالبا ما يرفضان إدراج مثل هذه البنود في اتفاقات وقف إطلاق النار، خشية أن تفسر كتنازل سياسي أو قانوني.
ويرى مراقبون أن طرح هذه الشروط في هذا التوقيت يحمل رسائل متعددة، من بينها محاولة رفع سقف التفاوض قبل الدخول في أي مسار جدي، فضلا عن توجيه إشارات إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء بأن طهران لا تنوي القبول باتفاق محدود أو أحادي الجانب. كما يعكس ذلك إدراكا إيرانيا بأن اللحظة الحالية، رغم ضغوطها، قد تتيح فرصة لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.
وتعكس المطالب الإيرانية توجها نحو توسيع إطار التفاوض ليشمل أبعادا إقليمية واقتصادية، وهو ما قد يعيد تشكيل مسار أي تسوية محتملة. غير أن نجاح هذا النهج سيظل رهينا بمدى استعداد الأطراف الأخرى للتعامل مع هذه الشروط، في لحظة تتسم بحساسية عالية وتشابك غير مسبوق في الملفات.
تصعيد مستمر
ميدانيا أعلنت وسائل إعلام إصابة 4 أشخاص في تل أبيب وأضرار مادية كبيرة جراء سقوط شظايا صاروخ إيراني.وأعلن تقارير صهيونية عن تسجيل إصابات إثر سقوط شظايا في مدينة بتاح تكفا وكفر قاسم ومستوطنات شمال الضفة الغربية، كما سقطت شظايا ورؤوس متفجرة في 3 مواقع بحيفا.
وأعلنت وسائل إعلام عن هجوم متزامن على شمال ووسط "إسرائيل" بإطلاق صواريخ ومسيّرات من لبنان وإيران.في جبهة جنوبي لبنان أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي مقتل جندي وإصابة 2 باستهداف قوة إسرائيلية خلال عملية في قرية بجنوب لبنان، فيما قال حزب الله إنه استهدف بالصواريخ أكثر من 7 دبابات.في السياق ذاته، أعلن مكتب أبو ظبي الإعلامي مقتل شخصين وإصابة 3 إثر سقوط شظايا في شارع سويحان عقب اعتراض ناجح لصاروخ باليستي.
جدل داخلي
في الأثناء قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إن إحباط المشرعين الجمهوريين الذين منحوا إدارة الرئيس دونالد ترامب صلاحيات واسعة لشن الحرب دون أي تشاور مع الكونغرس يتزايد ، نظرا لقلة التفاصيل التي يقدمها المسئولون فى البنتاجون حول القوات البرية والتكلفة والجدول الزمني، فضلا عن أن أسئلتهم حول أهدافها وتكلفتها، بما في ذلك الحاجة إلى قوات برية، تبقى دون إجابة.
وخرج عدد من المشرعين الجمهوريين من جلسات إحاطة سرية مع مسؤولي البنتاجون في مبنى الكابيتول، معربين عن استيائهم من عدم تلقيهم تفاصيل حاسمة حول الخطوات المستقبلية. ويأتي هذا الإحباط بعد مرور شهر تقريبا على اندلاع الصراع، حيث منح الجمهوريون الرئيس ترامب صلاحيات واسعة ، ورفضوا مطالبة مسئولي الإدارة بتقديم توضيح علني لما يقومون به.وقال النائب مايك روجرز من ولاية ألاباما، الرئيس الجمهوري للجنة القوات المسلحة، والذي حضر إحدى جلسات الإحاطة يوم الأربعاء، إن كبار المسئولين لم يقدموا تفاصيل أساسية حول نطاق الحملة العسكرية وتوجهاتها.وقال روجرز، الذي بدا عليه الانزعاج على غير عادته، للصحفيين: "نريد معرفة المزيد عما يجري. ببساطة، لا نحصل على إجابات كافية".
وفي الجانب الآخر من مبنى الكابيتول، أشار السيناتور روجر ويكر من ولاية ميسيسيبي، الرئيس الجمهوري للجنة القوات المسلحة في مجلسه، إلى أنه يشعر بالإحباط أيضا إزاء نقص المعلومات.
النفط الإيراني
في الأثناء نشرت صحيفة ''وول ستريت جورنال'' تقريرا أعدته آني لينسكي وألكسندر وورد وأليكس ليري، قالوا فيه إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أخبر مستشاريه أنه يريد نهاية سريعة للحرب على إيران وفي الأسابيع المقبلة.
وقالت الصحيفة إنّ ترامب أخبر المقربين منه في الأيام الأخيرة، بأنه يرغب في تجنّب حرب طويلة الأمد في إيران، ويأمل في إنهاء الصراع خلال الأسابيع المقبلة.وأبلغ ترامب مستشاريه سرا أنه يعتقد أن الصراع في مراحله الأخيرة، وحثهم على الالتزام بالجدول الزمني الذي حدده علنا والذي يتراوح بين أربعة وستة أسابيع.
فبعد مرور شهر تقريبا على اندلاع الحرب، أبلغ ترامب مستشاريه سرًا أنه يعتقد أن الصراع في مراحله الأخيرة، وحثهم على الالتزام بالجدول الزمني الذي حدده علنا والذي يتراوح بين أربعة وستة أسابيع، وفقا لمصادر مطلعة. وأفادت بعض المصادر أن مسؤولي البيت الأبيض خططوا لعقد قمة منتصف ماي مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، على أمل إنهاء الحرب قبل بدء الاجتماع.
وتعلق الصحيفة أن ترامب على ما يبدو بات مستعدا لتحد أكبر مع أنه لم يكشف عن ماهيته. فيما يعول بعض حلفائه في التركيز على كوبا والإطاحة بالنظام الشيوعي هناك، بينما يريد مستشاروه المقربون منه التركيز على القضية الأكثر إلحاحا التي تواجه الناخبين: وهي المخاوف بشأن غلاء المعيشة، والتي تفاقمت بسبب الحرب.
وكانت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، قالت إن الرئيس ترامب لديه ''مهارة فائقة في إدارة مهام متعددة ويعمل على مواجهة تحديات عديدة في آن واحد. ويركز الرئيس تركيزا شديدا على تحقيق الأهداف العسكرية بالكامل ضد النظام الإيراني الإرهابي، إن هدف الرئيس الوحيد دائمًا هو النصر''.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول بارز في الإدارة الأمريكية قوله إن واحدة من الأفكار التي طرحها ترامب على مستشاريه هي ضمان حصول الولايات المتحدة على جزء من النفط الإيراني كجزء من أي اتفاق لإنهاء الحرب. وأكد المسؤول أنه لا توجد حاليا أي خطط جارية لتحقيق هذا الهدف.
وأكدت ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، أن ترامب مستعد للضرب وبقوة في إيران، وهو مستعد لإصدار أوامر بنشر قوات أمريكية على الأراضي الإيرانية، لكنه متردد في ذلك جزئيا لأنه قد يعرقل هدفه المتمثل في إنهاء الصراع بشكل أسرع. وأعرب مسؤولون أمريكيون عن قلقه من احتمال ارتفاع عدد القتلى والجرحى من الجنود الأمريكيين إذا استمرت الحرب. وحتى الآن، أصيب نحو 300 أمريكي، وقُتل 13 آخرين.
هجمات على السعودية والكويت والبحرين
قالت مكتب أبوظبي الإعلامي أمس الخميس، إنّ الدفاعات الجوية اعترضت صاروخا باليستيا وأسفرت الشظايا التي سقطت عن مقتل شخصين وإصابة ثلاثة وإلحاق أضرار بعدة مركبات.
وذكر البيان: "تعاملت الجهات المختصة في إمارة أبوظبي مع حادث نتيجة سقوط شظايا في شارع سويحان إثر الاعتراض الناجح لصاروخ باليستي من قبل الدفاعات الجوية، ما أسفر عن مقتل شخصين لم يتم تحديد هويتهما بعد، وإصابة ثلاثة أشخاص آخرين، إلى جانب تضرر عدد من المركبات، وسيتم موافاتكم بالمستجدات حال توافرها".
وكانت السعودية والبحرين والإمارات والكويت، أعلنت منذ فجر اميس، تعرضها لهجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة، مع دخول الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران يومها السابع والعشرين.وأفادت وزارة الدفاع الإماراتية بأن دفاعاتها الجوية تعاملت مع هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة.وأكدت أن الأصوات التي سُمعت في مناطق متفرقة من الدولة ناجمة عن اعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والجوالة.
من جهتها، قالت وزارة الدفاع السعودية، في تدوينات على حسابها بمنصة “إكس”، إن قواتها اعترضت ودمرت 33 طائرة مسيّرة في المنطقة الشرقية من المملكة.وفي البحرين، أعلنت وزارة الداخلية أن الدفاع المدني سيطر على حريق في إحدى المنشآت بمحافظة المحرق دون تسجيل إصابات.وأضافت الوزارة أنه تم إطلاق صفارات الإنذار مرتين، داعية المواطنين والمقيمين إلى التزام الهدوء والتوجه إلى أقرب مكان آمن، ومتابعة التعليمات عبر القنوات الرسمية.
وفي الكويت، أعلنت وزارة الدفاع أن الدفاعات الجوية تصدت لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة معادية.وأوضحت أن أصوات الانفجارات التي قد تُسمع ناتجة عن اعتراض منظومات الدفاع الجوي لهذه الهجمات.ودعت إلى الالتزام بتعليمات الأمن والسلامة الصادرة عن الجهات المختصة.
كما أعلن المتحدث باسم الحرس الوطني بالكويت العميد جدعان فاضل جدعان، إسقاط طائرتين مسيّرتين في مواقع المسؤولية التي يتولى تأمينها، دون تحديدها. وأوضح جدعان، في بيان صحافي، امس الخميس، أن هذا الإجراء يأتي في إطار الجهود المستمرة لتعزيز الأمن وحماية المواقع الحيوية والتصدي لأي تهديدات محتملة.