تونس بين تحوّل سلاسل القيمة والفرص المهدرة: متى نستفيق ؟

منذ ان تصاعدت الحرب التجارية بين القوى الكبرى

واحتدم التنافس التكنولوجي بالكاد تخلو دراسة أو تقرير استراتيجي في الاقتصاد او التقنية من الإشارة إلى التحوّل البنيوي الذي يعيد تشكيل العلاقات الدولية وهيكلة التجارة العالمية. فما يعيشه العالم اليوم هو إعادة توزيع مراكز الإنتاج وهنا تبرز التكنولوجيا كأداة هيمنة جديدة، تعيد تعريف مفهوم السيادة ذاته ولكن أيضا كفرص وإمكانيات للنمو.

هذه الفرص التي تنشأ في هوامش صراع الكتل الكبرى وتفكك سلاسل التوريد التقليدية واعادة هندستها. تمنح نظريا وعمليا مساحات لدول المتوسطة والصغيرة لتتموقع داخل شبكات الإنتاج الجديدة، سواء في مكونات الصناعات التكنولوجية، أو في الخدمات الرقمية، أو في الصناعات ذات القيمة المضافة المتوسطة، وتونس من تلك الدول.

فتونس، من حيث الإمكانات البشرية، ليست خارج هذا المشهد، اذ تراكمت خلال عقود قاعدة واسعة من الكفاءات في الهندسة، وتكنولوجيا المعلومات، والصناعات الميكانيكية والكهربائية، إضافة إلى طاقات شبابية متكوّنة وقابلة للاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي. كما ان تجاربنا الناجحة في قطاع مكونات السيارات، وصناعات الطيران، وخدمات البرمجيات، تبين انا لدينا قدرة تنافسية كامنة يمكن البناء عليها.

لكن الإشكال هنا يكمن في ان الاستفادة من الفرص المتاحة اليوم لا يقتصر على شرط وحيد وهو توفر العنصر البشري والكفاءات، بل على حزمة من العناصر لابد من تتوفر، سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية او الاطار التشريعي او تنقية مناخ الاستثمار والمناخ العام، وهو ما يقودنا للقول ان البلاد لا تزال بعيدة عن تحقيق الاستفادة من المتغيرات الدولية اليوم، لا فقط لغياب تلك العناصر بل لعدم وجود تصور أو رؤية استراتيجية شاملة.

رؤية تجسد الخطاب الرسمي ومقولاته الكبرى، على غرار التحول الى الاقتصاد المعرفي اوالتحوّل الرقمي أو الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، الى نقاط واضحة في خطة عمل تكون هي مشروعنا الوطني الجامع، خطة تعالج بيئتنا المثقلة بالبيروقراطية، وضبابية خياراتنا الكبرى، ترددنا في حسم الأولويات و خشيتنا من التضحية لبناء مستقبل، خطة ترهن على المعرفة والتعليم وتجعل منهما قطاعا جاذبا لأفضل نخبنا وكفاءتنا.

خطة تستوجب من السلط الحاكمة ان تقدم تصورها وان تفتح النقاش العمومي لتجويد هذا التصور وتحسينه من اجل الذهاب الى مشروع وطني يقبل فيه التونسيين بالتضحية الجماعية من اجل الوصول الى هدف مشترك، وهي ان نرسخ بيئة ومناخ عام يسمح لنا بان ننافس عبر كفاءتنا وخرجي جامعتنا وتعليمنا في قطاع التكنولوجيا ان تعلق الامر بالخدمات والابتكار، وان نرسخ قاعدة اقليمية وقارية للتعليم والتكوين في عدة مجالات واعدة،

و السؤال اليوم هو نملك الجرأة السياسية لاتخاذ هذا الخيار الاستراتيجي الواضح والانطلاق في تطبيقه؟ خيار يحدد بدقة موقع تونس في سلاسل القيمة الجديدة، ويعيد ترتيب أولويات الميزانية، ونبرم شراكات ونعزز من التشبيك بين السوق والجامعة، لقد آن الأوان لفتح نقاش وطني صريح حول طبيعة الخيار الاستراتيجي المطلوب وما هو رهنانا المستقبلي.

والإجابة لا تحتمل التأجيل، لأن الزمن في سياق التحولات البنيوية عامل حاسم في ترسيخ المواقع أو فقدانها، ففي العالم الذي يعاد صياغته اليوم تحت عنوان التكنولوجيا، يجب ان نسرع ونحدد موقعنا وان نمتلك شجاعة اتخاذ القرار

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115