في غارات جوية وقصف مدفعي إسرائيلي طال مناطق متفرقة من القطاع، ولا سيما في المناطق الشرقية التي لا تزال تخضع لسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي. هذا التطور يأتي في سياق توتر مستمر يطغى على المشهد الميداني منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر الماضي.
ووفق معطيات ميدانية، تركز القصف المدفعي على أطراف مدينة غزة الشرقية، في وقت نفذت فيه الطائرات الحربية الإسرائيلية ضربات جوية استهدفت مناطق في رفح وشرق خان يونس جنوب القطاع. كما قام الاحتلال باستخدام مكثف للنيران من الطائرات المروحية والآليات العسكرية باتجاه مناطق مأهولة نسبيا، في تصعيد وانتهاك صهيوني جديد ينضاف الى سلسلة جرائم الاحتلال المتزايدة في غزة.
وتقع المناطق التي تعرضت للقصف ضمن النطاق المعروف بـ"الخط الأصفر"، وهو شريط فاصل حدده اتفاق وقف إطلاق النار كمنطقة فصل بين تمركز القوات الإسرائيلية شرقا، والمناطق المسموح للفلسطينيين بالحركة فيها غربا. ويغطي هذا الشريط أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، ما يجعله بؤرة احتكاك دائمة ومصدرا مستمرا للتصعيد والانتهاكات التي يمارسها الإحتلال.
ووفق تقارير إعلامية تشير المعطيات الإجمالية منذ بدء سريان وقف إطلاق النار تشير إلى مئات الشهداء وآلاف الجرحى الفلسطينيين، في ظل اتهامات متكررة لإسرائيل بخرق الاتفاق بشكل شبه يومي.
ويأتي هذا التصعيد في ظل تداعيات إنسانية غير مسبوقة خلفتها حرب الإبادة التي اندلعت في أكتوبر 2023 واستمرت قرابة عامين، وأسفرت عن دمار واسع في البنية التحتية المدنية، وانهيار شبه كامل للقطاعات الخدمية، إلى جانب خسائر بشرية جسيمة غالبيتها من الأطفال والنساء. وتقدر الأمم المتحدة كلفة إعادة إعمار القطاع بعشرات المليارات من الدولارات، في وقت لا تزال فيه الأوضاع الأمنية غير مستقرة، ما يعرقل أي مسار فعلي للتعافي.
في المحصلة، يرى مراقبون أن التطورات الأخيرة تعكس هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار، وتؤكد أن المشهد في غزة لا يزال مفتوحا على احتمالات تصعيد أوسع، في ظل غياب ضمانات دولية فاعلة لوقف الانتهاكات، واستمرار الواقع الميداني القائم على القوة العسكرية كأداة ضغط أساسية.
وقصفت مدفعية جيش الاحتلال الإسرائيلي المناطق الشرقية لمخيم البريج وسط قطاع غزة. كما استهدف قصف مدفعي مكثف المناطق الشرقية لحي التفاح في مدينة غزة.
ونفذت طائرات الاحتلال سلسلة غارات جوية إسرائيلية على مدينتي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة. وأفادت مصادر محلية بنسف قوات الاحتلال مباني سكنية، وأطلقت طائرة مروحية إسرائيلية "أباتشي" النار شرقي خانيونس.
مرحلة صعبة داخل غزة
من جهته قال الصحفي الفلسطيني محمد النجار في تصريح لـ" المغرب " بأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار غامضة وصعبة جدا على سكان قطاع غزة المحتل لعدة أسباب، من بينها كارثية الأوضاع بسبب الأوضاع في الخيام دون وجود أفق سياسي لإنهاء الحرب رغم تشكيل لجنة ادارية جديدة للقطاع.
وتابع " لكن هنا الغموض يتمثل في عدم معرفة من أين ستبدأ اللجنة عملها الصعب هل من ازالة الركام والبدء بالاعمار، أو من توفير رواتب للموظفين أو توزيع مساعدات وتوفير علاج للمرضى ؟ أم أن وظيفتها فقط تسهيل خروج المرضى من معبر رفح؟. كل هذه التساؤلات غير مفهومة لدى متساكني قطاع غزة لأن الاحتلال يسيطر الى حد الان على 70٪ من مساحة قطاع غزة و 90 بالمائة من السكان يعيشون في خيام" وفق تأكيده.
حماس تدين
من جانبها أصدرت حركة حماس بيانا قالت فيه إن "إسرائيل" تواصل تصعيد عملياتها العسكرية في قطاع غزة، ما يخرق اتفاق وقف إطلاق النار بشكل خطير.
ودعا البيان الأطراف المعنية إلى ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل للسماح بدخول اللجنة الفنية الفلسطينية إلى قطاع غزة، والبدء في تقديم المساعدات الإنسانية لأهالي غزة في أسرع وقت ممكن.
وفي بيان منفصل قالت وزارة الصحة في قطاع غزة إن المستشفيات العاملة ما تزال تكافح للحفاظ على الخدمات الطبية الأساسية، مشيرة إلى أن كمية الإمدادات الطبية التي تصل إلى غزة محدودة، ولا تستطيع تلبية الاحتياجات الفعلية. حيث نفد 66% من المستلزمات الطبية الأساسية، و46% من الأدوية في القائمة الأساسية، كما نفد 84% من مواد المختبرات وبنوك الدم.
مشعل :لن نقبل وصاية دولية على غزة
أكد رئيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الخارج خالد مشعل، أن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة مفصلية تتطلب إعادة بناء الرؤية الوطنية، مشددًا على أن المقاومة ستبقى ثابتًا مركزيًا طالما استمر الاحتلال، وأن إسرائيل باتت مصدر تهديد إقليمي ودولي. وجاءت تصريحات مشعل، امس الأحد خلال كلمته في "منتدى الجزيرة السابع عشر" المنعقد في الدوحة تحت عنوان "القضية الفلسطينية والتوازنات الإقليمية" وفق "قدس براس".
وقال مشعل إن اعتراف 159 دولة بالدولة الفلسطينية خطوة إيجابية لكنها غير كافية، مضيفًا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الاعتراف إلى واقع سياسي على الأرض، وهو ما يتطلب جهدا فلسطينيا وعربيا وإسلاميا ودوليا.
المقاومة مرتبطة بوجود الاحتلال
وأوضح مشعل أن فلسفة المقاومة تقوم على قاعدة واضحة مفادها أن وجود الاحتلال يعني وجود مقاومة، معتبرًا أن هذا الحق منصوص عليه في القانون الدولي والشرائع السماوية، ويمثل جزءا من ذاكرة الشعوب وتجارب الأمم. وانتقد محاولات نزع سلاح المقاومة في غزة، في الوقت الذي يجري فيه، بحسب تعبيره، شرعنة سلاح مليشيات تهدف إلى خلق الفوضى وملء الفراغ.
وأشار إلى أن محطات المقاومة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها التاريخي، مستشهدا بثورة عز الدين القسام في العشرينيات، ومعركة القسطل عام 1948، وانطلاقة الثورة الفلسطينية عام 1965، ومعركة الكرامة عام 1968، التي رأى أنها شكلت منعطفا رفع الروح المعنوية بعد هزيمة 1967.
وأضاف أن الحروب الإسرائيلية المتكررة على غزة تهدف إلى منع وجود أي بنية مقاومة أو إرادة حرة في القطاع، مؤكدا أن الاحتلال يتعامل مع المقاومة باعتبارها الثابت الوحيد في المعادلة، بينما تتغير أشكالها بين ثورات وانتفاضات ومقاومة مسلحة.
إسرائيل خطر إقليمي
وفي الشأن الإقليمي، اعتبر مشعل أن "إسرائيل" تشكل خطرا على دول المنطقة والعالم العربي والإسلامي، داعيا إلى إطلاق استراتيجية عربية وإسلامية شاملة لمواجهة هذا الخطر. وقال إن العالم بدأ يدرك أن وجود "إسرائيل" كان سببا في حالة عدم الاستقرار الدولي.
وأكد أن حركة "حماس" والفصائل الفلسطينية معنية بوضع رؤية وطنية لمرحلة ما بعد معركة الطوفان، تقوم على مقاربة متوازنة تسمح بإعمار غزة وتعافيها، مع التمسك بالثوابت الوطنية. وجدد رفض أي حكم أجنبي أو وصاية دولية على غزة، قائلا إن غزة يجب أن يحكمها الفلسطيني.
وأشار إلى أن الحركة عرضت سابقا هدنة تمتد بين خمس وسبع سنوات، مؤكدا أن مطلب "نزع السلاح" ليس مطلبا دوليا كما يروج البعض. وانتقد أطرافا فلسطينية قال إنها أوقفت مسار الديمقراطية، داعيا إلى مرجعية وطنية فلسطينية تتخذ القرارات المصيرية.
وشدد على أن وقف حرب الإبادة كان خطوة مهمة، وأن نقطة القوة الأساسية للفلسطينيين تكمن في وجودهم على أرضهم وتمسكهم بحقوقهم.
وقال مشعل: إن "مشكلتنا كأمة عربية وإسلامية وكمنطقة وإقليم مع إسرائيل، فاليوم تجلى أن مشكلتنا مع العدو الصهيوني ليس فقط لأنه يحتل جزءا عزيزا في قلب الوطن العربي وهي فلسطين، بل تتعزز لدينا القناعة أن مشكلتنا كذلك مع إسرائيل أنها تمثل تهديدا وخطرا وجوديا علينا وعلى المنطقة".
وتابع: "البعض قد يقول أن خطر إسرائيل على من يقاتلها، لكن انظر إلى سوريا، فالنظام الجديد ما إن بدأ يتشكل ويتلمس خطاه حتى بادءته بالعداوة، فهم لا يريدون دولة، ويريدون العبث في تركيبة المجتمع السوري".
وأضاف: "وفي الأردن، فالتهديد الأكبر عليه هو ما يجري في الضفة الغربية، بالتهديد بتهجير أهل الضفة إلى الأردن وإطلاق التصريحات ضدها، وكذلك مصر، فقبل أيام نتنياهو كان يسلط الضوء على تخوفه من تعاظم قوة الجيش المصري، وكذلك معظم الدول العربية والإسلامية".
وأوضح: "هناك خطر صهيوني على وجودنا كأمة عربية وإسلامية، لذلك يجب اتخاذ استراتيجيات لحماية أنفسنا في هذه الحرب غير المتكافئة، والعمل بجهد مشترك، والبحث عن تموضع لنا في الساحة العالمية".
كما نوه مشعل إلى أن هناك تحولات في الساحة الدولية وزيادة في التعاطف مع القضية الفلسطينية، وتغيّر حقيقي في جيل الشباب في أمريكا وأوروبا، وهناك تحولات على مستوى النخب والشارع والشباب والجامعات وعلى السوشيال ميديا، وإن هذه المسألة في تعاظم مستمر.
وأشار إلى أن العالم بدأ يدرك أن إسرائيل باتت عبئا أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا، وأن أحد الأسباب التي دفعت لتوقف الحرب على غزة، هو انتقال الغضب إلى الشارع الدولي، فباتوا يخشون على استقرارهم.
وأضاف: نحن كعرب ومسلمين خير دفاع لنا الآن هو الهجوم، فيجب علينا ملاحقة إسرائيل وترسيخ أنها كيان منبوذ، وعبء على الأمن والاستقرار والمصالح الدولية، ونحولها إلى كيان يفقد شرعيته الدولية تماما مثل النظام العنصري في جنوب أفريقيا، ونعمق تفاعل العالم مع الحالة الفلسطينية.
وتابع: علينا كعرب ومسلمين أن نموضع أنفسنا على الساحة الدولية في ظل تشكل نظام دولي جديد فيه تعدد أقطاب، وفيه محاولة لتغيير كل البنى السياسية الدولية في العالم.
سلاح غزة… والقوة الدولية
وفيما يتعلق بالدعوات الإسرائيلية الأمريكية لنزع سلاح غزة والمقاومة الفلسطينية أكد رئيس حماس في الخارج، أن "الحركة وعبر لقاءات مع الوسطاء قطر وتركيا ومصر، وحوارات غير مباشرة مع الأمريكان عبر الوسطاء، جرى تفهم لرؤية حماس فيما يتعلق بالسلاح من قبل الوسطاء، وأعتقد أنه بعيدا عن الضغط والابتزاز الصهيوني فإننا نستطيع أن نصل إلى مقاربات تحت مسمى "مقاربة الضمانات" والخطر من إسرائيل وليس من غزة، فغزة تحتاج إلى وقت طويل للتعافي".
وأشار إلى أن وجود القوات الدولية على الحدود لحفظ السلام هذا ضمانة، أن وحماس عرضت كذلك هدنة من 5 – 10 سنوات وهذا ضمانة أخرى، والسلاح لا يستعمل ولا يُستعرض به، والوسطاء يستطيعوا أن يشكلوا ضمانة كذلك.
وشدد مشعل على أن المشكلة ليست في أن تضمن حماس وقوى المقاومة في غزة، المشكلة في إسرائيل التي تريد أن تأخذ السلاح الفلسطيني، وتضعه في يد الميلشيات لخلق الفوضى وهذا ما نشاهده مع بعض المجموعات المسلحة المدعومة من قبل العدو الصهيوني المجرم.
وختم بالقول: "نطالب الإدارة الأمريكية والأوربيين ومختلف القوى الدولية، أن تتعامل مع القضية الفلسطينية عبر رؤية موضوعية، وليس عبر العين الصهيونية".
10 سنوات لإعادة إعمار غزة
من جهته قال السفير الأمريكي لدى كيان "إسرائيل" مايك هاكابي، إن عملية إعادة بناء قطاع غزة مهمة ضخمة للغاية، قد تستغرق سنتين أو ثلاث سنوات، وقد تمتد لنحو عشر سنوات.
وأكد هاكابي في مقابلة مع صحيفة "نيويورك بوست" إلى أن هذا الإطار الزمني يعتمد على عدد الدول المشاركة في إعادة إعمار القطاع الفلسطيني.
وأوضح أنه يفترض بعد إطلاق سراح جميع المحتجزين الإسرائيليين، أن تبدأ عملية إعادة إعمار غزة، والتي ستسير بوتيرة متسارعة مع نقل الأهالي من المناطق الخطرة.
وزعم إلى أن الأهالي سيبدؤون بالانتقال من المناطق الخطرة حقا "المناطق الحمراء" إلى المناطق الخضراء، مبيناً أنه "سيجري بناء مساكن لهم، وتنفيذ إعادة تأهيل المرافق العامة".
ومنتصف جانفي المنصرم أعلنت الولايات المتحدة دخول المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقطاع غزة حيز التنفيذ، ومن بين بنودها البدء في إعادة إعمار قطاع غزة.
معبر رفح
ميدانيا غادرت الدفعة الخامسة والتي تضم 44 مريضا وجريحا من قطاع غزة، صباح امس لأحد، باتجاه معبر رفح البري، تمهيدًا لنقلهم لتلقي العلاج في الخارج.
وتم نقل المسافرين بعد تجميعهم في مقر الهلال الأحمر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة برفقة منظمة الصحة العالمية.
وأفادت تقارير مصرية بوصول الدفعة الخامسة من العائدين إلى معبر رفح البري لإنهاء إجراءات الدخول إلى قطاع غزة، بالتزامن مع حالة تأهب قصوى في المعبر استعدادًا لاستقبال المصابين الفلسطينيين القادمين من القطاع.
يذكر أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالاتفاق المبرم لتشغيل معبر رفح، والذي كان يقضي بالسماح بعودة 50 فلسطينيا يوميًا، إضافة إلى السماح بسفر 150 آخرين.
وبيّنت إحصائية محلية، أن عدد المسافرين الذين سمح لهم الاحتلال بمغادرة قطاع غزة خلال أربعة أيام بلغ 138 فلسطينيا فقط، في حين سمح بعودة 77 إلى القطاع. وأغلق جيش الاحتلال المعبر يومي الجمعة والسبت دون إبداء الأسباب.
وأكد عدد من الفلسطينيين العائدين إلى غزة، تعرضهم لتحقيق وإهانات من الجيش الإسرائيلي داخل معبر رفح البري من الجانب الفلسطيني، وأثناء المرور على شارع صلاح الدين في مدينتي رفح وخان يونس، جنوب قطاع غزة.
يذكر أنه تم البدء في 2 فيفري الجاري بتشغيل معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة للمرة الأولى منذ نحو عامين.
رغم دخول المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، فإن الخروقات الإسرائيلية المتكررة تهدد بتقويض الهدنة، حيث أسفرت الغارات والقصف المدفعي منذ نهاية جانفي وبداية فيفري 2026 عن عشرات الشهداء والجرحى، إضافة إلى تدمير منازل ومرافق حيوية.