Print this page

28 نائبا يودعون لائحة لسحب الثقة من رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم: تحرك غير مسبوق تحت قبة الغرفة التشريعية الثانية يكشف عن أزمة داخلية

أودع 28 نائبا من أعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم

من مجموع 77 نائبا، يوم الجمعة 29 جانفي المنقضي، بمكتب الضبط المركزي، لائحة معللة لسحب الثقة من رئيس المجلس عماد الدربالي، وذلك طبقا لأحكام الفصل 30 من النظام الداخلي للمجلس، في خطوة وُصفت من قبل الممضين عليها بـ"التصحيحية" والرامية إلى تغيير نمط إدارة الغرفة التشريعية الثانية. ويعد هذا التحرّك الأوسع من نوعه منذ انطلاق عمل المجلس، ويعكس تصاعد حدّة التوتر بين رئاسة المجلس وعدد من النواب، في ظل انتقادات متزايدة لأدائه وتعطّل عدد من وظائفه الأساسية.

ينظّم الفصل 30 من النظام الداخلي للمجلس الوطني للجهات والأقاليم إجراءات سحب الثقة، حيث ينصّ "يمكن للمجلس الوطني للجهات والأقاليم سحب الثقة من رئيسه أو من أحد نائبيه، بموافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس، وذلك بناء على طلب كتابي معلل يقدم من قبل ثلث الأعضاء على الأقل ويودَع بمكتب الضبط المركزي. يأذن رئيس المجلس بنشر مطلب سحب الثقة بالموقع الرسمي للمجلس في أجل أقصاه أربع وعشرون ساعة من تاريخ تسلّمه. ويدعو رئيس المجلس مكتب المجلس للانعقاد في أجل أقصاه اثنتان وسبعون ساعة للنظر في المطلب. ويعرض مطلب سحب الثقة على الجلسة العامة للتصويت في أجل لا يتجاوز ثلاثةأسابيع من تاريخ إيداعه بمكتب الضبط. ويتمّ سد الشغور الناتج عن سحب الثقة وفق نفس إجراءات الانتخاب المنصوص عليها بهذا النظام الداخلي."

مسار تصحيحي

في بيان موجّه إلى الرأي العام، أعلن النواب الممضون على عريضة سحب الثقة من رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم أن هذه الخطوة تمثّل مسارا تصحيحيا يهدف إلى إحداث تغيير جذري في طريقة عمل المجلس، مؤكدين أنّ التحرك لا يندرج في إطار إجراء إداري شكلي، بل هو موقف سياسي واضح ضد ما اعتبروه تعطيلا ممنهجا لأعمال المؤسسة، وانفرادا بالقرار، وتغوّلا لما وصفوه بـ"سلطة الظل" داخل الغرفة التشريعية الثانية. واعتبر البيان أنّ المجلس حُوّل، بفعل هذه الممارسات، إلى هيكل صوري فاقد للنجاعة، في تناقض مع دوره الدستوري في تكريس البناء القاعدي والسيادة الشعبية المنطلقة من المحليات. كما شدّد النواب على أن سحب الثقة يندرج ضمن التزامهم أمام ناخبيهم في الجهات والأقاليم بأن يكونوا صوتهم الحقيقي، وأن يعملوا على تفعيل هياكل المجلس، تحرير لجانه من الشلل، وتعزيز علاقته بالمجالس المحلية والجهوية والإقليمية، بما يضمن وحدة المسار التنموي ويجعل من المجلس مؤسسة دستورية فاعلة وقلبًا نابضا للسيادة الاقتصادية الوطنية.

انفراد بالقرار وتعطيل متواصل

أوضح النائب علي الحسومي، أحد الموقّعين على اللائحة، أنّ هذه المبادرة جاءت نتيجة "تواصل الخروقات للنظام الداخلي، والانفراد بالرأي، واتخاذ قرارات بصفة فردية لا تمر على مكتب المجلس". وأضاف الحسومي في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء،أنّ عددا من النواب عبّروا مرارا عن استيائهم من طريقة تسيير المجلس، خاصة في ما يتعلّق بتجاهل مطالبهم المتعلقة بتعزيز المجلس بمستشارين مختصين في المجالات الاقتصادية والمالية والقانونية، بما يمكّن النواب من أداء مهامهم التشريعية والرقابية على نحو أكثر نجاعة، والرفع من جودة العمل داخل اللجان. كما أشار إلى أنّ المجلس، ومنذ قرابة سنة ونصف، لا يزال "منغلقا على محيطه"، حيث لا يتم تمرير مقترحات المواطنين ولا مبادرات المجتمع المدني والهياكل المهنية إلى النواب لمناقشتها، وهو ما خلق، حسب تعبيره، حالة من الإحباط داخل المؤسسة وأدى إلى تعطل عدد من الملفات.

خلافات حول العلاقة بالمجالس الأخرى واستقلالية النواب

تشير حيثيات العريضة إلى ضعف التنسيق بين المجلس الوطني للجهات والأقاليم وبقية المجالس المحلية والجهوية والإقليمية، إضافة إلى محدودية علاقته بالسلطة التنفيذية، بما لا ينسجم، وفق رأي الممضين، مع الدور الدستوري للمجلس في تكريس المسار التصاعدي للتنمية. كما تحدّث بعض النواب عن تدخل رئيس المجلس في تفاصيل أنشطتهم، بما في ذلك الحضور الإعلامي والمشاركات المدنية والأكاديمية، معتبرين ذلك تجاوزا لصلاحيات الرئاسة ومسّا باستقلالية النائب.

ملف الأجور والمنح يزيد حدّة التوتر

لم تخل الخلافات داخل الغرفة الثانية من أبعاد مالية، إذ تعدّ مسألة الفوارق في الأجور والمنح بين أعضاء مجلس نواب الشعب وأعضاء مجلس الجهات والأقاليم أحد أسباب التوتر القائمة. ويشير عدد من النواب إلى أنّهم لم ينتفعوا بالزيادات في الأجور التي أُقرت لفائدة نواب البرلمان سنة 2025، ولا بالزيادات المنتظرة لسنة 2026، إضافة إلى الامتيازات المتعلقة بمنح التقاعد. ويحمّل هؤلاء رئيس المجلس مسؤولية عدم الدفاع عن تسوية هذا الملف، معتبرين أن الفارق في الأجور بين المجلسين قد يصل إلى نحو 1700 دينار بعد الزيادات الأخيرة التي أقرّها مجلس نواب الشعب لنفسه، باعتبار أن ميزانيته مدرجة ضمن "المهام الخاصة".

مساع لسحب التوقيعات وحظوظ تمرير محدودة

وفي هذا السياق، وفق بعض الكواليس من داخل المجلس فإن هناك محاولات ومفاوضات جارية لإقناع بعض النواب بسحب توقيعاتهم من اللائحة، بهدف إضعافها قبل عرضها على مكتب المجلس. كما تشير التقديرات إلى أنّ رئيس المجلس لا يزال يحظى بدعم أغلبية الأعضاء، ما يجعل إمكانية سحب الثقة في المرحلة الحالية محدودة، خاصة في ظل غياب توافق واضح حول بديل محتمل لرئاسة المجلس.

توقيت حساس

ويأتي هذا التطور بالتزامن مع شروع المجلس الوطني للجهات والأقاليم في مناقشة المخطط التنموي 2026–2030، الذي يعدّ أول اختبار فعلي لقدرة الغرفة الثانية على الإسهام في صياغة نموذج تنموي جديد، ينطلق من المستوى المحلي نحو الوطني و يبقى مستقبل رئاسة المجلس الوطني للجهات والأقاليم معلقا على ما ستفرزه مداولات الأيام القادمة تحت قبته.

المشاركة في هذا المقال