Print this page

انضمام تونس إلى "الأطلس الدولي للتراث الغذائي": الطعام ذاكرة وهوية ولغة حية

في كل مرّة نجلس فيها حول مائدة، نظنّ أننا نأكل فقط. لكن الحقيقة

أعمق من ذلك بكثير، فنحن نستحضر ذاكرة كاملة، ونستدعي تاريخا طويلا من الحكايات والأيادي والروائح والطقوس. إنّ الطعام ليس مجرد مادة تُشبع الجسد بل لغة خفية تتحدّث بها الشعوب عن نفسها، عن أرضها، عن أفراحها ومواسمها... وحتى أحزانها. من هذا المعنى الإنساني العميق ينطلق مشروع "الأطلس الدولي للتراث الغذائي" الذي أُطلق بالقصر السعيد بباردو، بمبادرة من وزارة الشؤون الثقافية وبالتعاون مع اليونسكو.
نظّمت وزارة الشؤون الثقافية، بالتعاون مع مكتب اليونسكو بالرباط، صباح أمس الخميس 29 جانفي، حفل إطلاق مشروع "الأطلس الدولي للتراث الغذائي"، بمركز الفنون والثقافة والآداب "القصر السعيد" بباردو.

مشروع يضم أكثر من 10 دول

في مدّ لجسور التواصل بين مطابخ البيوت البسيطة ومنصّات المعرفة الدولية، يأتي مشروع "الأطلس الدولي للتراث الغذائي" للاعتراف بالتقاليد الغذائية بوصفها تراثا إنسانيا غير مادي. وذلك ضمن "مبادرة دولية مموّلة من قبل المملكة العربية السعودية، ويشمل أكثر من 10 دول من مختلف المناطق الجغرافية، ويهدف إلى تحديد وجرد عدد من التقاليد والعادات الغذائية ذات القيمة الثقافية العالية، والعمل على توثيقها علميا ورقميا وإدراجها ضمن منصّة دولية تفاعلية تُعنى بصون التراث الغذائي وتثمينه ونقله للأجيال القادمة".
في سياق ارتباطه باتفاقية اليونسكو لسنة 2003 الخاصة بصون التراث الثقافي غير المادي، وأمام "الأهمية المتزايدة للتقاليد الغذائية باعتبارها تعبيرا حيا عن الهوية الثقافية ورافدا للتنمية المستدامة"، لا يسعى مشروع "الأطلس الدولي للتراث الغذائي" فقط إلى جمع وصفات أو أرشفة أطباق، بل إلى توثيق أنماط عيش. فالتقاليد الغذائية - كما تؤكد مقاربة اليونسكو للتراث غير المادي - هي ممارسات حيّة، تتجدّد باستمرار، وتحمل في داخلها إحساس الناس بهويتهم واستمراريتهم.

الهريسة التونسية... نكهة الهوية

يكتسب انضمام تونس إلى مشروع "الأطلس الدولي للتراث الغذائي" دلالة خاصة. فالمطبخ التونسي يراكم تنوّعا في النكهات، هي خلاصة طبقات حضارية متعاقبة: أمازيغية ومتوسطية وعربية وعثمانية وإفريقية. كل طبقة تركت أثرها في التوابل، في طرق الطهي، في علاقة الناس بالخبز والزيت والزيتون والحبوب. لذلك كانت الورشات التي رافقت إطلاق المشروع فرصة طرح أسئلة تتجاوز المطبخ إلى المجتمع: من يحفظ هذه المعارف اليوم؟ كيف تنتقل من جيل إلى جيل؟ وما الذي يهددها في زمن السرعة والوجبات الخفيفة ونمط العيش المتحوّل؟

ضمن هذا الإطار، يكتسب ترشيح الهريسة التونسية لإدراج الهريسة التونسية ضمن مشروع أطلس للتراث اللامادي دلالة رمزية تعترف بقيمة المهارات التي تصنعها، وبالدور الاجتماعي والثقافي الذي تلعبه في الحياة التونسية. فالهريسة بحضورها الأنيق على المائدة هي علامة ذوق وهوية نكهة. هي نتاج علاقة خاصة بالأرض والشمس والتجفيف والحفظ، وذاكرة جماعية من "العولة" والجهد النسائي.
وكانت اللجنة الدولية الحكومية لليونسكو في دورتها لسنة 2022 قد أقرّت تسجيل عنصر "الهريسة : المعارف والمهارات والممارسات المطبخية والاجتماعية" ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية.
في النهاية، يبدو "الأطلس الدولي للتراث الغذائي" وكأنه دعوة إلى النظر من جديد في أطباقنا كما نتأمّل آثارنا ومعالمنا. فالتاريخ لا يسكن المتاحف وحدها، بل يعيش في البيوت أيضا، في الروائح الصاعدة من المطابخ ... وفي تلك اللحظة البسيطة، يولد التراث كلّ يوم من جديد.

 

المشاركة في هذا المقال