Print this page

غزة بين جرائم الاحتلال وتأجيل الإعمار شكوك حول المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب

تكشف تطورات اتفاق وقف الحرب على غزة عن فجوة عميقة

بين ما ورد في نصوصه الرسمية وما جرى تطبيقه فعليا على الأرض، فبينما تمّ تقديم الاتفاق بوصفه إطارا لخفض التصعيد وفتح مسار إنساني وسياسي لاحق، تعاملت سلطات الاحتلال الإسرائيلي معه عمليا كغطاء لإعادة هندسة الواقع الميداني والأمني داخل القطاع، لا كمرحلة انتقالية نحو الانسحاب.وبحسب نص الاتفاق، كان يفترض أن تنسحب قوات الاحتلال الإسرائيلية إلى ما عُرف بـ"الخط الأصفر" داخل قطاع غزة، ليكون خط تماس وحيدا تتوقف عنده العمليات العسكرية، وتُجمّد خلفه أرض المعركة، تمهيدا لخطوات لاحقة تشمل تبادل الأسرى، وفتحا جزئيا للمعابر، وعودة تدريجية للمدنيين، ثم إطلاق مسار إعادة الإعمار.
غير أن التطبيق الميداني سار في اتجاه مغاير، فالانسحاب المعلن اقترن بإبقاء ''إسرائيل'' سيطرتها على أكثر من نصف مساحة القطاع، مع ربط أي تراجع إضافي بشروط سياسية وأمنية طويلة الأمد، أبرزها نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، وإعادة ترتيب المشهد الأمني وفق الرؤية الإسرائيلية – الأمريكية.
وأعلنت إسرائيل، الاثنين، إعادة رفات آخر محتجز لديها في قطاع غزة، في تطور أنهى أبرز الملفات التي كانت تتذرع بها تل أبيب للمماطلة في استكمال الاستحقاقات المترتبة عليها من اتفاق وقف إطلاق النار.في المقابل، فإن الفصائل الفلسطينية بغزة بإعادة الرفات تكون قد استكملت استحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق، وسط تساؤلات حول الخطوات التالية التي المنتظرة في ظلّ خروقات إسرائيلية يومية تسفر عن ضحايا وتتسبب بتفاقم المعاناة الإنسانية.وشملت المرحلة الأولى إلى جانب وقف العمليات القتالية، صفقة تبادل لإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين مقابل أسرى فلسطينيين، وانسحاب إسرائيل من أماكن توغلها خلال الإبادة الجماعية إلى ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي يلتهم أكثر من 50 بالمائة من مساحة القطاع.
كما نص على فتح معبر رفح الحدودي مع مصر والذي تغلقه إسرائيل وتسيطر عليه منذ ماي 2024، وإدخال مساعدات بأنواعها المختلفة وبكميات تم الاتفاق عليها.ومع تنصّل "إسرائيل" من استحقاقات المرحلة الأولى، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منتصف جانفي الجاري، بدء المرحلة الثانية، ضمن خطته المعتمدة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر في 17 نوفمبر 2025.وتنصّ المرحلة الثانية من خطة ترامب المكوّنة من 20 بندا بشأن غزة، على نزع سلاح حركة "حماس" وبقية الفصائل الفلسطينية، وتنفيذ انسحاب إضافي للجيش الإسرائيلي من غزة، وبدء جهود إعادة الإعمار، التي تقدر الأمم المتحدة تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.
خطر مستمر
على الأرض، لم يُتعامل مع الخط الأصفر كخط انسحاب ثابت بل كنقطة انطلاق لإعادة رسم حدود السيطرة داخل غزة. ووفق تحقيق اعلامي، أظهرت صور أقمار صناعية أن الحواجز الإسمنتية وُضعت بداية عند مسار الخط كما هو مرسوم على الخرائط، قبل أن تُدفع لاحقا مئات الأمتار إلى الداخل، في عمق أحياء سكنية، عقب تدمير عشرات المباني الواقعة بين الخطين وفق الجزيرة.
ولم تتوقف عمليات الهدم مع دخول الهدنة حيز التنفيذ، بل استمرت بوتيرة مختلفة، لتفريغ مناطق واسعة حول مواقع تمركز الجيش، وتحويلها إلى أحزمة أمنية خالية من السكان، في خطوة تعكس نية تثبيت واقع أمني جديد لا مؤقت.
ورغم سريان وقف إطلاق النار،استشهد مئات الفلسطينيين بنيران إسرائيلية مباشرة، سواء برصاص الجنود، أو عبر الطائرات المسيّرة، أو بقصف منازل مأهولة، بذريعة ومزاعم استهداف مطلوبين'' أو التعامل مع ''تهديدات ميدانية''. وتشير تقارير أممية إلى أنّ هذه العمليات وقعت داخل مناطق يفترض أنها مشمولة بالهدنة، في ظل غياب تعريف ثابت وملزم لمسار الخط الأصفر نفسه.
هذا الواقع أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الاتفاق: هل هو وقف إطلاق نار فعلي، أم إدارة منخفضة الحدة للعمليات العسكرية تحت مسمى التهدئة؟
معبر رفح .. نقطة خلاف
في ملف المعابر، برز معبر رفح مثالا واضحا على الفجوة بين النص والتطبيق. ففي حين نصت المرحلة الأولى من الاتفاق على فتح تدريجي للمعبر أمام الحالات الإنسانية وحركة الأفراد، بقي المعبر خاضعا لقيود مشددة، ما حوّله من شريان إنساني مفترض إلى أداة ضغط إضافية على سكان القطاع.
وبالتوازي، أعلن جيش الاحتلال خلال فترة الهدنة تدمير أنفاق بطول أربعة كيلومترات داخل غزة، معتبرا أن هذه العمليات تجري ''وفق الاتفاق'' لوقوعها خلف الخط الأصفر، وهو تفسير يعكس توسيعا انتقائيا لبنود الاتفاق بما يخدم الأهداف العسكرية.
ومع الانتقال المعلن إلى المرحلة الثانية، لم يعد الخط الأصفر يُطرح كخط وقف نار مؤقت، بل يجري تثبيته تدريجيّا كحد أمني جديد، في مقاربة تشبه ما يُعرف بـ''الخط الأزرق'' الذي رسمته الأمم المتحدة عام 2000 لتأكيد انسحاب "إسرائيل" من جنوب لبنان.وفي هذا السياق، وصف رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، الخطّ الأصفر صراحة بأنه "خط حدود جديد"، وخطّ دفاع وهجوم في آن واحد، في إشارة واضحة إلى رؤية عسكرية تتعامل معه كترسيم دائم، لا كمرحلة انتقالية.
تأجيل الحسم
ووفق هذا الواقع، تبقى ''إسرائيل'' مسيطرة على نحو 53% من مساحة قطاع غزة، بانتظار التقدم في مسارات نزع السلاح، ونشر قوة دولية، واستكمال ترتيبات ما يُعرف بـ''الحكم التكنقراطي''، وربط إعادة الإعمار بالرؤية الأمريكية للمرحلة المقبلة.
في المقابل، أكدت الأمم المتحدة رفضها أي تغيير في حدود قطاع غزة، معتبرة أن تحويل الخط الأصفر إلى حد جديد يتناقض مع نص وروح اتفاق وقف إطلاق النار، ويقوّض أي فرصة لتحويل التهدئة المؤقتة إلى مسار سياسي مستدام.

وتتّجه الأنظار إلى المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية – الإسرائيلية بخصوص قطاع غزة، وهي مرحلة تُقدَّم على أنها انتقال من المواجهة إلى ''إعادة الترتيب''، لكنها في جوهرها تضع شرطا سياسيا وأمنيا صارما أمام أي أفق للإعمار أو تخفيف المعاناة الإنسانية في القطاع المنكوب. إذ أكد رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي أنه : لا إعادة إعمار في غزة قبل نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية حماس. في موازاة الموقف الإسرائيلي، تعمل الولايات المتحدة، بحسب تقارير، على إعداد وثيقة تتضمن جدولا زمنيا وآليات تنفيذ واضحة لعملية نزع السلاح، على أن تُعرض أولا على "إسرائيل" للمصادقة، قبل نقلها إلى حركة حماس. ويؤكد هذا المسار الإجرائي طبيعة الدور الأمريكي وانحيازه نحو رؤية الاحتلال .
دمج شرطة حماس
من جهة أخرى تسعى حماس لدمج رجال شرطتها، البالغ عددهم 10 آلاف، في لجنة فلسطينية جديدة تدير قطاع غزة بدعم من ‌الولايات المتحدة، وهو ‌مطلب من المتوقع ان ترفضه اسرائيل في الوقت الذي تبحث فيه الحركة ما إذا كانت ستسلم سلاحها.
وتسيطر حماس على نصف القطاع بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة أمريكية في أكتوبر الماضي. وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع مربوط في الاتفاق بتسليم حماس سلاحها.
وتدعو الخطة المكونة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة، وهي الآن في المرحلة الثانية، إلى تسليم حكم غزة إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي لجنة فلسطينية تكنوقراط تشرف عليها الولايات المتحدة بهدف استبعاد حماس.

ودعت الحكومة، التي تديرها حماس في غزة، العاملين الذين يزيد عددهم عن 40 ألف موظف مدني وفرد أمن إلى التعاون مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
وقالت أربعة مصادر مطلعة إن ذلك سيشمل قوات الشرطة التي تديرها حماس والبالغ قوامها نحو 10 آلاف فرد، وهو مطلب لم يعلن عنه من قبل. وكان كثير منهم يقومون بدوريات في غزة في الوقت الذي تعيد فيه حماس إحكام قبضتها على المناطق الخاضعة لسيطرتها.
حملة إسرائيلية لهدم منشآت فلسطينية
ميدانيا تواصل شرطة الاحتلال الإسرائيلية،أمس الثلاثاء، الحملة التي أطلقتها تحت اسم "درع العاصمة"، لتأمين عمليات هدم منشآت فلسطينية في بلدة كفر عقب شمال مدينة القدس المحتلة.
وقالت الشرطة في بيان، إنها أطلقت حملة "درع العاصمة" في كفر عقب مشاركة مئات العناصر من الشرطة والجيش، بالتعاون مع بلدية القدس الغربية.وزعمت أن "الحملة تهدف إلى تعزيز السيادة في منطقة خط التماس، وتعزيز الشعور بالأمن في الحيز العام".
و أفادت محافظة القدس في بيان، بأن "قوات الاحتلال اقتحمت عمارات سكنية في المنطقة، وأخلت بعضها قسرا، بالتزامن مع تمركز مكثف للجنود والقناصة على الشرفات وأسطح المباني المرتفعة، وإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت، إضافة إلى الرصاص الحي والمطاطي".
وذكرت المحافظة الفلسطينية أن قوات الجيش الإسرائيلي شرعت في تنفيذ عملية هدم لمنشآت في شارع المطار بحجة البناء دون ترخيص.وجاء الاقتحام في وقت ذروة توجه الطلبة والأطفال إلى مدارسهم، ما تسبب بحالة من التوتر والارتباك، وسط انتشار مكثف لآليات الجيش، وإغلاق طرق رئيسية وفرعية.
وتشهد مناطق شمالي القدس المحتلة، ولا سيما محيط مخيم قلنديا، اقتحامات إسرائيلية متكررة، يتخللها إغلاق طرق وعمليات دهم، ما ينعكس سلبا وبشكل مباشر على الحياة اليومية للفلسطينيين، وخصوصا الطلاب والعاملين.
ويحيط بالقدس جدار من الإسمنت والأسلاك الشائكة أقيم معظمه على أراضي الضفة بارتفاع يتجاوز 8 أمتار، وطول يصل إلى نحو 202 كيلومتر، وفق منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية. وبينما تدعي "إسرائيل" أنها شيدته لاعتبارات أمنية، يؤكد فلسطينيون والأمم المتحدة أن إقامته جاءت ضمن مخطط لضم أراض فلسطينية. وعام 2004 أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي، رأيا استشاريا بعدم قانونية الجدار، نظرا لتشييده على أراض فلسطينية محتلة.
ومنذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في 8 أكتوبر 2023، كثفت إسرائيل، عبر جيشها ومستوطنيها، من اعتداءاتها في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، بما يشمل الاعتقال والقتل وهدم منازل وتهجير فلسطينيين وتوسع استيطاني.ويقول الفلسطينيون إن هذه الاعتداءات تمهد لإعلان إسرائيل ضم الضفة الغربية رسميا إليها، ما سيعني نهاية إمكانية تنفيذ مبدأ حل الدولتين (فلسطينية وإسرائيلية)، المنصوص عليه في قرارات للأمم المتحدة.

استمرار غلق معبر رفح
وحذّرت وزارة الصحة في غزة من مخاطر استمرار إغلاق معبر رفح، مؤكدة أن آلاف المرضى، بينهم حالات حرجة وأطفال، يواجهون تهديدًا مباشرًا لحياتهم.
وأوضحت الوزارة، في بيان لها، أن نحو 20 ألف مريض ممن لديهم تحويلات طبية مكتملة ما زالوا ينتظرون السماح لهم بالسفر لتلقي العلاج في الخارج، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية، وخروج معظم الخدمات التخصصية عن الخدمة، إلى جانب تدمير البنى التحتية للمستشفيات، ما أدى إلى تفاقم قوائم الانتظار للعلاج في الخارج.
وأشارت إلى أن 440 حالة من بين المسجلين تُصنَّف كحالات «إنقاذ حياة»، فيما توفي 1268 مريضًا أثناء انتظارهم السماح بالسفر للعلاج في الخارج.
وبيّنت الوزارة أن مرضى الأورام يُعدّون من أكثر الفئات تضررًا، في ظل إغلاق المعبر وعدم توفر العلاجات التخصصية والخدمات التشخيصية، حيث يوجد نحو 4000 مريض أورام على قوائم الانتظار العاجلة للسفر.
وأضافت أن 4500 حالة من أصحاب التحويلات الطبية هم من الأطفال، بينما لم يتمكن سوى 3100 مريض فقط من مغادرة القطاع منذ إغلاق معبر رفح البري في 7 ماي 2024.وحذّرت وزارة الصحة من «نتائج صحية غير متوقعة قد تؤدي إلى ارتفاع أعداد الوفيات وزيادة قوائم التحويلات للعلاج في الخارج».
وأكدت وزارة الصحة في غزة أن «فتح المعبر، وتسهيل خروج المرضى والجرحى، وضمان انسيابية دخول الإمدادات الطبية، يمثل الملاذ الأخير لإنقاذ حياتهم».في وقت سابق من صباح امس الثلاثاء، قالت صحيفة يديعوت أحرونوت إن فريقا من المراقبين الأوروبيين بالإضافة إلى موظفين فلسطينيين موجودون حاليا في معبر رفح تمهيدا لإعادة تشغيله.وأضافت الصحيفة أنه في المرحلة الأولى سيغادر قطاع غزة ويدخل إليه ما بين 100 و150 شخصا يوميا.
وحذرت الوزارة "من نتائج صحية لا يمكن توقعها قد تسبب زيادة في وفيات المرضى وزيادة قوائم التحويلات للعلاج بالخارج".وأكدت أن "فتح المعبر وتسهيل خروج المرضى والجرحى، وانسيابية دخول الإمدادات الطبية الضرورية هو ما تبقى من ملاذ أخير أمام هؤلاء المرضى".
ومساء الأحد، أعلن مكتب رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل قررت الموافقة على فتح معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر، وذلك بعد الانتهاء من عملية تحديد مكان رفات الأسير الأخير بغزة ران غوئيلي.
وكان من المقرر فتح المعبر في أكتوبر الماضي ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ سريانه في 10 أكتوبر الماضي.

 

المشاركة في هذا المقال