وذلك بعد الحشد العسكري الأمريكي غير مسبوق في المنطقة . اذ تشهد منطقة الشرق الاوسط حالة تصعيد عملياتية وإستراتيجية غير مسبوقة، لا سيما بعد وصول حاملة الطائرات الأمريكية "ابراهام لنكولن" إلى شواطئ المنطقة في خطوة تعكس مستوى عاليا من الجاهزية العسكرية يربطها مراقبون بضربة متوقعة ستستهدف ايران .
ووفق تقارير تزامن هذا الاستنفار مع عودة التقارير التي تتحدث عن احتمال توجيه ضربة أمريكية ضد النظام الإيراني، بعدما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد لمح الأسبوع الماضي إلى تراجع هذا الخيار.
ووفق متابعين ينظر إلى هذا الانتشار على أنه تحرك يتجاوز الإطار الاعتيادي، إذ يمنح الولايات المتحدة قدرة شبه فورية على التحكم بمسرح العمليات الإقليمي برمّته، مع تركيز واضح على إيران باعتبارها المحور الأساسي لهذا الاستعراض العسكري المكثف.
وتبرز حاملة الطائرات "نكولن" في قلب هذا المشهد بوصفها منصة جوية وبحرية متكاملة، قادرة على تنفيذ عمليات واسعة النطاق واستهداف عمق الأراضي الإيرانية ومنشآتها الحيوية، الأمر الذي يربك حسابات التصعيد ويفتح الباب أمام مسارات غير محسوبة.
ويأتي هذا التطور ضمن سلسلة تحركات أمريكية متسارعة، شملت نقل أسراب من مقاتلات "إف-15" من القواعد البريطانية إلى الشرق الأوسط، مدعومة بطائرات للتزود بالوقود وأخرى للنقل العسكري، ما يعكس استعدادا عملياتيا واسعا ومتعدد الأبعاد.
وتكمن خطورة هذا الحشد في حجمه بحد ذاته، إذ يشكّل عنصر ضغط إستراتيجي يصعب التنبؤ بكيفية توظيفه، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، خاصة في ظل غياب إعلان رسمي يوضح الهدف النهائي من هذا التصعيد.
كما أن التجارب السابقة أظهرت أن واشنطن كثيرا ما لجأت إلى استعراض القوة دون الانخراط في مواجهة مباشرة، ما يجعل الوضع الراهن مفتوحا بين خيار الضغط القسري على إيران وخيار الانزلاق إلى مواجهة واسعة .
ويزداد المشهد تعقيدا مع الانتشار البحري الأمريكي المكثف، مدعوما بمدمرات وسفن قتالية وقواعد ثابتة، أبرزها الأسطول الخامس في البحرين وقاعدة العديد في قطر، وهو ما يوسّع نطاق العمليات ويرفع منسوب المخاطر الإقليمية.أما على مستوى موازين القوى، فلا يمكن اختزالها بالتفوق العسكري التقليدي، في ظل اعتماد إيران على أنماط الحرب غير المتماثلة، وما تمتلكه من أوراق جيوسياسية مؤثرة، أبرزها موقعها الحساس على الممرات البحرية، ولا سيما مضيق هرمز، إضافة إلى قدرتها على التأثير في الأمن الإقليمي عبر أدوات غير مباشرة.
ويرى محللون أن هذه الأوراق لا تزال كافية لإرباك الحسابات الأمريكية، وجعل نتائج أي تصعيد مفتوحة على سيناريوهات تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة.
ويؤدي هذا التداخل بين التفوق العسكري الأمريكي الكبير والقدرة الإيرانية على المناورة غير المتماثلة إلى صعوبة ضبط مسار أي مواجهة محتملة أو التنبؤ بنقطة نهايتها خاصة وأن اسرائيل بدورها تتجهز لسيناريو الهجوم ضد طهران . هذا وتتعمق ضبابية المشهد مع مؤشرات سياسية وأمنية مرافقة، من بينها زيارات عسكرية رفيعة المستوى إلى المنطقة، إلى جانب إلغاء شركات طيران دولية رحلاتها وتحذير عدة دول لمواطنيها في المنطقة ، في انعكاس واضح لمخاوف من تصعيد غير محسوب العواقب.
الحرس الثوري الإيراني: إيران لا تزال قوية
ومن جانبه أكد قائد الحرس الثوري الإيراني، اللواء حسين سلامي، أن قدرات بلاده الدفاعية والردعية لم تتأثر بالأحداث الأخيرة في المنطقة، مشددا على أن إيران ما زالت تمتلك القوة الكافية للتصدي لأي تهديد.
وجاءت تصريحاته ردا على ما وصفها بمحاولات الأعداء "لترويج ضعف إيران وفقدانها لأذرعها الرادعة في المنطقة".
وأفاد سلامي أن إيران لا تزال قوية وقادرة على حماية مصالحها ودعم حلفائها في المنطقة، مشددا على أن "القدرات الدفاعية والردعية الإيرانية لم تضعف، وهي لا تعتمد على حلفائها في المقاومة بمناطق أخرى".
ووجه قائد الحرس الثوري انتقادات لاذعة لإسرائيل، حيث وصف إسرائيل بأنها "وصمة عار على جبين العالم"، مشيرا إلى أنها تعتمد بشكل كلي على الدعم الأميركي المباشر. وتساءل "هل إسرائيل باتت أقوى وأكثر أمنا مقارنة بالعام الماضي؟ هل ازدهر اقتصادها أكثر من الماضي؟".
وأضاف: "إسرائيل تمتلك الكثير من المنظومات الدفاعية، لكن الصواريخ اليمنية تصيب أهدافها بدقة". وأشار سلامي إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا لم تتمكنا من مواجهة جماعة الحوثي في اليمن، إذ نجح الحوثيون في إغلاق البحر الأحمر أمام التهديدات الخارجية.
ولفت سلامي إلى أن إسرائيل باتت أضعف سياسيا واقتصاديا مقارنة بالعام الماضي، واصفا الإسرائيليين بأنهم ”قتلة وليسوا مقاتلين“. وشدد على أن إسرائيل لا يمكن أن تستمر في الوجود دون دعم الولايات المتحدة لها.
كذلك أشار اللواء إلى أن إسرائيل دمرت البنى التحتية الدفاعية في سوريا بعد انسحاب إيران منها، قائلا "بعد خروجنا من سوريا، دمر الكيان الصهيوني بنيتها التحتية الدفاعية".
كشف مدن الصواريخ والمسيرات
وفي السياق ذاته، أعلن قائد الحرس الثوري عن نية إيران الكشف عن "مدن الصواريخ والمسيرات" لإظهار الجانب المخفي لقوة وعظمة البلاد. وأكد أن الشعب الإيراني يطالب بتنفيذ "عملية الوعد الصادق 3″، مشيرا إلى أن الحرس الثوري لن يسمح بتلاشي شغف الشعب بالسعي نحو القوة.
وانطلقت صباح السبت مناورة "السائرون إلى القدس" في العاصمة طهران، بمشاركة 110 آلاف فرد من قوات البسيج. وتهدف المناورة إلى إظهار جاهزية القوات الشاملة لمواجهة أي تهديد محتمل، وتسليط الضوء على مستوى استعدادهم وتنظيمهم في مجالات الإنقاذ والدفاع عن الأحياء ومكافحة العمليات الإرهابية.
وقال قائد فيلق طهران الكبرى، العميد حسن حسن زاده، إن هذه المناورة تحمل عدة رسائل، أهمها إعلان الجاهزية الشاملة للبسيج للتصدي لأي تهديد، وإيصال رسالة إلى أعداء الثورة الإسلامية بأن الشعب الإيراني ما زال متواجدا في الساحة، وأن أبناءه مستعدون للتضحية بأرواحهم دفاعا عن الوطن.
واختتم سلامي تصريحاته بالتأكيد على أن إيران ستواصل دعمها للمقاومة في المنطقة، وأنها لن تسمح لأي قوة بتقويض أمنها أو أمن حلفائها.
حاملة طائرات و3 مدمرات في الطريق
وبحسب مصادر تضم مجموعة حاملة الطائرات نحو 5 آلاف من البحّارة ومشاة البحرية، إضافة إلى أسراب من المقاتلات النفاثة والمروحيات وطائرات الهجوم الإلكتروني.
وأشارت صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن وصول فريق حاملة الطائرات "لينكولن"سيؤدي إلى إضافة نحو 5700 عنصر عسكري إلى المنطقة، لافتة إلى أن الولايات المتحدة تمتلك عدة قواعد في الشرق الأوسط، من بينها قاعدة العديد الجوية في قطر، التي تستضيف آلاف الجنود الأمريكيين، وتُعد المقرّ الأمامي للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم).
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن مقاتلات"F-15E سترايك إيغل" الهجومية التابعة لسلاح الجو الأمريكي أصبحت متواجدة في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن هذه الطائرات "تعزز الجاهزية القتالية وتدعم الأمن والاستقرار الإقليميين".
وبالمثل، أفادت وزارة الدفاع البريطانية، بأنها نشرت مقاتلات "تايفون" في قطر بمهام ذات طابع دفاعي.
كما لاحظ محللون لبيانات تتبع الرحلات الجوية توجّه عشرات طائرات الشحن العسكرية الأمريكية نحو منطقة الشرق الأوسط.
ويشبه هذا النشاط ما جرى العام الماضي، حين نقلت الولايات المتحدة منظومات دفاع جوي، من بينها نظام صواريخ "باتريوت"، تحسبًا لهجوم إيراني محتمل عقب قصف ثلاثة مواقع نووية رئيسية.
وبعد أيام من تلك الضربات، أطلقت إيران أكثر من اثني عشر صاروخًا باتجاه قاعدة العديد الجوية.
تشهد تطورات الملف الإيراني تصعيدا متزامنا على المستويين العسكري والسياسي، مع تحركات أمريكية وتنسيق أمني إسرائيلي، يقابلها تحذير إيراني من اعتبار أي هجوم تهديدا وجوديا واستعداد للرد على أسوأ السيناريوهات.
تنسيق مع الاحتلال
كما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بوصول قائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر إلى "إسرائيل"، تمهيدا لعقد اجتماعات مع القيادات الأمنية والعسكرية، من بينهم رئيس أركان الحرب الإسرائيلي إيال زامير وقائد سلاح الجو. وقالت صحيفة "هآرتس"، نقلا عن مصادر، إن زيارة قائد القيادة الوسطى تهدف إلى التنسيق تحسبا لأي هجوم محتمل على إيران.
وكان موقع "أكسيوس" الإخباري ذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أوقف هجوما محتملا على إيران عقب اتصالات دبلوماسية جرت مع طهران، وعقبات لوجستية، وردود فعل سلبية من حلفاء إقليميين.
وأشار الموقع -نقلا عن مسؤولين أمريكيين- إلى أن ترمب كان مستعدا لإصدار أمر بشن هجوم على إيران قبل اجتماع عُقد في البيت الأبيض بشأن هذا البلد، في 13 جانفي الجاري.
وحسب التقرير، أبلغ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الرئيس الأمريكي بأن "إسرائيل غير مستعدة لرد إيراني محتمل"، وأن "الخطة الأمريكية المقترحة لا تمتلك القوة الكافية.
وفي المقابل، تتحسب إسرائيل لسيناريوهات متقدمة، إذ يواصل الجيش تعزيز استعداداته الدفاعية، بما في ذلك استدعاء قوات احتياط ونشر منظومات اعتراض صاروخي إضافية.
وأفادت القناة الإسرائيلية الـ12 -نقلا عن مصادر مطلعة- بأن المبعوثَين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وصلا السبت إلى إسرائيل، لعقد اجتماع مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ومن المتوقع أن يجتمع كوبر مع رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير وقائد سلاح الجو تومر بار، لبحث الاستعدادات المشتركة بين الجانبين.
وفي وقت سابق جدد المتحدث باسم جيش الاحتلال الإٍسرائيلي إيفي ديفرين الحديث عن "الجاهزية العسكرية العالية لمواجهة أي سيناريوهات مفاجئة"، وأكد أنهم "على أتمّ الاستعداد للدفاع والهجوم"، مشيرا في الوقت ذاته إلى عدم حدوث أي تغييرات على تعليمات الجبهة الداخلية.
وذكرت القناة الـ12، أن الجيش الإسرائيلي يحافظ على درجة عالية جدا من اليقظة، انطلاقا من فرضية أن جميع السيناريوهات مطروحة وأن التطورات المرتقبة خلال الأيام المقبلة قد تكون مفصلية.
وأضافت القناة أن إسرائيل تعزز منظومات الدفاع الجوي وقدراتها الهجومية، وسط اقتناع بأن الخيار العسكري الأمريكي لا يزال قائما، وأن واشنطن تبحث عن التوقيت الأنسب للتحرك.
ايران تنفي
من جهته نفى المدعي العام الإيراني محمد موحدي، ادعاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن طهران تراجعت عن إعدام 800 شخص شاركوا بالاحتجاجات، مبينا أن طهران لم تتخذ هذا القرار من أصله.
جاء ذلك في كلمة موحدي خلال اجتماع حضره في “مقر الحرب الهجينة” التابع للحوزات الإسلامية بالعاصمة طهران، بحسب وكالة أنباء ميزان التابعة للسلطة القضائية الإيرانية.
واتهم موحدي ترامب بإطلاق "تصريحات غير متزنة" بعد أن شهد “الموقف الحازم” للشعب الإيراني على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها مؤخرا ضد غلاء المعيشة وتردي الأوضاع الاقتصادية وسط مخاطر لتدخلات أمريكية إسرائيلية.
وتطرق في هذا الإطار إلى تصريح لترامب حول "تراجع إيران عن إعدام 800 شخص" على خلفية هذه الاحتجاجات.
وأضاف: "هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة على الإطلاق، لا يوجد عدد محدد في هذه المسألة، ولا قرار صادر عن القضاء بشأنها".
تصاعد التوتر
على صعيد متصب غيّرت شركات طيران مسار رحلاتها وألغت بعضها في أنحاء الشرق الأوسط مع تزايد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، إذ قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن واشنطن لديها "أسطول" متجه نحو إيران.
وقال مسؤول إيراني كبير أمس الأول إن إيران ستتعامل مع أي هجوم على أنه "حرب شاملة علينا"، وذلك قبل وصول مجموعة حاملة طائرات عسكرية أمريكية وأصول أخرى إلى الشرق الأوسط خلال الأيام المقبلة.
وأوصت هيئة تنظيم الطيران في الاتحاد الأوروبي شركات الطيران التابعة للتكتل بالابتعاد عن المجال الجوي الإيراني مع تزايد التوتر بسبب ما زعمت أنه حملة القمع العنيفة التي تشنها طهران على الاحتجاجات والتهديدات الأمريكية بالتدخل.
أعلنت شركة كيه.إل.إم للطيران، وهي الذراع الهولندية لمجموعة إير فرانس كيه.إل.إم، في 24 جانفي أنها ستتجنب التحليق فوق أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط حتى إشعار آخر بسبب تصاعد التوتر هناك.وذكر متحدث باسم كيه.إل.إم "نظرا للوضع الجيوسياسي، لن تحلق الشركة عبر المجال الجوي لإيران والعراق وعدة دول أخرى في المنطقة كإجراء احترازي".
استأنفت الخطوط الجوية الفرنسية رحلاتها إلى دبي في 24 جانفي بعد يوم من تعليقها، قائلة إنها تتابع الوضع في الشرق الأوسط "في زمن حدوثه".
وقالت الشركة في بيان "تراقب إير فرانس باستمرار الوضع الجيوسياسي في المناطق التي تسير إليها رحلاتها وتحلق طائراتها فوقها".
قالت لوفتهانزا إنها ستتجنب المجالين الجويين الإيراني والعراقي حتى إشعار آخر، وستسيّر رحلات نهارية فقط إلى تل أبيب وعمّان في الفترة ما بين 14 و19 يناير كانون الثاني.
وأضافت في بيان في ذلك أن بعض الرحلات قد تُلغى نتيجة لهذه الإجراءات.
علّقت الخطوط الجوية البريطانية رحلاتها إلى البحرين مؤقتا في 16 كإجراء احترازي، قائلة إنها "تواصل إبقاء الوضع في المنطقة قيد المراجعة الدقيقة".
وعادت الرحلات الجوية إلى البحرين لتظهر مرة أخرى على الموقع الإلكتروني للخطوط الجوية البريطانية في 24 جانفي، وقال متحدث باسم الشركة إن جميع رحلاتها الجوية تسير كما هو مقرر لها.
قالت فين إير في بيان إنها توقفت عن التحليق فوق المجال الجوي العراقي، وإن رحلاتها المتجهة إلى الدوحة ودبي ستحلق فوق السعودية بدلا من العراق.