Print this page

ملف الأدوية على طاولة قرطاج.. ضمان رئاسي يعيد صيغة "الطرف الدافع": استئناف "مشروط" للعمل بين الصيدليات الخاصة والكنام في انتظار الإصلاح الهيكلي

لم تكن أزمة الصيدليات الخاصة مع الصندوق الوطني للتأمين

على المرض "الكنام" مجرد خلاف حول مستحقات مالية أو صيغ تعاقدية بل مثّلت مؤشّرا جديدا على عمق الاختلالات التي تعانيها منظومة الدواء والتغطية الاجتماعية في البلاد، فقد تراكمت الديون وتعطّل خلاص مستحقات الصيادلة مع تسجيل نقص متواصل في عدد من الأدوية الحياتية، وأمام تصاعد الأزمة وتفاقم التوتر دخل رئيس الجمهورية قيس سعيّد على الخط ليكسر حالة الانسداد، وقد أفضى هذا التدخل إلى قرار استئناف العمل بصيغة الطرف الدافع بضمان رئاسي.
في تطوّر لافت، أعلنت النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة استئناف العمل بصيغة "الطرف الدافع" مع الكنام، وذلك إثر اجتماع انعقد مساء أول أمس بإشراف رئاسة الجمهورية وبحضور الوزارات والهياكل المعنية بقطاع الصحة والدواء والتغطية الاجتماعية. وأكدت النقابة أن هذا القرار تمّ بضمانة مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في انتظار استكمال الإجراءات التطبيقية من قبل الوزارات المختصة. وشدّدت النقابة، في بيانها على أن تعليق العمل بالاتفاقية لم يكن هدفًا في حدّ ذاته بل مثّل "تنبيها مؤسسيا مسؤولا" إزاء ما وصفته باختلالات عميقة تمس تمويل الدواء، وتأخّر خلاص مستحقات الصيادلة، وغياب حلول جذرية تضمن استدامة القطاع. كما نبّهت إلى أن استئناف العمل لا يعني القبول بحلول ظرفية.
نقابة الصيدليات تحذر..
أشارت نقابة الصيدليات الخاصة إلى أنّها التزمت طوال هذا المسار الوطني بواجباتها كاملة، مع التعامل بأقصى درجات الجدية والانضباط، لافتة إلى أنّ مسؤولية المرحلة القادمة تقع الآن على عاتق الوزارات والهياكل المعنية، كل في نطاق صلاحياته، لضمان تمويل الدواء واستقرار التزويد وحماية موقع الصيدلي قانونيا وأدبيا وماديا، مؤكدة أن القرار لا يشكّل تفويضا مطلقا، محذرة من أنّ أي إخلال لاحق بالالتزامات أو الضمانات سيكون محل متابعة دقيقة وفق القانون، لحماية ديمومة القطاع وحق المواطنين في النفاذ إلى الدواء. وختمت النقابة بالتأكيد على أنّ تأمين الدواء مسؤولية الدولة، وأن النقابة ستظل طرفًا مسؤولا ويقظًا، ملتزما بالإصلاح دون التفريط في المهنة ودون السكوت عن أي خلل يهدد القطاع أو حقوق المواطنين.
إصلاح منظومة التغطية الاجتماعية
وجاء هذا التطوّر عقب اجتماع أشرف عليه رئيس الجمهورية قيس سعيّد بقصر قرطاج، وضمّ كلًا من وزير الصحة مصطفى الفرجاني، ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر وأمال فطوم الرئيسة المديرة العامة للصيدلية المركزيّة للبلاد التونسية وريم غشام عطية رئيسة المجلس الوطني لعمادة الأطبّاء وسميّة ميلاد المديرة العامة للوكالة الوطنية للدّواء ومواد الصحّة ومصطفى العروسي رئيس المجلس الوطني لهيئة الصيادلة ومحمد زبير قيقة رئيس النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصّة. وأكد رئيس الدولة، خلال اللقاء، أن إعادة بناء المرفق العمومي للصحة وإصلاح منظومة التغطية الاجتماعية تمثّل مطالب مشروعة وحقوقًا أساسية للمواطنين، داعيا إلى تغليب المصلحة العليا للبلاد قبل أيّ اعتبار وعلى مقاربة سائر القضايا انطلاقا من هذا الإيمان الرّاسخ بأنّنا نعمل من أجل أن تستعيد سائر المرافق العموميّة صحّتها وعافيتها بعد التخريب الذي أصابها على مدى عقود وعقود وتجاوز العراقيل الظرفية التي تعطل السير العادي للمنظومة الصحية. كما شدّد على ضرورة توفير مخزون استراتيجي من الأدوية وتحسين الخدمات الصحية في مختلف الجهات.
أزمة الدواء لا يمكن فصلها عن مسار إصلاحي شامل
واعتبر رئيس الجمهورية، وفق بلاغ صادر عن الرئاسة، أن أزمة الدواء لا يمكن فصلها عن مسار إصلاحي شامل، يستوجب رؤية علمية واستشرافية تضمن عدم تكرار الإشكاليات نفسها مستقبلًا، مذكّرا بالدور التاريخي الذي اضطلع به الأطباء والصيادلة في بناء المدرسة التونسية للطب والصيدلة. كما أسدى تعليماته بالتوصّل إلى الحلول التي ينشدها الشّعب التونسي في أسرع الأوقات سواء في مستوى التغطية الاجتماعية أو في توفير مخزون استراتيجي للأدوية إلى جانب تحسين الخدمات الصحيّة في كافّة جهات البلاد. وخلُص رئيس الجمهورية إلى التأكيد مجدّدا على أنّ معركة التحرير الوطني ستستمرّ وعلى أنّ الإرادة راسخة للاستجابة لكلّ مطالب الشّعب التونسي دون الالتفات إلى من في قلوبهم مرض، فهؤلاء في الداخل والخارج على السّواء لا ينفع فيهم علاج ولا دواء ولا عقار وأهمّ مضادّ لهم هو وعي الشّعب التونسي.

تجاوز الحلول الظرفية
ويأتي هذا المسار في سياق تحرّك رئاسي أوسع شمل ملف الصناديق الاجتماعية برمّته، إذ استقبل رئيس الجمهورية قيس سعيّد، يوم 12 جانفي الجاري وزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، حيث تمّ التطرّق إلى الوضعية المالية والهيكلية للصناديق الاجتماعية، وعلى رأسها الصندوق الوطني للتأمين على المرض. وأسدى رئيس الدولة تعليماته بضرورة تدارك هذه الوضعية في أقرب الآجال، وإيجاد حلول عاجلة تضمن استمرارية التغطية الصحية لفائدة جميع المضمونين الاجتماعيين، على اختلاف منظومات انخراطهم، مع التشديد على ضرورة تضافر جهود مختلف المتدخلين لوضع حدّ لمعاناة المواطنين. وفي هذا الإطار، شدّد رئيس الجمهورية على أنّ الحقّ في التغطية الاجتماعية والصحية يُعدّ من الحقوق الأساسية للإنسان، معتبرا أنّ الانحراف عن الأهداف التي أُحدثت من أجلها الصناديق الاجتماعية أمر غير مقبول، خاصة عندما ينعكس ذلك سلبا على جودة الخدمات الصحية والنفاذ إلى العلاج. كما أكّد على ضرورة بلورة تصوّر جديد لإصلاح هذه الصناديق، يقطع مع الخيارات السابقة التي أدّت إلى اختلال توازناتها المالية، وهو ما يضفي بعدا هيكليا على التعاطي مع أزمة الكنام، ويضعها ضمن مسار إصلاحي أوسع يتجاوز الحلول الظرفية إلى إعادة بناء منظومة الحماية الاجتماعية على أسس مستدامة.
جلسة عاجلة ومفاوضات مرتقبة
في السياق ذاته، أعلن الكاتب العام للنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة، محمد صالح الكداشي، عن عقد جلسة عاجلة أمس بمقر وزارة الشؤون الاجتماعية، ستُخصّص لبحث أزمة الأدوية والعلاقة التعاقدية بين الصيادلة والكنام، وذلك في إطار تفعيل مخرجات اللقاء الرئاسي. وتعوّل الأوساط المهنية والمرضى على أن تمثّل هذه الجلسة منطلقًا فعليا لمعالجة جذور الأزمة، خاصة في ما يتعلّق بتمويل الدواء، وتسوية مستحقات الصيدليات، وضمان استقرار التزويد، بما يحفظ توازن القطاع ويصون حق المواطن في العلاج.

المشاركة في هذا المقال