الذي استهدف إيران، في تطور خطير يعيد رسم ملامح التوتر في الشرق الأوسط ويطرح مخاوف جدية من انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية واسعة يصعب التحكم في تداعياتها. وقد تفاعلت الساحة السياسية والحقوقية والنقابية مع التطورات ببيانات ومواقف متباينة في لهجتها لكنها متقاربة في تحذيرها من خطورة المرحلة، ويأتي هذا الحراك في المواقف والتصريحات ليعكس حجم القلق من مشهد إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة بين احتواء التصعيد أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
دعا مجلس الهيئة الوطنية للمحامين بتونس المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، إلى التحرك العاجل من أجل وضع حد للعمليات الحربية ووقف منسوب التصعيد الذي بات يهدد أمن المنطقة بأكملها. وأكد المجلس في بيانه أن استهداف مسؤولين في دولة ذات سيادة يمثل سابقة خطيرة من شأنها تكريس منطق الاغتيالات السياسية كأداة لإدارة النزاعات الدولية، محذرا من أن استمرار هذا النهج قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية شاملة تتجاوز حدود إيران لتطال دولا عربية مجاورة، بما لذلك من انعكاسات مباشرة على الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي.
جريمة حرب مكتملة الأركان
لم يقتصر التنديد على الهياكل المهنية القانونية بل شمل المنظمات النقابية حيث عبّر الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس عن بالغ غضبه واستنكاره لما وصفه بالعدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، معتبرا أن ما جرى اعتداء سافر يكشف من جديد منطق القوة والهيمنة في إدارة الصراعات الدولية. وأكد في بيان له أن العمليات التي استهدفت قيادات ومؤسسات مدنية ومنشآت حيوية تمثل جريمة حرب مكتملة الأركان وخرقا فجا للمواثيق والأعراف الدولية والقانون الإنساني الدولي، محذرا من أن هذا التصعيد يدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار. كما أعلن عن تضامنه التام مع الشعب الإيراني وحقه في الدفاع عن سيادته ووحدة أراضيه، داعيا القوى النقابية والحقوقية في العالم إلى تكثيف أشكال الدعم والتضامن مع الشعوب التي تطالها سياسات العدوان.
الدعوة إلى تعبئة وطنية وقومية
تتالت البيانات المنددة لهذا العودان من قبل الأحزاب، حيث عبر حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات عن بالغ انشغاله بالتطورات المتسارعة، معتبرا أن التصعيد العسكري يهدد الأمن والاستقرار الدوليين ويعيد المنطقة إلى منطق المحاور والاستقطاب الحاد. وأكد الحزب رفضه أن تكون تونس جزءا من أي اصطفاف إقليمي أو دولي، مشددا على أن الحلول لا يمكن أن تكون عسكرية بل سياسية، تقوم على الحوار واحترام القانون الدولي والمواثيق الأممية. كما ثمن ما اعتبره دعوات أممية إلى التهدئة، معربا في الوقت ذاته عن أسفه لما وصفه بتباين بعض المواقف الرسمية مع ما اعتادته الدبلوماسية التونسية من دفاع واضح عن سيادة الدول وحق الشعوب في الأمن والاستقرار. أما حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد فقد اعتبر في بيان له أن الهجوم يمثل اعتداء سافرا وجريمة مكتملة الأركان، مؤكدا تضامنه الكامل مع الشعب الإيراني في مواجهة ما وصفه بالغطرسة الإمبريالية والصهيونية. ودعا الحزب القوى الوطنية والتقدمية في تونس والعالم العربي إلى تجاوز خلافاتها والتعبئة ضد السياسات التي من شأنها تكريس الهيمنة وفرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية. كما طالب المنظمات الدولية بتحمل مسؤولياتها في حماية السلم والأمن الدوليين ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات للقانون الدولي.
بين الدعوة لتحصين الجبهة الداخلية والتحرك العربي
بدورها عبّرت جبهة الخلاص الوطني في بيان لها عن قلق بالغ إزاء تداعيات الهجوم، خاصة في ظل الحديث عن عمليات اغتيال واستهداف منشآت مدنية، وهو ما اعتبرته تطورا ينذر بتوسيع دائرة العنف ويهدد بإدخال المنطقة في مرحلة من الفوضى المفتوحة. وأكدت أن منطق التدخل العسكري الخارجي لا يمكن أن يشكل حلا للنزاعات، بل يعمقها ويزيدها تعقيدا، داعية إلى تحصين الجبهة الداخلية في تونس عبر توحيد الصف الوطني واحترام الحقوق والحريات باعتبار أن قوة الداخل هي الأساس في مواجهة أي ارتدادات خارجية محتملة. وبالنسبة إلى حزب التيار الشعبي فقد أدان ما وصفه بالعدوان الهمجي، معلنا مساندته للشعب الإيراني في دفاعه عن سيادته ووحدة أراضيه. كما دعا الدول العربية والإسلامية إلى عدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أي عمليات عسكرية تستهدف إيران، معتبرا أن ما يجري يعكس تحولات عميقة في موازين القوى الدولية ويعيد العالم إلى منطق الغلبة بدل الاحتكام إلى الشرعية الدولية.
تحذير من تداعيات العدوان
وفي السياق ذاته، أدان حزب المسار الديمقراطي والاجتماعي بشدة ما وصفه بالعدوان الأمريكي–الصهيوني على إيران، معتبرا أنه يشكل انتهاكا صارخا لسيادة دولة مستقلة ومحاولة لفرض تغيير نظامها بالقوة. وأشار الحزب إلى أن توسع رقعة الصراع واستهداف قواعد عسكرية أمريكية في عدد من الدول العربية ينذر بحرب واسعة النطاق ستكون لها عواقب وخيمة على شعوب المنطقة ومقدراتها. وأكد الحزب حق إيران المشروع في الدفاع عن سيادتها ومقاومة أي اعتداء يطال أراضيها أو رموزها السياسية، مع التشديد على أن الشعب الإيراني وحده صاحب الحق في تحديد نظامه السياسي دون تدخل خارجي. كما عبر عن تضامنه مع المدنيين في الدول العربية التي طالتها العمليات العسكرية، داعيا السلطات إلى اتخاذ التدابير الضرورية لضمان سلامة المواطنين التونسيين المقيمين بتلك البلدان أو إجلائهم عند الاقتضاء. واعتبر الحزب أن ما وصفه بالغطرسة الأمريكية–الصهيونية يدفع المنطقة نحو مواجهة مفتوحة ستكون لها انعكاسات خطيرة على أمن الدول العربية، خاصة تلك التي تحتضن مصالح أو قواعد عسكرية أمريكية، فضلا عن تأثيراتها المحتملة على الاستقرار الهش في منطقة الخليج وعلى الاقتصاد العالمي في ظل سياق دولي يتسم بتراجع احترام القوانين والمواثيق الدولية.
القنصلية التونسية في دبي تطمئن الجالية
أكدت القنصلية العامة للجمهورية التونسية بدبي والإمارات الشمالية عدم تسجيل إصابات في صفوف الجالية التونسية، مشيرة إلى أنها تتابع تطورات الوضع بشكل متواصل وتؤمن حصص مناوبة للرد على استفسارات المواطنين. كما دعت أفراد الجالية إلى الالتزام بالإرشادات الصادرة عن السلطات المحلية وتجنب تداول المعلومات غير الموثوقة، مع التأكيد على استمرار الخدمات القنصلية بصفة طبيعية.
وبين الإدانة والتحذير والدعوة إلى الحوار، يبقى المشهد مفتوحا على كل الاحتمالات، في انتظار ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية الدولية لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى صراع إقليمي شامل.