وصف نفسه بـ''الحاكم المؤقت لفنزويلا'' تسليط الضوء على واحدة من أخطر الأزمات السياسية التي تشهدها أمريكا اللاتينية في السنوات الأخيرة، في ظلّ تطورات متسارعة أعقبت اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، وما تبع ذلك من ارتدادات إقليمية ودولية واسعة.
وفي تدوينة على منصته "تروث سوشيال" نشر ترامب صورة له بدت وكأنها مقتبسة من موقع "ويكيبيديا"، كتب أسفلها "الرئيس المؤقت لفنزويلا".. كما تضمنت الصورة معلومات أخرى، من بينها "بداية المهام: جانفي 2026"، و"نائب الرئيس: جي دي فانس".
ولم تمر التدوينة التي نشرها ترامب على منصته ''تروث سوشيال''، بوصفها مزحة عابرة، بل قرأها مراقبون على أنها رسالة سياسية مركبة تعكس رؤية الإدارة الأمريكية لطبيعة المرحلة المقبلة في فنزويلا. فالإشارة إلى "بداية المهام في جانفي 2026"، وذكر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس كنائب مفترض في هذه ''الإدارة الانتقالية''، حملت إيحاءات تتجاوز السخرية إلى التلميح بإدارة أمريكية مباشرة أو غير مباشرة لشؤون الدولة الغنية بالنفط.
وجاء ذلك بالتزامن مع تصريحات أدلى بها ترامب على متن الطائرة الرئاسية، تحدث فيها عن تقدم المباحثات مع ''القيادة في فنزويلا''، مؤكداً أن الأمور ''تسير على نحو جيد جداً''، وهو ما عزز التكهنات بشأن وجود ترتيبات سياسية واقتصادية قيد الإعداد، خصوصا بعد إعلانه عن اتفاق لشراء عشرات الملايين من براميل النفط الفنزويلي، ووصول شحنة أولى بمليارات الدولارات إلى الولايات المتحدة. وأوضح ترامب أن شركات النفط الأمريكية لن تواجه بعد الآن المشكلات التي عانت منها سابقا، معتبرا أن وجوده في البيت الأبيض يضمن لها ''الأمان والاستقرار''.
انتهاك جسيم للقانون الدولي
غير أنّ هذه التصريحات جاءت في سياق بالغ الحساسية، إذ ترافقت مع اتهامات دولية لواشنطن بارتكاب انتهاك جسيم للقانون الدولي عقب الهجوم العسكري الذي استهدف فنزويلا مطلع جانفي 2026، وأسفر عن سقوط قتلى واعتقال الرئيس مادورو وزوجته.
وقد أعلن ترامب لاحقا أن بلاده ستتولى إدارة شؤون فنزويلا خلال فترة انتقالية غير محددة، مع فتح الباب أمام استثمارات أمريكية واسعة في قطاع النفط، ما أثار مخاوف من إعادة إنتاج نماذج الهيمنة الاقتصادية والسياسية تحت غطاء الانتقال .
وفي نيويورك، وأمام موجة تنديد دولي، مثل مادورو في أولى جلسات محاكمته، رافضاً التهم الموجهة إليه، والتي شملت قيادة حكومة فاسدة والتعاون مع شبكات تهريب مخدرات. وقال الرئيس الفنزويلي المعتقل أنه "أسير حرب".
الفراغ السياسي
وعلى المستوى الداخلي، سعت المؤسسات الفنزويلية إلى احتواء الفراغ السياسي، إذ أدت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز اليمين الدستورية رئيسة مؤقتة للبلاد أمام البرلمان في الخامس من جانفي، في خطوة هدفت إلى تأكيد استمرارية الدولة ومؤسساتها، والحفاظ على قدر من الشرعية الدستورية في مواجهة الضغوط الخارجية.
إلا أن قدرة القيادة الجديدة على تثبيت موقعها ستظل رهنا بموقف الجيش، وحجم الاعتراف الدولي، والسيطرة الفعلية على الموارد الإستراتيجية، وعلى رأسها النفط.
أما دوليا، فقد فجّرت هذه التطورات انقساما حاد في المواقف، إذ حذرت قوى كبرى من خطورة فرض إدارة خارجية على فنزويلا، معتبرة ذلك سابقة تهدد أسس النظام الدولي القائم على سيادة الدول، في حين التزمت دول أخرى الحذر أو الصمت، وسط مخاوف من تداعيات اقتصادية وأمنية قد تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة العالمية واستقرار المنطقة.
وبينما لا يزال الجدل محتدما حول ما إذا كان إعلان ترامب مجرد سخرية سياسية محسوبة أو تمهيد لتحول استراتيجي واسع، تبدو فنزويلا اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فأي مسار يُفرض من الخارج، مهما كانت مبرراته، ينذر بتعقيد الأزمة بدل حلها، ويفتح الباب أمام صراعات نفوذ جديدة قد تتجاوز حدود البلاد، لتجعل من فنزويلا ساحة اختبار كبرى لموازين القوة في عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب.