استقالة أمينه العام نور الدين الطبوبي يوم 17 جانفي الجاري طبقاً للفصل 219 من النظام الداخلي للاتحاد، في وقت يتعقّد فيه المشهد النقابي مع تعذّر تنظيم الإضراب العام المقرر يوم 21 جانفي لتجاوز الآجال القانونية لإصدار برقية الإضراب، هذا الواقع دفع أكثر من 40 عضوا من الهيئة الإدارية على هامش انعقد مؤتمر الاتحاد الجهوي في صفاقس إلى التوقيع على وثيقة تطالب بعقد هيئة إدارية وطنية عاجلة يوم 14 جانفي الجاري، بحثا عن مخرج للأزمة وإنقاذ المنظمة قبل دخولها فراغا قياديا قد يعصف بوحدتها واستحقاقاتها التنظيمية القادمة.
قبل أيام من انتهاء الآجال القانونية لتفعيل استقالة نور الدين الطبوبي وأنور بن قدور، تتصاعد التحركات داخل اتحاد الشغل في محاولة لإعادة الإمساك بزمام القرار النقابي واحتواء الأزمة وإنقاذ المنظمة، فالاتحاد يعيش منذ فترة على وقع أزمة تنظيمية عميقة وغير مسبوقة، تواصلت فصولها لعدة أشهر، في ظل شغور داخل المكتب التنفيذي وفي ثلاث خطط قيادية بعد وفاة الأمين العام المساعد منعم عميرة، واستقالات متتالية، الطبوبي وبن قدور، وتعطل اجتماعات القيادة المركزية، وأكد عدد من أعضاء الهيئة الإدارية أن المسؤولية التاريخية تفرض اليوم تحمل الجميع لدورهم في حماية المنظمة من مزيد الانقسام أو الانزلاق نحو ممارسات تهدد وحدتها واستقلال قرارها.
هيئة النظام الداخلي تستند في دعوتها إلى الفصل 132
في تطور لافت، دعت الهيئة الوطنية للنظام الداخلي للاتحاد كافة أعضاء الهيئة الإدارية الوطنية إلى عقد اجتماع يوم غد الأربعاء 14 جانفي الجاري، انطلاقا من الساعة التاسعة صباحا بقاعة فرحات حشاد بالمقر المركزي للمنظمة، وذلك لـ"التداول في المستجدات الأخيرة". وأوضحت الهيئة، في الدعوة التي أصدرتها أمس أن هذا الاجتماع يندرج في إطار "المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنظمة، والتي تعمّقت باستقالة الأمين العام"، مؤكدة أن المبادرة تهدف إلى السعي للتوافق وإنقاذ الاتحاد وتجاوز الخلافات الداخلية. واستندت هيئة النظام الداخلي في دعوتها إلى الفصل 132 من النظام الداخلي، الذي ينص على تقريب وجهات النظر وتحقيق المصالحة بين النقابيين، وفض النزاعات النقابية وتجاوز الخلافات، إلى جانب احترام وتطبيق النظام الداخلي في كل ما يتعلّق بالمسائل النقابية والعلاقات داخل المنظمة.
محاولات للبحث عن مخرج للأزمة
كما ذكّرت الهيئة بتعهدها التلقائي بالتعهد بجميع الإخلالات والتجاوزات المرتكبة من قبل المنخرطين والهياكل النقابية، ويأتي هذا التحرك في وقت تتقاطع فيه دعوة هيئة النظام الداخلي مع مطالب أكثر من 40 عضوا من الهيئة الإدارية الوطنية بعقد اجتماع عاجل في نفس التاريخ، ما يعزز فرضية أن اجتماع 14 جانفي سيكون محطة مفصلية في مسار الأزمة، وقد يحدد ملامح المرحلة القادمة داخل الاتحاد، وقد دعا الممضون على الوثيقة إلى رفض كل ما من شأنه تعميق الانقسام داخل المنظمة أو إضعاف دورها النقابي والوطني، مع التأكيد على ضرورة توحيد الصفوف والتسريع بالمرور إلى الاستحقاق التنظيمي الجامع، طبقا لما تم الاتفاق عليه سابقا، وتنفيذا لقرارات الهيئتين الإداريتين المؤرختين في 29 ماي و23 سبتمبر 2025. ويطالب الممضون كذلك بالإسراع في تفعيل قرارات المؤتمر الوطني المزمع عقده أيام 26 و27 و28 مارس 2026، باعتباره محطة مفصلية لوضع حد للأزمة الحالية ومنع انزلاق المنظمة نحو مسارات تهدد وحدتها واستقلاليتها إلى جانب الدعوة إلى عقد هيئة إدارية وطنية عاجلة للنظر في المستجدات الأخيرة، ومناقشة سبل الخروج من الأزمة بالتوافق وروح المسؤولية الجماعية.
قرار الإضراب ما يزال "قائم الذات"
كما شدد الممضون على البيان على أهمية فتح حوار مسؤول وصريح دون إقصاء أساسه احترام القانون والإدارة الجماعية بما يضمن استعادة الثقة في الهياكل وطمأنة القواعد النقابية، وفي ما يتعلق بالإضراب العام المقرر يوم 21 جانفي الجاري، فإن إصدار برقية الإضراب أصبح مستحيلا تنظيميا وقانونيا في ظل الوضع الراهن، ما يعني عمليا إلغاءه، رغم التأكيد على أن قرار الإضراب ما يزال "قائم الذات" باعتباره صادرا عن المجلس الوطني المنعقد في سبتمبر 2024، ومؤكدا بالإجماع من قبل الهيئة الإدارية الوطنية، فالإضراب يظل مبدئيا قائما طالما أن باب المفاوضات الاجتماعية مغلقا، مع تسجيل تراجع عن الحقوق المكتسبة واستهداف واضح للحق النقابي.
الهيئة الإدارية الوطنية الجهة الوحيدة للحسم
وكان الأمين العام المساعد صلاح الدين السالمي قد دعا من صفاقس إلى تحرك عاجل للنقابيين وأعضاء الهيئة الإدارية الوطنية، محذرا من أن المنظمة باتت "مهددة في وجودها" إن تواصل التعطيل والصراع داخل هياكلها. وأفاد أن الطبوبي تغيب عن الاستدعاءين الموجهين إليه يومي 3 جانفي وما بعده، وهو ما يفعّل آلية الانتظار لمدة 15 يوما قبل اعتبار الاستقالة نافذة، مبرزا أن حالة الإرباك التي عرفتها المنظمة، خاصة على خلفية الخلاف حول عقد المؤتمر الاستثنائي، أثّرت مباشرة على جاهزية الهياكل النقابية لإنجاح الإضراب، غير أنه شدد في المقابل على أن عدم تنظيم الإضراب في الموعد المعلن لا يلغي إمكانية تنظيمه لاحقا، باعتبار أن الهيئة الإدارية الوطنية تبقى الجهة الوحيدة المخولة للحسم في ذلك، داعيا جميع هياكل الاتحاد إلى إحكام العقل وإنقاذ المنظمة.
مدّ وجزر داخل المكتب التنفيذي
وأوضح السالمي أن عدم رد الفعل من قبل الاتحاد على جميع الانتهاكات التي شهدها الحق النقابي، خلق عدم ثقة لدى هياكل المنظمة فيما بينها وهو ما أدى إلى تصاعد الدعوات منذ سبتمبر الماضي من أجل عقد مؤتمر استثنائي للمنظمة الشغيلة ولكن حالة المد والجزر داخل المكتب التنفيذي للاتحاد، جعل الأوضاع تصل إلى ماهو عليه الآن داخل الاتحاد.
تتجه الأنظار إلى الاجتماع المرجح عقده يوم الأربعاء المقبل والذي قد يفرز، وفق قيادات نقابية إلى قرارات "مهمة وحاسمة" ستحدد ملامح المرحلة القادمة داخل الاتحاد العام التونسي للشغل، في واحدة من أدق اللحظات في تاريخه.