عن صورة مقلقة لاستمرار تصاعد العنف المتطرف في القارة الأفريقية، التي ما تزال تتحمل العبء الأكبر من الهجمات الإرهابية عالميا. ويؤكد التقرير أن الإرهاب لم يعد ظاهرة معزولة، بل بات متشابكا بعمق مع الأزمات السياسية والهشاشة الأمنية والصراعات على الموارد في عدد متزايد من الدول.
يعتمد المؤشر على متوسط مرجّح لخمسة أعوام، آخذا بعين الاعتبار عدد الهجمات، والضحايا، والمصابين، وحالات احتجاز الرهائن. وتُظهر نتائجه أن النشاط الإرهابي يتركز بشكل أساسي في البيئات التي تعاني ضعف مؤسسات الدولة، وتآكل الحوكمة، وغياب التنمية، وهي سمات مشتركة في أجزاء واسعة من أفريقيا.
الساحل.. بؤرة العنف المفتوحة
وتظل منطقة الساحل في صدارة المشهد، حيث تعيش مالي وبوركينا فاسو والنيجر تحت حكم عسكري عقب سلسلة من الانقلابات. وقد أدى انسحاب هذه الدول من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) وتشكيلها تحالف دول الساحل إلى إضعاف آليات التنسيق الإقليمي، خصوصاً في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية ومكافحة الجماعات المتطرفة.
ووفق مراقبين فإن هذا الفراغ الأمني لم يقتصر أثره على دول الساحل وحدها، بل امتد إلى دول الجوار. ففي شمال بنين، تصاعدت الهجمات على المدنيين والمواقع العسكرية، وأسفرت إحدى أكثر العمليات دموية في افريل عن مقتل عشرات الجنود على الحدود مع بوركينا فاسو والنيجر. كما واجهت توغو موجة هجمات نفذتها جماعات متطرفة تنشط انطلاقاً من الأراضي البوركينابية.
تمدد الجماعات المسلحة
ووفق المؤشر تعمد التنظيمات المتطرفة إلى التوسع في المناطق قليلة السكان والمحرومة من الخدمات، مستغلة الفقر وغياب الدولة لتجنيد عناصر جديدة وبسط نفوذها. وفي غرب أفريقيا، لا تزال نيجيريا والكاميرون تواجهان تهديدات مستمرة من جماعتي بوكو حرام وتنظيم داعش في غرب أفريقيا، بالتوازي مع تصاعد العنف الإجرامي المنظم.
وفي هذا السياق، أثارت الغارات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة في عام 2025 ضد مواقع لداعش وبوكو حرام داخل نيجيريا جدلا واسعا، وسط مخاوف دولية من اتساع رقعة التدخل العسكري وتداعياته على الاستقرار الإقليمي.أما في القرن الأفريقي ووفق المؤشر، تواصل حركة الشباب الصومالية تنفيذ هجمات كبيرة، ما يعكس محدودية التقدم الذي أُحرز في جهود مكافحة الإرهاب رغم سنوات من العمليات العسكرية والدعم الدولي.
أما في وسط أفريقيا، فتستغل الجماعات المسلحة في جمهورية الكونغو الديمقراطية الثروات المعدنية الهائلة في حوض الكونغو، ممولة أنشطتها العنيفة من عائدات الذهب والكوبالت والكولتان، وهو ما يربط الإرهاب بشكل مباشر بالاقتصاد غير المشروع.
وفي موزمبيق، لا يزال تمرد إقليم كابو ديلغادو يهدد مشاريع الطاقة العملاقة ويعطل طرق التجارة، بينما يضيف الصراع المستمر في السودان عاملاً جديداً لعدم الاستقرار في شمال وشرق أفريقيا، فاتحاً المجال أمام شبكات متطرفة لإعادة التموضع والتوسع.
مخاطر واسعة
رغم أن الانقلابات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر رُوّج لها باعتبارها استجابة لفشل الحكومات المدنية في مكافحة الإرهاب، فإن المؤشر يعكس نتيجة مغايرة. فالعزلة الدولية، وتراجع الدعم الغربي، وتفكك الأطر الإقليمية ، كلها عوامل قلّصت القدرات اللوجستية والاستخباراتية لهذه الدول. والنتيجة أن الجماعات المسلحة استفادت من مرحلة الانتقال السياسي لتوسيع نفوذها وفتح جبهات جديدة، خاصة على الحدود.
كما يبرز المؤشر بوضوح الدور المتزايد للاقتصاديات غير المشروعة في تمويل الإرهاب. ففي الكونغو الديمقراطية، يرتبط العنف بشكل مباشر بالسيطرة على مناجم الذهب والكوبالت، بينما يعتمد متطرفو الساحل على التهريب وفرض الإتاوات. هذا التحول يجعل مكافحة الإرهاب مرتبطة بإصلاح سلاسل التوريد العالمية، وليس فقط بالعمل العسكري المحلي، إذ تستفيد الأسواق الدولية بشكل غير مباشر من موارد تُستخرج في ظل العنف.
رغم الضربات الجوية والتدخلات الأجنبية، سواء الأمريكية في نيجيريا أو الإقليمية في الصومال وموزمبيق، يشير المؤشر إلى أن هذه العمليات لم تقضِ على البيئة المنتجة للتطرف. بل إن بعض التدخلات ساهمت في إعادة تشكل الجماعات بصورة أكثر مرونة، تعتمد على خلايا صغيرة وانتشار أفقي بدل السيطرة المكانية الواسعة.
السودان وعدم الاستقرار الإقليمي
ووفق المحللين فإنّ الصراع السوداني، وإن لم يُصنَّف تقليديا ضمن ساحات الإرهاب، يُعد وفق المؤشر عاملا مضاعفا للخطر. فالفوضى الأمنية وتدفق السلاح واللاجئين تخلق بيئة مواتية لاختراق الجماعات المتطرفة لشمال وشرق أفريقيا، ما ينذر بإعادة رسم خريطة الإرهاب في القارة خلال السنوات المقبلة.
ويؤكد مؤشر الإرهاب العالمي 2025 أن أفريقيا تقف عند مفترق طرق خطير: إما الاستمرار في معالجة الإرهاب كملف أمني ضيق، أو الانتقال إلى مقاربة شاملة تربط الأمن بالحكم الرشيد والتنمية والتعاون الإقليمي. فدون إعادة بناء الدولة، وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع، وإحياء العمل الجماعي بين الدول الأفريقية، سيظل الإرهاب ظاهرة متحركة، قادرة على التكيف والتمدد مهما تغيّرت أدوات مواجهته.