مرحلة غير مسبوقة، مع تصاعد حدّة التوتر بين قيادة المنظمة وعدد من هياكلها النقابية، على خلفية تمسّك الأمين العام نور الدين الطبوبي باستقالته وربطها بتنظيم المؤتمر في شهر مارس المقبل، في وقت يستعد فيه الاتحاد لخوض إضراب عام وطني يوصف بالمفصلي يوم 21 جانفي الجاري والذي مازالت صورته غير واضحة والغموض مازال يخيم على مصيره، خطوة فجرت موجة غضب داخل القواعد النقابية، خاصة في صفوف الجامعة العامة للتعليم الأساسي، التي اعتبرت الاستقالة انسحابا من معركة اجتماعية حاسمة وتهديدا مباشرا لوحدة المنظمة ومصداقيتها.
ووفق ما ينص عليه النظام الداخلي للاتحاد، من المنتظر أن يتم استدعاء الطبوبي مجددا إلى جلسة استماع ثانية لتوضيح أسباب الاستقالة ومحاولة إقناعه بالتراجع عنها قبل تفعيلها نهائيا، غير أن هذا المسار الإجرائي لم ينجح، إلى حدّ الآن، في تهدئة الأوضاع داخل المنظمة الشغيلة، وقد تصاعدت الضغوط من داخل الهياكل النقابية التي اعتبرت خطوة الاستقالة خطيرة في ظل استعداد المنظمة الشغيلة لخوض إضراب عام وطني، كما تعمقت حالة الاحتقان داخل المنظمة، وسط مخاوف حقيقية من تداعيات هذه الأزمة على وحدة الاتحاد وقدرته على قيادة معركة اجتماعية توصف بالمصيرية.
بيان شديد اللهجة من التعليم الأساسي
الجامعة العامة للتعليم الأساسي خرجت إلى العلن ببيان شديد اللهجة، عبّرت فيه عن بالغ انشغالها واستغرابها مما أقدم عليه الأمين العام للاتحاد والأمين العام المساعد المسؤول عن الدراسات أنور بن ڨدور، معتبرة أن ما حدث لا يمكن عزله عن السياق العام للصراع الاجتماعي الذي تخوضه المنظمة الشغيلة. وأكدت الجامعة أن هياكل التعليم الأساسي، وفي مقدمتها الجامعة العامة، اختارت تغليب المصلحة العليا للعمال، وقررت إلغاء الإضراب القطاعي، والانخراط المسؤول والملتزم في تنفيذ الإضراب العام، انسجاما مع قرارات الهياكل الشرعية، لتُفاجأ، وفق البيان، بإعلان الاستقالة في خضم التحضيرات لمعركة مركزية. كما اعتبرت الجامعة توقيت الاستقالتين "دقيق وحساس"، خاصة بعد أن حددت الهيئة الإدارية الوطنية موعد الإضراب العام تنفيذا لقرارات المجلس الوطني المنعقد يومي 4 و5 سبتمبر 2024.
"انسحاب غير مسؤول"
واعتبرت جامعة التعليم الأساسي في البيان ذاته أن ما صدر عن قيادة الاتحاد لا يمكن قراءته إلا هروبا مكشوفا من المعركة وتخليا غير مسؤول عن واجب القيادة في زمن تتطلب فيه المرحلة وضحا صمودا وتحملا جماعيا للمسؤولية لا انسحابا ولا استراحة من النضال. كما رأت الجامعة في هذه الاستقالة طعنة لوحدة الصف النقابي ورسالة سلبية موجهة إلى المناضلين والمناضلات الذين ما زالوا في الميدان يدافعون عن حقوقهم في مواجهة ما وصفته بسياسات التفقير والتجويع وضرب المرفق العمومي والحق النقابي. وفي لهجة تصعيدية، أكدت الجامعة أنها ترفض رفضا قطعيا سياسة الهروب من المسؤولية تحت أي مسمى أو تبرير وتحمل القيادة المستقيلة كامل المسؤولية عن تداعيات هذا القرار على وحدة الاتحاد وصورته ونضالاته وتجدد تمسكها بخيار النضال الجماعي والمنظم وبقرارات هياكل الاتحاد الشرعية وعلى رأسها الهيئة الإدارية الوطنية.
دعوة حاسمة لإصدار برقية الإضراب العام
وشددت على أن المعركة الاجتماعية لا تدار بالانسحاب بل بالصمود والوضوح والانحياز الصريح للعمال ، كما أهابت الجامعة بكل النقابيات والنقابيين إلى الالتفاف حول هياكلهم الشرعية، لتشدد على أن الاتحاد ملك لمناضليه لا رهينة حسابات شخصية أو خيارات فردية، ودعت المكتب التنفيذي الوطني إلى تحمّل مسؤوليته التاريخية والنقابية، عبر الإسراع بإصدار برقية الإضراب العام دون تردد، والعمل الميداني الجاد على إنجاحه، باعتباره معركة محورية للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال، وصونا لمصداقية الاتحاد ووحدته النضالية.
سلسلة من اللقاءات داخل الهياكل النقابية
وكان الأمين العام نور الدين الطبوبي قد قدم ، بتاريخ 23 ديسمبر 2025 استقالته رسميا، وفق ما أكده الأمين العام المساعد والناطق الرسمي باسم الاتحاد سامي الطاهري. وأوضح الطاهري أن الطبوبي أودع استقالته بمكتب الضبط المركزي للاتحاد، حيث تسلمها الأمين العام المساعد المكلّف بالنظام الداخلي، دون تقديم تفاصيل حول دوافع هذه الخطوة. وبين الطاهري أنّ الاستقالة لا تصبح نافذة بصفة فورية، إذ ينص القانون الداخلي للاتحاد على دعوة المعني بالأمر في أجل أقصاه 15 يوما للاستفسار عن أسباب الاستقالة ومحاولة ثنيه عنها، على أن يتم تفعيلها في صورة تمسّكه بقراره. كما أشار الطاهري إلى أن الأيام القليلة القادمة ستشهد عقد سلسلة من اللقاءات داخل مختلف الهياكل النقابية لتدارس الخطوات التي سيتم اتخاذها تباعا على ضوء هذه التطورات.
مع تزايد الضغوط من القواعد والهياكل، يجد الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه أمام اختبار وجودي حقيقي، بين احتواء الأزمة والحفاظ على وحدة قراره، أو الانزلاق نحو مزيد من الانقسام، وكل الأنظار باتت اليوم متجهة نحو اتحاد الشغل وقدرته على إدارة الأزمة والمضي نحو تنفيذ قرارات مؤسساته وفي مقدمتها الإضراب العام.
- جامعة التعليم الأساسي: "الاستقالة هي طعنة لوحدة الصف النقابي و"هروبا مكشوفا من المعركة" وندعو إلى الإسراع بإصدار برقية الإضراب العام"