أشياء فلسفية: ماذا رأى ابن خلدون في رحلتيه: ما هي تونس؟

ليس من الاختراع المحض أن نسأل عن معنى وطن ما. ثمة وضعيات يرتفع فيها الوطن من رقعة جغرافية إلى فكرة، وهذه الوضعيات هي وضعيات الاستشكال القصوى

للوجود التاريخي، أعني للعلاقة بين المعطى التاريخي وكيفية الاضطلاع الفكري، الفلسفي بذلك الوجود. هكذا مثلا سأل الألمان في مستهل رومنتيقيتهم عن اليونان ماذا تكون: فحددوا اليونان على أنّه مثال المدينة التي أمكن فيها للفرد أن يحلم بفرديته تحت سقف النظام المدني الذي يجمّع ويرفع الرؤى الفردية المختلفة ضمن ما هو «الأحق»، أعني ضمن ما هو الخير والجمال والصدق. وهكذا حدد العرب وجودهم على أنه وجود المدينة التي تسوسها الملة، باعتبارها نسق أغراض السعادة التي لا يمكن أن تتصور ولا أن تخبر خارج أفق الوجود الذي تحدده الملة آراء (واعتقادات) وأفعالا (وإرادات محكومة بما تنشده من السعادات). وهكذا طرح فوكو سؤال أوروبا ما تكون: طرحه بالإحالة على تاريخ تكون الفكرة، وعلى ما صاحبها من القطيعات: القطيعة مع المرجعية المسيحية الموحّدة، القائمة على زمانية كلية، وقيام «الدول» أو «الأمم» التي تحدد كل واحدة منها هويتها داخليا، ببناء تاريخ ذاتي على حدود ذاتية، وتحديد تلك الهويات وفق «مصالح» خاصة بكلّ شعب، تعارضت وتصادمت حتى تسلمتها الفكرة الأوروبية كنظام يسمح بالتطور الداخلي للشعوب والدول من دون أن يفيض هذا التطور بحيث يصبح خطرا على الدول المجاورة الأخرى. أوروبا هي نظام الدول الذي لا ينبغي أن تشكل فيه أي دولة خطرا على أجوارها. أوروبا هي نظام الدول التي تتطور وفق مبدإ منافسة محكوم بضرورات التعايش (عسكريا) والانتظام داخل سوق متضامنة (اقتصاديا): ثمة نوع من مطلب «السلم الدائمة» التي تتحكم في كياناتها كحجة تعلوها وتهيمن عليها كليا. ولكن تفكير فوكو لا يقف عند هذا الحد: فتفكيره الفلسفي يتطور في اتجاه اشتراع فكرة أوروبية تجعل جواب سؤال «ما هي أوروبا» ليس من معطيات التاريخ والماضي فقط بل هو كذلك جواب يتكفل بع مستقبل نكلفه بذلك: ماهي أوروبا هو سؤال عن أوروبا الممكنة.

تماما كما كتب أوغسطين كتاب الاعترافات إيقاعا بيوغرافيا لحياته ولارتحاله بين جنوب المتوسط وشماله، ثم كتاب مدينة الله جوابا من مسيحية القدامة المتأخرة عن مدينة قديمة تراوحت بين الـ»بوليس» السقراطية الاغريقية ومدينة العالم الرواقية، كذلك عرّف عبد الرحمان ابن خلدون من بعد ذلك بعشرة قرون برحلته شرقا وغربا وكتب مقدمته لعلم العمران عرض فيها أحوال العمران في كثرتها على الناموس الذي يحكمها جميعا: فليست صيغ علم العمران العامة (قوانينه؟) إلا ثمرة معاشرة للأحداث وفهم تتحدد منه إحداثيات الإقامة وجهاته الأربع.
ما الذي أعنيه بكتابة المدينة؟ أعني أن كل فيلسوف مفكر إنما يضمّن في إيقاع كتابته جوابا يعرّف به سؤاله عن مدينته. كيف يجب أن تكون أثينا حتى إذا ما ولد فيها سقراط مرة ثانية لم يقتل: ما كتبه أفلاطون في جمهوريته ليس أكثر إذن من جوابه عن هذا السؤال: ما هي أثينا؟ ليس سؤال فوكو بدعة إذن. إنه استئناف لتقليد فلسفي صَنع أوروبا، وليس أجدر من معاودة طرحه اليوم.

لقد سافر ابن خلدون شرقا وغربا .. ودوّن رحلته تلك. كما سافر في طبقات التاريخ، ودون سفراته تلك في أسفاره. فما الذي رأى في رحلتيه هاتين؟ أية مدينة استقر على وصفها حقا؟ إن الجواب عن هذا السؤال هو جواب سؤال «ما هي تونس»؟، لا بما هو تعيين قاصد إلى موقع بعينه، أعني لهذا الموقع الجغرافي الذي نقيم فيه وننتمي إليه جميعنا، وإنما للموقع الذي نقيم فيه عندما نكون في فترات التمفصل التّاريخي. مثل تلك الإقامة هي التي تسمح بإعادة قراءة النفس ضمن تأويلية ذاتية تنشد الفهم، وترقب المقبل.

إن مقامنا في تونس اليوم هو مقام تاريخي، أعني ضربا من المقام يتحدد موضوعيا كنتيجة لأحداث ومعطيات، ولكنه كذلك مؤسس للتاريخ ومانح لفرصة لفهمه فهما يفتحنا على مقدمة جديدة، لعلها تكون مقدمة لكل إقامة في التاريخ تريد أن تستنتج شروط الانتماء إليه ومعاصرته. ويعني ذلك عملا مزدوجا يأتلف أولا من بناء، بل من تكثير سردياتنا، لا فقط التاريخية (القائمة على موضوعية المعرفة التاريخية) وإنما كذلك سردياتنا المخيَّلة، التي لا يقل دورها عن تخفيف عبء الضرورة التاريخية علينا، وإفساح المجال للممكن ولو كان تخيلا واختراعا. وهو يأتلف ثانيا من مصاحبة تأويلية لتك السرديات: أعني من مناقشة فلسفية متحررة لمعنى تلك السرديات. إن كل شعب يقبل على المستقبل كممكن يغير به قدره هو شعب يكتب «مقدمته»، أعني العبرة التي يستنتجها من أحداث تاريخه ومن تنزيلها في نسق الحدث اليومي الذي يشهده ويعايشه.

ما هي تونس؟ سؤال لا يمكن أن يكون جوابه إلا اختراعا: فليست الأحداث، ولو كانت ثورات، وأفعالا مادية، سياسية أو اقتصادية، ليست تلك هل التي تصنع الشعوب والأمم. وهي ليست قادرة على أن تجيب في حالتنا نحن التونسيين عن سؤال «ماهي تونس؟»، وإنما هي قراءاتنا وتأويلنا لتلك الأحداث، وترتيبنا لها في شبكة الأسباب والتوقعات. يمكننا أن نقدم أدق الأجوبة عما هي تونس، وعمن هم التونسيون: ولكن تلك المعارف الدالة على وقائع وظواهر ليست شيئا إذا ما هي لم تُحَسّ ولم تدرَكْ بالنسبة إلينا. لقد انتهى فوكو إلى أن يحدّد الأوروبيين على أنهم «المحكومون»، هؤلاء الذين أُخضعوا في أجسادهم إلى برنامج الحياة الذي تسطره السياسة من خلال تصريف الليبرالية وقوانينها. لقد اختار أن يكون إحساسه بأوروبا من وجهة نظر المحكومين فرفض أن يستلف عين التبرير السلطوية حتى يرى بها ما هي أوروبا: ليست أوروبا هي الحاصل من نظام القوانين بقدر ما هي نسق مقاومتها، نسق نشدانها «المرابط»

والمتشعّب والمتشابك للحرية: فجأة تكتشف أوروبا نفسها على أنها كتاب تتظافر على قراءته فرديات كثيرة ليس ثمة من بينها ما هو أشد وجاهة من غيره. ليست أوروبا هي نسق الكونيات المتجاورة والمنتظمة وفق مبدإ عدم التناقض. إنها فضاء الفرادات غير المتشابهة.

ما هي تونس إذن؟ أية تونس علينا أن نخترع في ظل نماذج القراءة هذه؟ لا شك أنها تاريخ ومعطى جغرافي ومعطى بشري في سياق من السياسة الكونية، أعني من الأغلال والقيود التي توجه الإرادات والإحساسيات (sensibilités). ولكن ذلك التاريخ إما أن يكون موضوع قراءة تتحول به موضوعيته إلى «محسوس» يُعاش، أو أن يظل مجرد تجريد. لا أعتقد أن «الصراخ اليومي» بأننا مسؤولون «أمام الله وأمام التاريخ» له معنى: هو مجرد شكل من أشكال الإخضاع إلى جوهرانية تفوقنا وتملي علينا إملاءاتها، موهمة بأنها الحاصل من «الشعب يريد»، في حين أن «الشعب الذي يريد» هو أكبر «قفل» على إرادة الفرد.

ما هي تونس إذن؟ إنها ما يريده كل فرد ضمن فرادته (singularité) اللامحدودة: لا أعني بذلك أني أعطي للفرد قوة التأثير على مجرى الحياة، لأن ذلك سيؤدي بموجب ضرب من «التأثير الراجع» إلى تنازع الإرادات أي إلى الصدام، وإنما أعني نفي كل حدّ للفرادة. ما الذي يعوق الفرادة اليوم في تونس؟ التنظيم السياسي ؟ نعم ولكن في حدود. التنظيم الاقتصادي ؟ نعم كذلك. ولكن القفل الحقيقي الذي يحبس فرادة التونسيين هو خضوعهم المنمّط إلى نوع من الإملاء المتعالي : علينا أن نعيد قراءة كتبنا، أعني قراءة كيفيات أفهامنا وتأويلاتنا المتعاقبة لتونس: وضمن سلسلة هذه القراءات سنلتقي بقطع عديدة ليس أقلها «اعترافات» أوغسطين و»مدينة الله» التي وصفها، و»مقدمة» ابن خلدون و»رحلته»، و»إتحاف» ابن أبي الضياف، و»مسالك» خيرالدين و»امرأة» الحداد، و»سد» المسعدي، و»تحرير» ابن عاشور. و»أغاني» الشابي ... هذه كتب فقط. علينا أن نضيف إليها كل النصوص الأخرى: تلك التي لا ينتمي نظام دلالتها إلى نظام الحروف وإنما إلى نظام الرموز الأخرى. بذلك فقط يمكننا أن نختصر التاريخ، أي أن نعوض عن انتظار حدوثه، بقراءته، وإعادة قراءته، ضد كل إملاء، ومع كل نفَس من أنفاس التحرّر.

• ملاحظة أخيرة:
من الجائز جدا أن يجد بعض القراء ممن ليسوا تونسيين بعض ما يتصادى مع واقع بلدانهم بحيث يمكن بسهولة تعويض تونس وكتبها وكتّابها ومعالمها بأسماء بلدانهم، وكتّابهم وكتبهم: ليس في ذلك إلا تأكيد إضافي على أننا ننتمي إلى أفق تاريخي يجمع بيننا، خارج كل الإيديولوجيات التي لم تكن لحد اليوم إلا عوائق حالت دون قراءة أنفسنا: كلنا داخل سياق الإملاءات المتعالية، ولذلك فكلنا معنيون بأن لا نجيب عن سؤال معنى كياناتنا إلا بما هي كيانات ممكنة، أعني كياناتِ ما يزال نحتُها من ممكنات المستقبل.
ما هي تونس إذن؟ سؤال إما أن يكون متفائلا وإما أن لا يكون. ربما كان أوكد ما رآه ابن خلدون في رحلته شرقا وغربا وفي رحلته ماضيا وحاضرا هو ما تلخصه مقالته الشهيرة التي برر بها ما عمد إليه من تأويلية وطنه:
«و إذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدّل الخلق من أصله، و تحول العالم بأسره، و كأنه خلق جديد و نشأة مستأنفة و عالم محدث؛ فاحتاج لهذا العهد من يدوّن أحوال الخليقة و الآفاق و أجيالها و العوائد و النِّحل التي تبدّلت لأهله (...) ليكون أصلاً يَقتدي به من يأتي من المؤرخين من بعده. و أنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا القطر المغربي إما صريحاً أو مندرجاً في أخباره، وتلويحاً لاختصاص قصدي في التأليف بالمغرب و أحوال أجياله و أممه و ذكر ممالكه و دوله دون ما سواه من الأقطار لعدم اطلاعي على أحوال المشرق و أممه»
لا شك أن ابن خلدون قد برر اقتصاره في قراءته على بلاد المغرب بعدم اطلاعه على أحوال المشرق: وأما عندي أنا فإن تبريره يعني أن ما سيحفظه منه التاريخ هو إيماءته: قراءة الأحوال فتحا للآفاق. وهذا أمر سيصير، بل قد صار بعد، ناموسا لكل علاقة بالوطن.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115