قهوة الأحد: الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بعد عشرية الثورة: من أجل عقد اجتماعي جديد

نص المحاضرة التي ألقيت في الندوة الفكرية التي نظمها الاتحاد العام التونسي للشغل يوم 13 جانفي 2021

تحت عنوان «أي آفاق لتجاوز الازمة واستكمال أهداف الثورة».

• التقديم:
تمر الذكرى العاشرة للثورة التونسية في ظروف تتميز بالإحباط والخوف من المستقبل وفقدان جانب كبير من الثقة في قدرتنا على انجاح تجربتنا الديمقراطية والمرور بثورتنا الى شاطئ السلام .وقد زادت الجائحة التي نعاني منها ككل بلدان العالم من حدة التشاؤم السائد في بلادنا منذ مدة .
وألى جانب الأزمات السياسية وصعوبة التحول الديمقراطي فقد شكلت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية أحد الجوانب الأساسية لهذا العجز الذي نعيشه اليوم ولعدم قدرتنا على فتح آفاق جديدة لتجربتنا التاريخية .

• المسارات الاقتصادية والاجتماعية للثورة
لا يختلف اثنان اليوم أن بلادنا تمر اليوم بأزمة اقتصادية واجتماعية خانقة بعد عشر سنوات من الثورة. وهذه الازمة نتيجة التقاء أربعة مسارات كبرى.
-المسار الأول هيكلي ويهم ما نسميه نمط التنمية: نمط التنمية هو جملة من الاختيارات الاقتصادية الاستراتيجية الكبرى والمؤسسات والقوانين والقطاعات التي تحمل وتحدد ديناميكية التنمية في فترة معينة .
وقد انطلقت بلادنا في نمط تنمية جديد منذ بداية السبعينات في القرن الماضي يتميز بثلاث توازنات كبرى.
التوازن الأول يهم العلاقة بين القطاع العام والقطاع الخاص والخروج من هيمنة القطاع الأول وتطوير الثاني ليلعب دورا مهما في عملية التنمية.
أما التوازن الثاني فيهم العلاقة بين السوق الداخلية والسوق الخارجية والعمل على تطوير الصادرات من اجل تنويع الاسواق لمؤسساتنا الاقتصادية .
أما التوزان الثالث فيخص القطاعات الاقتصادية التي سيعتمد عليها نمط التنمية. ولئن اكدت الاختيارات الجديدة على القطاع الصناعي فإنها أولت كذلك أهمية كبرى للقطاع الصناعي والقطاعات الجديدة كالقطاع السياحي .
ولئن ساهم نمط التنمية في دفع الديناميكية الاقتصادية لسنوات طويلة فانه بدأ منذ نهاية التسعينات في الدخول في أزمة عميقة وشاملة .ويمكن أن نشير لعديد المؤشرات التي تثبت هده الأزمة ومن ضمنها .

- تراجع كبير للاستثمار العام في بلادنا والذي سيتدعم في منتصف العشرية الأولى للألفية .
- تراجع الاستثمار ولن يقف على المستوى العام بل سيمس كذلك بعض القطاعات الصناعية التي شكلت ركيزة نمط التنمية .

- تراجع نسبة النمو في هذه القطاعات الصناعية كقطاع النسيج والصناعات الميكانيكية والكهربائية .
- تراجع الاستثمار الخارجي بداية من 2008 وتحوله الى قطاعات المواد الأولية عوضا عن القطاعات الصناعية كما كان الشأن في السابق.

- كما عرفت بلادنا تراجعا في إنتاجية القطاعات الصناعية الأساسية لنمط التنمية ومن ضمنها قطاعات صناعة النسيج والملابس والصناعات الميكانيكية والصناعات الغذائية.
- وكان لتراجع الإنتاجية تأثير كبير على القدرة التنافسية لهذه القطاعات وعلى الاقتصاد الوطني بصفة عامة.

هذه مؤشرات تشير بوضوح الى تآكل نمط التنمية مند سنوات دون أن تكون مختلف الحكومات التي وصلت للسلطة مند بداية الألفية قادرة على القيام بالتغييرات والإصلاحات الضرورية من اجل بناء نمط تنمية حديث. وقد ساهمت هذه الأزمة في المسارات الاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت في تردي الوضع الحالي .

- المسار الثاني يهم النمو والتوازنات الاقتصادية الكبرى في بلادنا مند انطلاقة الثورة.
بدأ النمو في التراجع في بلادنا مند المنتصف الثاني للعشرية الأولى للألفية. الا اننا سنحافظ خلال هذه العشرية الأولى على التوازنات الكبرى للاقتصاد.
ألا أن الثورة ستفتح مرحلة جديدة وهي انخرام هذه التوازنات وتراجعها بطريقة كبيرة جديدة مما يهدد مصداقية الدولة وقدرتها على الايفاء بالتزاماتها.
وتكمن أبرز عناصر هذا المسار في المؤشرات التالية:

- تراجع كبير للنمو بصفة كبيرة بعد الثورة وعجز السياسات العمومية عن إيجاد ديناميكية جديدة للحركة الاقتصادية.

- اختلال التوازنات الاقتصادية الكبرى وبصفة خاصة توزان المالية العمومية والتوازن الخارجي .

- تنامي كبير للمديونية من اجل مجابهة التنامي الكبير لمصاريف الدولة.

- صعود كبير للتضخم الذي أصبح يهدد المقدرة الشرائية للمواطنين.
أصبحت هذه التطورات تشكل تهديد كبيرا للتوازنات الاقتصادية الكبرى لبلادنا وانضافت الأزمة الهيكلية التي عصفت بنمط التنمية منذ بداية الألفية.

- المسار الثالث يهم التهميش الاجتماعي والسياسي الذي عرفته بلادنا منذ منتصف تسعينات القرن الماضي .
يمكن لنا أن نقدم عديد المؤشرات التي تؤكد التدهور للوضع الاجتماعي في السنوات الأخيرة ومن ضمنها:

- تنامي البطالة مند منتصف تسعينات القرن الماضي وعجز كل سياسات التشغيل النشيطة على إيقاف هدا التدهور.

- تنامي بطالة أصحاب الشهائد وعجز النظام الاقتصادي على استيعابهم. وستلعب تنسيقيات أصحاب الشهائد دورا كبيرا في الحراك الاجتماعي الذي سيقود إلى الثورة.

- تراجع القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم والتي شكلت لسنوات طويلة أساس المشروعية للدولة ما بعد الاستقلال.

- تصاعد انخرام النمو الجهوي والتهميش الكبير الذي أصبحت تعيشه الجهات الداخلية والتي ستشكل نقطة انطلاق التحركات الاجتماعية وخاصة التي عرفها الحوض المنجمي والتي ستقود إلى الثورة .

- انخرام التوان المالي للصناديق الاجتماعية والتي لعبت دورا كبيرا في بناء الصيغة الحديثة للعقد الاجتماعي ولخروجه من دائرة الأشكال التقليدية للتآزر الاجتماعي .

وقد عرفت جملة هده المؤشرات ترديا كبيرا غداة الثورة لتساهم في الازمات الكبرى التي تعيش بلادنا على وقعها.

- المسار الرابع يهم التكلفة الاجتماعية والاقتصادية لجائحة الكورونا .
وقد اشارت عديد الدراسات إلى أن تكلفة الجائحة لن تقتصر على أهميتها على مجال الصحة بل ستكون كذلك لها انعكاسات كبيرة على المجال الاقتصادي والمالي لبلادنا. فسنعرف -اهم نسبة انكماش في تاريخنا الحديث-. كما ان التوازنات الاقتصادية الكبرى ستعرف مستوى انخرام كبير قد يضع بلادنا على حافة الإفلاس.
تلتقي هده المسارات الاقتصادية والاجتماعية الأربع لتجعل من بلادنا تعيش أخطر وأصعب الازمات التي عرفتها في تاريخنا المعاصر.

• في أسباب هده الازمات:
ولقراءة هذه الازمات وقبل المرور الى سبل الخروج منها والاجابات الضرورية لابد من الوقوف على الأسباب العميقة والدور الدي لعبته في تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتحوله الى الأسوأ .
في رأيي تكمن الأسباب العميقة للازمات الاقتصادية والاجتماعية التي نعيشها في أربع مسائل أساسية:

• المسالة الأولى تخص الواقع السياسي والتشرذم الكبير الذي تعيشه بلادنا وصعوبة بناء توافق وتصورات سياسية واضحة المعالم. وتعود هده الخلافات السياسية الى مسالة أعمق من الصراعات بين الأحزاب والتي تمر بها بلادنا في السنوات الأخيرة وهي غياب الرؤيا الجامعة لكل التونسيين .ولئن كانت الحداثة والتحديث هي الرؤيا التي شكلت الجامع لكل التونسيين فقد غاب اليوم هذا الإطار ليصبح التونسيون في تردد بين رؤى وتصورات مختلفة.

• المسألة الثانية هي ترهل مؤسسات الدولة والتراجع الرهيب في قدرتها على الاستشراف وقراءة المستقبل وضبط الرؤى والبرامج المستقبلية الكبرى.

• المسألة الثالثة تهم القطيعة الحاصلة بين التفكير والبحث وصياغة السياسات العمومية. فقد وقع تهميش المؤسسات البحثية الوطنية في هذا المسار وتراجع دورها الدي كان يمكن أن يكون استراتيجيا في صياغة اختياراتنا وتوجهاتنا الكبرى .

• المسألة الرابعة تخص التدخل الكبير والمتزايد للمؤسسات الدولية في ضبط الأولويات والتصورات الاقتصادية.
لعبت هده المعوقات الأربع دورا كبيرا في تعميق الازمات الاقتصادية ولاجتماعية وفي عجزنا على رسم السياسات الضرورية للخروج منها.

• إعادة بناء العقد الاجتماعي للخروج من هذه الازمات:
كما أشرنا في عديد المناسبات فإن الخروج من هذه الازمات وفتح مجال جديد لتجربتنا السياسية يتطلب منا إعادة بناء العقد الاجتماعي الدي انفرطت حباته منذ سنوات.
وفي رأيي فإن عملية إعادة البناء تتطلب الانطلاق في وضع خطة شاملة على مستويين.
المستوى الأول مرحلي ويهدف الى إعادة بناء التوازنات الكبرى ودفع النمو والاستثمار.

اما المستوى الثاني لهذه الخطة فهو طويل المدى ويهم التحولات الكبرى والتغييرات الجوهرية التي يجب القيام بها من اجل بناء نظام اقتصادي جديد.
نعيش جملة من التحديات الكبرى إثر عشر سنوات من الثورة. والى جانب الأزمات السياسية فان تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية يشكل جزءا مهما وجانبا كبيرا لهذه الازمات. وهذا الوضع المتأزم يتطلب منا بداية الصياغة لمشروع جمعي جديد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115