اقتصاد الفوضى العالمية ومأزق الديمقراطية

" لم يعد الاقتصاد مجرد مجال للتبادل وتحقيق

المصالح المشتركة، بل أصبح أداةللسيطرة والنفوذ في عالم تتراجع فيه قواعد التعاون أمام منطق القوة".

Jean Tirole et Karine VD Straeten (Economie du désordremondial)

في كتابهما الجديد "اقتصاد الفوضى العالمية"، يرصد الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، جان تيرول، وكارين فان دير سترايتن، مديرة الأبحاث الاقتصادية الفرنسية، تحوّلا عميقا في طبيعة النظام الدولي: فالعولمة التي وسّعت، على مدى عقود، التجارة والاعتماد المتبادل بين الدول، لم تعد تضمن التقارب والتعاون، بل باتت تكشف أيضاعن مواطن التبعية ومصادر النفوذ ومخاطر الارتهان. صحيح ان العلاقات الاقتصادية لم تكن يوما منفصلة عن صراعات القوة، غير أن التحوّل الراهن يكمن في أن الاقتصاد لم يعد مجرد مجال تتنافس فيه الدول على الأسواق والثروات، بل أصبح سلاحا في صراعاتها الاستراتيجية: فالتجارة والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالمية تُستخدم بصورة متزايدة للضغط والإكراه، وفرض المصالح، والحدّ من قدرة الخصوم على المناورة. وبذلك، لم تعد الجغرافيا السياسية تكتفي بالتأثير في القرارات الاقتصادية، بل باتت تعيد رسم قواعدها وأولوياتها، في عالم تتراجع فيه الثقة بالتعاون الدولي، وتتقدم فيه اعتبارات الأمن والنفوذ على منطق المصالح الاقتصادية المشتركة.

ديبلوماسية الصفقات:

وتبرز في هذا التحول ظاهرة يمكن تسميتها "دبلوماسية الصفقات"، التي جسّدها دونالد ترامب بقوّة. فوفقا للكتاب، اتجهت الدبلوماسية الأمريكية في عهده نحو "منطق صفقاتي"، تُدار فيه العلاقات الدولية باعتبارها سلسلة من المساومات، ويُقاس النجاح فيها بالمكاسب المباشرة التي يحققها كل طرف، لا بقدرتها على بناء تحالفات مستدامة أو ترسيخ قواعد مشتركة. وضمن هذا المنطق، تتقدم المصالح الآنية على الالتزامات طويلة الأمد، وتصبح القوة التفاوضية، ولا سيما قدرة الطرف الأقوى على فرض شروطه، عاملا حاسما في تحديد نتائج التفاوض. ولا يقتصر هذا التحول على أسلوب ترامب الشخصي، بل يعكس ميلا أوسع إلى إخضاع العلاقات الدولية لحسابات الربح والخسارة المباشرة، على حساب الثقة المتبادلة واستقرار المؤسسات متعددة الأطراف.

أما الظاهرة الثانية، فتتمثل في تغيّر قواعد العولمة نفسها:فقداعتمدت، من قبل الشركات على إنتاج السلع في بلدان مختلفة بحثاعن أقل التكاليف وأعلى الأرباح. وقد ساهم هذا النموذج في تحسين الإنتاج وخفض الأسعار، لكنه جعل دولا كثيرة تعتمد على الخارج في توفير مواد أساسية، وأحيانا على عدد محدود من البلدان والمورّدة.

وكشفت الحروب والتوترات في العلاقات الدولية أن الاعتماد على الخارج، رغم ما يوفّره من خفض للتكاليف، قد يتحول إلى مصدر للمخاطر عندما تتغير الظروف. فالدولة التي تعتمد على بلدان أخرى لتوفير الطاقة أو المواد الأولية أو المكوّنات الضرورية لصناعتها، قد تجد نفسها عاجزة عن مواصلة الإنتاج إذا تعطّلت الإمدادات بسبب حرب أو خلافات سياسية. ولا تقف المخاطر عند هذا الحد، إذ يمكن للدول التي تسيطر على موارد أساسية أن تستخدمها للضغط على دول أخرى أو لانتزاع تنازلات منها. وبذلك، لم تعد التبعية الاقتصادية مجرد مسألة تجارية، بل أصبحت أيضا مصدر ضعف يمكن استغلاله في الصراعات الدولية.

لهذا، لم تعد الشركات والدول تبحث عن أقل كلفة فحسب، بل أصبحت تهتم أيضا بضمان استمرار الإمدادات، وتنويع مصادرها، وتقليل اعتمادها على الخارج، حتى لو تطلّب ذلك نفقات إضافية. وهكذا، لم تعد العولمة تقوم على منطق الربح والكفاءة وحدهما، بل باتت تخضع أيضا لاعتبارات الأمن الاقتصادي، والحدّ من التبعية، والصراع على النفوذ والقوة.

وهذا التحول يعيد تعريف مفهوم الكفاءة الاقتصادية نفسه: فالتجارة لم تعد منفصلة عن الأمن، والطاقة لم تعد مجرد سلعة، والتكنولوجيا لم تعد قطاعا اقتصاديا فحسب، والتمويل لم يعد بمنأى عن التوترات الجيوسياسية، وحتى سلاسل التوريد أصبحت جزءا من حسابات القوة بين الدول. ولذلك لم يعد معيار الكفاءة الاقتصادية وحده كافيا، فقد أصبحت الدول تبحث، إلى جانب خفض الكلفة، عن القدرة على الصمود وتقليص التبعيات الاستراتيجية وتنويع مصادرها وشركائها.

العولمة تدخل مرحلة جديدة:

ولا يعني ذلك نهاية العولمة بقدر ما يعني انتقالها إلى مرحلة أكثر تجزؤا وانتقائية. فقد رأى الباحثان ان"الدول اتجهت، بصورة متزايدة، إلى تجاوز التعدد في المعاملات من خلال إبرام اتفاقات تفضيلية، ثنائية أو إقليمية أو متعددة الأطراف، تُحرّر المبادلات التجارية بين عدد محدد من الشركاء دون غيرهم، بما ينطوي على خطر تفتيت الفضاء التجاري العالمي". وهكذا، لا تختفي العولمة، لكنها تفقد تدريجيا طابعها الكوني الموحد، لتحل محلها شبكة أكثر تعقيدا من التكتلات والاتفاقات، تحكمها بصورة متزايدة اعتبارات الأمن والقوة والنفوذ.

ازمة الدول الأوروبية:

ويوجّه الكتاب، في جانب أساسي منه، تحذيره إلى أوروبا، التي تواجه عالما تتغير فيه قواعد القوة الاقتصادية والجيوسياسية من حولها. غير أن التحدي الأوروبي لا يقتصر على الحفاظ على الموقع الاقتصادي والاستراتيجي في مواجهة الولايات المتحدة والصين، بل يمتد إلى الداخل، حيث تتزايد مظاهر القلق الاجتماعي والاستياء السياسي، وتعبّر الاحتجاجات عن صعوبات متنامية في الحياة اليومية، من غلاء المعيشة وأزمة السكن إلى تراجع القدرة الشرائية والضغط على الخدمات العامة، فضلا عن مخاوف الشباب بشأنالمستقبل.

ولا تقتصر آثار الفوضى التي يشهدها الاقتصاد العالمي، كما يوضح الكتاب، على العلاقات بين الدول، بل تمتد إلى حياة المواطنين داخل مجتمعاتهم. فالتوترات الدولية واضطراب التجارة وتقلبات أسعار الطاقة تزيد الضغوط على الاقتصاديات، لكن تأثيرها في المواطنين يتوقف أيضا على كيفية تعامل الحكومات معها، وعلى مدى قدرتها على حماية الفئات الأكثر تضررا. لذلك، لا يمكن فهم الاحتجاجات التي تشهدها أوروبا اليوم باعتبارها مجرد رد فعل على غلاء تكلفة التعليم و المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، بل ينبغي ربطها أيضابشعور متزايد لدى المواطنين بأنهم يتحملون كلفة الأزمات، في وقت لا تستجيب فيه المؤسسات بما يكفي لمخاوفهم وانتظاراتهم.

اختبار الديمقراطية:

وعندما تتسع الفجوة بين القرارات الاقتصادية وما ينتظره الناس من عدالة وأمان وفرص للمستقبل، تتحول الضغوط المعيشية إلى أزمة ثقة سياسية، تجد الشعبوية في ظلها فرصة لاستثمار الغضب وتوجيهه نحو خصوم أو فئات مستهدفة، بدل مساءلة الخيارات والسياسات التي أسهمت في إنتاج الأزمة. وهكذا، يكشف الكتاب، من زاوية أوسع، أن عودة منطق القوة إلى الاقتصاد العالمي لا تطرح تحديات تتعلق بموازين النفوذ بين الدول فحسب، بل تضع الديمقراطيات نفسها أمام اختبار قدرتها على حماية مجتمعاتها والحفاظ على الثقة بمؤسساتها.

من هنا، لا يقتصر التحدي الذي تواجهه أوروبا على حماية مصالحها الاقتصادية في مواجهة المنافسة الدولية، بل يشمل أيضا الحفاظ على التماسك الاجتماعي واستعادة ثقة المواطنين بمؤسساتهم. وبديهي ان الديمقراطية لا تقوم على الانتخابات والحريات السياسية وحدها، بل تتطلب أيضاسياسات تستجيب للحاجات الاجتماعية وتضمن للمواطنين قدرا من الأمان والكرامة. وعندما تعجز المؤسسات عن تلبية هذه الانتظارات، تتسع الفجوة بينها وبين المواطنين، ويصبح الدفاع عن الديمقراطية أكثر صعوبة، حتى في البلدان التي تمتلك تقاليد ديمقراطية راسخة.

وماذا عن الدول العربية؟

وإذا كانت أوروبا تواجه هذه التحديات في ظل مؤسسات ديمقراطية راسخة، فإنها تكتسب في المجتمعات العربية أبعادا أكثر تعقيدا واشد وطاءة، فمجتمعاتنا تواجه بدورها تداعيات اضطراب الاقتصاد العالمي، من التبعية وهشاشة البنية الاقتصادية إلى ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع الخدمات العامة وتقلّص فرص العمل، وهي تواجه هذه الضغوط في ظل مؤسسات ضعيفة، ومجال سياسي محدود، وآليات للمساءلة والمشاركة تكاد تكون غائبة. وهو ما يجعل قدرتها على مواجهة الأزمات أقل ارتباطابمواردها المتاحة وحدها، وأكثر ارتباطا بطبيعة أنظمة الحكم وكيفية إدارة الشأن العام.

كلفة الاستبداد:

هنا تتضح الكلفة الاقتصادية للاستبداد، التي لا تقتصر على سوء إدارة الموارد، بل تشمل أيضاارتهان الآليات التي تسمح بتصحيح الأخطاء ومحاسبة المسؤولين عنها. فحين تحتكر السلطة القرار، وتُضعف المؤسسات الرقابية، وتقيّد حرية النقاش والمشاركة والحق في الاحتجاج، تتراجع إمكانية إخضاع السياسات العامة للنقد والمراجعة والتصحيح، وتصبح حماية السلطة من المساءلة أهمّ من تصحيح السياسات الفاشلة، حتى لو كان الثمن تعميق الأزمة وتحميل المجتمع كلفتها.

. وفي غياب المساءلة، تتسع فرص الفساد والمحسوبية، ويختل توجيه الموارد، وتتراجع قدرة الدولة على الاستفادة من كفاءات المجتمع ومبادراته، فيما تتحمل الفئات الأضعف قسطا أكبر من كلفة الخيارات الخاطئة. وتزداد خطورة هذا المسار عندما تتحول الأزمات إلى ذريعة لمزيد من تركيز السلطة، بدلا من أن تكون مناسبة لمراجعة السياسات ومحاسبة المسؤولين عنها. فالاستبداد لا يحرم المجتمع من حقه في المشاركة في تقرير مصيره فحسب، بل يحرمه أيضا من أدوات أساسية لحماية موارده، وتصحيح أخطائه، وبناء اقتصاد قادر على الصمود. بذلك، يصبح الاستبداد جزءا من المشكلة الاقتصادية نفسها، لا مجرد عائق سياسي منفصل عنها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115