السلطة للمجتمع فرصة لفهم "ما الذي يحدث لنا؟"،وتدفعه بالقوة نحو تفسير مخادع: "من يتآمر علينا؟" وقديبدو هذا التفسير للوهلة الأولى، مشروعا، خصوصا في مجتمعٍ اعتاد أن يحمّل "القوى الخارجية" مسؤولية إخفاقاته، وأن يجد في المؤامرة تفسيرا جاهزا يعفيه من مواجهة أسباب فشله ومساءلة من يحكمه، لكنهاتظل ّ مغالطة خطيرة، لأنها تنقل النقاش من تشخيص الواقع بدقة ووضوح إلى اختراع عدوّ يُحمَّل وزر كل ما يحدث. وهنا تتحول المؤامرة من تفسير محتمل للواقع إلى بديل عن الفعل السياسي، ومن أداة للتعبئة إلى وسيلة لإعفاء السلطة من مسؤولية الفشل.
وهذا الامر ليس تفصيلا عابرا في الخطاب الشعبوي، بل آلية من آلياته الأساسية: استثمار حالة الاحتقان وتغذية الغضب، وتحميل الآخرين مسؤولية الأوضاع القائمة، دون أن تستلزم هذه التعبئة بالضرورة امتلاك مشروع للحكم أو تصور واضح لكيفية إدارة الدولة.وهكذا يُختزل الواقع في مواجهة ثنائية بينشعب بريء وصادق يريد الأفضل، وأطراف تُصوَّر باعتبارها مسؤولة عن حرمانه منه.
لكن المعادلة تتغيّر حين تنتقل الشعبوية من تعبئة الغضب إلى الانفراد بالسلطة.فما يصلح لحشد الاحتجاج لا يكفي لحكم الدولة،وحين تكون في موقع المعارضة، يمكنك أن تجعل من فشل الآخرين مصدرا لشرعية خطابك، أما حين تصل إلى السلطة، فلا يمكنك أن تواصل الحكم بالمنطق نفسه، وأن تجعل من أخطاء الآخرين تفسيرا دائما لعجزك. عندها لا يعود المطلوب تفسير الإخفاق، بل منعه،ولا يكون الحل في البحث عن كبش فداء، بل في معالجة أسبابه وتقديم البدائل. فالمعيار الحقيقي للسلطة ليس قدرتها على تفسير الفشل، بل قدرتها على تجاوزه وتحمل مسؤولية نتائجه.
وهنا يبدأ الواقع في اختبار الخطاب:فمع تراكم الإخفاقات والقرارات الخاطئة، يتسع الفارق بين ما تعد به السلطة وما يعيشه الناس، ويصبح الخطاب التآمري أقل قدرة على إقناعهم بأن كل إخفاق سببه متآمرون. فالواقع اليومي، حين يثقل على الناس، يصبح أكثر إقناعا من كل الروايات.
لكن الأخطر أن الإصرار على الرواية التآمرية، رغم اصطدامها بالواقع، يقود إلى انفصال متزايد بين الخطاب والواقع. فحين تنفصل السلطة عن الواقع، لا تعود تراه كما هو، بل كما تصفه الرواية التي صنعتها عنه،وعندها يختلّ التشخيص، ويصبح العجز عن فهم أسباب الأزمة جزءا من العجز عن معالجتها، وبديهي ان ما يُشخَّص خطأً، لا يمكن إصلاحه.
اختبار الشعبوية
لفهم هذه المفارقة، لا بد من التوقف عند طبيعة الشعبوية نفسها. فهي، كما يوضح يان-فيرنر مولر،أستاذ العلوم السياسية الألماني ، تقوم على تصور "شعب حقيقي" ومتجانسيمثله القائد الشعبوي ويختزل همومه ومطالبه وطموحاته، في مقابل نخب فاسدة تسعى لضربإرادته، ومن هنا، لا يعود الخصم السياسي مجرد منافس في إطار فكري وسياسي تعددي، بل يتحول إلى عدوّ للشعب ، وهذه الثنائية تفسر لماذا تجد الشعبوية في نظرية المؤامرة حليفا مثاليا: فإذا كان الشعب بريئا، وكان الخطاب الشعبوي يدّعي تجسيد إرادته، فإن الفشل لا يمكن أن يُنسب بسهولة إلى خطأ في الرؤية أو سوء تقدير في القرار، بل لا بد أن تكون هناك قوة خفية تقف وراءه.وهكذا تحمي المؤامرة الرواية الشعبوية من اختبار الواقع: كلما تأخرت النتائج، ظهر عدو جديد، وكلما تعقدت الأزمة، احتاج الخطاب إلى مؤامرة أكبر...
لكن الاختبار الحقيقي للشعبوية يبدأ عندما تصبح مطالبة بالحكم لا بمجرد التعبئة.فعندما تنتقل من موقع الاحتجاج إلى موقع اتخاذ القرار، ومن تقاسم السلطة إلى الانفراد بها، تدخل منطقة مختلفة تماما: هنا لم يعد يكفي أن تحدد من أفسد الماضي، بل يصبح عليها أن تثبت ماذا تستطيع أن تفعل الآن لإصلاح الواقع،عندها تتحول الوعود إلى سياسات، والشعارات إلى قرارات، والخصومة إلى مسؤولية. وتظهر الدولة بتعقيداتها، ومؤسساتها، ومواردها المحدودة، ومشكلاتها المتراكمة. وهنا تحديدا يتبين ما إذا كانت الشعبوية تملك مشروعا فعليا لإدارة الواقع وتغييره، أم أنها لم تكن تملك سوى قدرة أكبر على تفسيره، وتعبئة الغضب حوله، وإقناع الناس بأنها تملك مفاتيح تغييره.
وحين تتعثر النتائج، يصبح اللجوء إلى المؤامرة مغريا، خصوصا حين تعجز السلطة عن تقديم تفسير مقنع لإخفاقاتها أو عن طرح حلول لمشكلاتها. إذا تحسنت الأوضاع، قُدّم ذلك بوصفه انتصارا على المتآمرين، وإذا تدهورت، قيل إن المؤامرة كانت أقوى مما كان متوقعا. وإذا خرج المواطنون للاحتجاج، اتُّهموا بالتحريض، وإذا انتقد الإعلام، أصبحهو جزءا من المؤامرة، وإذا اعترض زعيم سياسي، نُسب اعتراضه إلى أجندات خارجية. وهكذا تتحول المؤامرة إلى تفسير مغلق على نفسه: يصعب دحضه، لأن كل واقعة، مهما كانت طبيعتها، يُعاد تأويلها لتصبح دليلا جديدًا عليه.
وهنا تكمن خطورتها السياسية: فهي لا تفسّر الواقع بقدر ما تعيد صياغته بما يحمي السلطة من مساءلة نتائج سياساتها. فبدلا من أن يكون السؤال: لماذا فشلت هذه السياسات؟ وما الذي ينبغي تغييره؟يصبح السؤال: من يقف وراء الفشل؟ ومع كل إخفاق، يظهر عدو جديد، ومع كل أزمة تفسير جديد للمؤامرة. وعند هذه النقطة، لا تعود المؤامرة مجرد خطاب لتفسير الواقع، بل تصبح وسيلة لتعويض غياب الحلول، وتأجيل المساءلة، وإعفاء السلطة من مسؤولية القرارات والنتائج.
لماذا تجد المؤامرة بعض التصديق؟
لكن لماذا يصدق الناس هذه الروايات؟ ليس لأنهم يفتقرون إلى الوعي أو لأنهم ساذجون.فالتفكير التآمري يجد أرضية خصبة في أزمنة الأزمات، حين يتزايد الخوف من الحاضر والمستقبل، ويسود عدم اليقين، ويتراجع الشعور بالقدرة على التحكم في المصير، وتضعف الثقة في المؤسسات والنخب.
وهنا تمنحنا المؤامرة شيئا يتجاوز التفسير: تمنحنا مخرجا مريحا من الإحساس بالعجز والفشل:لسنا عاجزين لأننا أخطأنا في الاختيار أو أخفقنا في إدارة واقعنا، ولسنا مسؤولين عن النتائج لأن هناك من يستهدفنا ويعرقلنا، وهكذا يتحول الإحباط من شعور بالعجز إلى يقين بأن هناك من يتعمد إضعافنا، ويتحول الغضب من مساءلة أسباب الفشل إلى البحث عن عدو يُحمَّل كلّ مسؤوليته.ولهذا لا يكفي تفنيد رواية المؤامرة بالحجج وحدها، لأن قوتها تأتي من قدرتها على منح الناس تفسيرا لمخاوفهم ومخرجا من شعورهم بالعجز.
المطلوب إذن أن نأخذ الغضب على محمل الجد، لا أن ننكره أو نسخر منه، بل أن نفهم مصادره ونمنحه مسارا سياسيا ومدنيا يحوّله من غضب يبحث عن عدو إلى وعي يحدد المسؤوليات ويفهم الأسباب ويبحث عن الحلول. وحين يغيب هذا المسار، تتحول المؤامرة من احتمال يحتاج إلى دليل إلى تفسير دائم للواقع، يُنسب إليه الفشل بدل مساءلة السياسات وأصحاب القرار:لا يعود السؤال لماذا أخفقت السياسة، بل من أفشلها، ولا تُقاس القرارات بنتائجها، بل بنوايا خصومها. وتتحول المعارضة من جزء طبيعي من الديمقراطية إلى عائق أمام "إرادة الشعب"وهنا تبلغ الشعبوية مفارقتها الكبرى: تبدأ بادعاء احتكار تمثيل الشعب، وتنتهي بإقصاء كل من يختلف معها، وإضعاف السياسة التي تجعل من الشعب، بكل مكوناته، شريكا مركزيا في الحكم، لا مجرد جمهور للتعبئة والتصفيق.
إعادة الاعتبار إلى السياسة
لكن الشعبوية، مهما بلغت قدرتها على التعبئة وصناعة الروايات، تصطدم في النهاية بما لا تستطيع الرواية تغييره: الواقع. فالأزمات لا تُحلّ بإعادة تفسيرها،وحاجات الناس لا تُلبّى بصناعة الأعداء، والوعود لا تصمد طويلا أمام نتائج السياسات.
عند هذه النقطة تصبح إعادة الاعتبار إلى السياسة ضرورة، أي استعادة القدرة على تشخيص المشكلات، وصياغة البدائل، واتخاذ القرارات، وتحمل نتائجها.فما يصلح لحشد الغضب لا يكفي لإدارة الدولة، وما يكفي لتفسير الفشل لا يكفي لصنع الحلول. وحين تستعيد السياسة هذه الوظيفة، يعود السؤال من جديد إلى جوهره: "ما الذي يحدث تحديدا؟ ولماذا يحدث؟ وكيف يمكن معالجته؟"
ولا تعني استعادة السياسة العودة إلى الممارسات التي أفقدتها جزءا من ثقة الناس. فقد أخطأت القوى السياسية، وفشلت في فهم غضبهم أو تقديم حلول ملموسة لقضاياهم الحيوية، وانشغلت بالصراع الأيديولوجي والسياسي على حساب بناء الثقة...لكن علاج ذلك لا يكون بإلغاء السياسة، بل بممارسة سياسة أفضل:سياسة تراجع نفسها، وتجدد رؤيتها وأدواتها، وتحول وعودها إلى حلول قابلة للتنفيذ، وتقبل النقد والمساءلة عن نتائجها.
التعايش واستعادة الديمقراطية
لكن السياسة لا تستقيم من دون قواعد تنظّم الاختلاف وتحول دون تحوله إلى صراع على الوجود. ففي المجتمع المتعدد، لا يمكن لأي طرف أن يدّعي امتلاك الحقيقة أو احتكار تمثيل الشعب، ولا يمكن أن يصبح الخصم السياسي عدواللدولة أو الشعب.والخروج من الشعبوية لا يعني استبدال زعيم بزعيم، ولا شعبويةباخرى، بل استعادة سياسة تقبل التعدد، وتدير الاختلاف، وتجعل التنافس وسيلة لاختيار البدائل لا لإقصاء المختلفين.
وهذا يبدأ، في تونس، بالاعتراف بأننا مجتمع متعدد، لا كتلة سياسية واحدة لها إرادة واحدة ومصلحة واحدة.فاختلاف المصالح والآراء والرؤى ليس انقساما يجب القضاء عليه، ولا تهديدالوحدة الدولة يجب قمعه، بل حقيقة طبيعية في أي مجتمع حي، والديمقراطية هي الإطار الذي يجعل هذا الاختلاف قابلا للإدارة والتعايش.
ومن هنا، نحن بحاجة إلى فضاء سياسي يسمح بالاختلاف من دون تخوين، والتنافس من دون إقصاء، والمعارضة من دون تجريم، وإلى مؤسسات تضمن أن يكون تداول السلطة ممكنا، وأن تُحسم الخلافات السياسية عبر الاختيار الشعبي والقواعد الديمقراطية، لا بمنطق الغلبة والمخاتلة ومحاولة احتكار الحقيقة.
فالديمقراطية لا تُصلح أخطاء السياسة بإلغاء السياسة، ولا تعالج فشل الأحزاب بمنعها، بل تتيح للناس أن يختاروا بينها، وأن يحاسبوها، وأن يستبدلوها حين تفشل،والمؤسسات هي التي تجعل هذا التداول ممكنا وسلميا.
وهكذا فان الخروج من نفقالشعبوية لا يكون بالبحث عن عدو جديد، ولا بإعادة إنتاج المنطق نفسه بوجه مختلف، بل ببناء سياسة تعترف بتعقيد الواقع، وتحترم تعدد المجتمع، وتقبل الاختلاف، وتخضع السلطة للمساءلة،عندها يصبح الاختلاف جزءا من الحياة السياسية لا تهديدا لها، وتصبح معارضة الحاكم حقّا مشروعا لا مؤامرة، ويصبح الفشل مسؤولية تُحاسَب عليها السلطة، لا ذريعة تُبرّر بها إخفاقاتها.