لا يواجه تغييرا مفاجئا يدفعه إلى القفز والهروب، بل تتغير الحرارة من حوله تدريجيا، درجة بعد أخرى. يأتي كل تغيير صغير بما يكفي ليبدو محتملا، فيتكيّف معه، ثم مع الذي يليه، إلى أن يصبح ما كان سيبدو خطرا لو حدث دفعة واحدة أمرا يمكن تحمّله. قد تكون هذه مجرد استعارة، لكنها تضع أمامنا سؤالا بالغ الخطورة: ماذا يحدث عندما تتعوّد الشعوب على التنازل إلى درجة يصبح فيها الحرمان مألوفا، والحق الأساسي امتيازا؟
فنحن لا نفقد حقوقنا وحرياتنا دائما في لحظة واحدة، ولا تأتي التراجعات بالضرورة في صورة صادمة تستدعي الرفض الجماعي، أحيانا تبدأ بخطوة صغيرة، بإجراء يُقدَّم باعتباره "استثنائيا" أو "مؤقتا" أو "ضروريا". ثم تأتي خطوة أخرى تجد هي أيضا "مبرراتها"، وبعدها ثالثة تبدو أقل غرابة لأننا اعتدنا ما سبقها. وهكذا لا يحدث التحول الكبير في لحظة واحدة، بل يتسلل إلينا تدريجيا. نقبل انتقاصا، ثم نتعايش مع تضييق، ثم نصمت عن تراجع آخر، وما كان يثير غضبنا بالأمس يصبح اليوم قابلا للاحتمال، وما كان استثناء يصبح مألوفا، وما كنا نعتبره بالأمس خطًا أحمر يصبح اليوم أمرا عاديا نتعايش معه.
حين يتغير معيار المقبول:
وهنا تكمن خطورة التراجع التدريجي: فالإيجابي في الصدمة انها توقظ الإحساس بالخطر، أما التغيير البطيء فيمنحنا الوقت للتكيف معه. لكن الأخطر أن الذي يتغير ليس الواقع وحده، وإنما معيارنا للحكم عليه أيضا. عندما تضيق مساحة الحرية، قد نقول إن الظروف لا تسمح بأكثر من ذلك. وعندما تُقيَّد بعض الحقوق، نعتبر الأمر إجراء استثنائيا مؤقتا تفرضه الضرورات. وعندما تُضعف المؤسسات المستقلة التي يفترض أن تضمن التوازن والرقابة، قد نبرر ذلك بالحاجة إلى الاستقرار أو درء الفوضى. وفي كل مرة نؤجل الاعتراض إلى وقت آخر، ونقنع أنفسنا بأن التراجع مؤقت، وأن الأمور ستعود إلى طبيعتها.
لكن ما لا ننتبه إليه غالبا هو أن "طبيعتنا" نفسها تبدأ في التغيّر، فنحن لا نعود نقارن اوضاعنا بما كنا عليه، بل بما نخشى أن نصبح عليه: وهكذا ينخفض، خطوة بعد خطوة، سقف ما نعتبره مقبولا، ويتحول التراجع من شيء نرفضه إلى شيء نتساءل فقط عن حدود قدرتنا على احتماله، بعد ذلك، لا يعود السؤال: لماذا حدث هذا التراجع؟ بل: إلى أي حد يمكن أن نتراجع دون أن ننفجر؟ وهنا يبدأ الاستثناء في فقدان صفته الاستثنائية: يطول أمده، يصبح مألوفا، ثم يتحول إلى قاعدة. وعندها لا يعود السؤال: متى ينتهي هذا الاستثناء؟ بل يصبح السؤال الأخطر: كيف نتعايش معه؟ عند هذه النقطة لا تكون السلطة، اية سلطة، قد فرضت تراجعا فحسب، بل تكون قد غيّرت قواعد اللعبة نفسها: فما كان يحتاج إلى تبرير بالأمس قد يصبح اليوم أمرا مفروغا منه، وما كان يثير الرفض لم يعد يستدعي الدرجة نفسها من الاحتجاج. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين يصبح المجتمع أقل استعدادا لمقاومة ما كان يرفضه، تصبح مهمة السلطة في فرض المزيد من التراجع أسهل اذ ان المشكلة لم تعد في التغيير الذي يحدث من حولنا فقط، بل في أن قدرتنا على رفضه بدأت تآكلت.
من الحقوق إلى الامتيازات:
وهذه الآلية لا تقتصر على الحريات السياسية، بل تمتد إلى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وإلى أساسيات الحياة نفسها. تتراجع جودة التعليم والصحة، ويصبح الحصول على العمل والغذاء والدواء والطاقة والماء أكثر صعوبة، وفي كل مرة يقع البحث عن كبش فداء يتحملمسؤولية الإخفاق او يُطلب من الناس أن يتعاملوا مع هذا التراجع باعتباره نتيجة طبيعية للظروف أو كلفة لا بد من تحملها، وبما ان يحدث الحرمان دفعة واحدة، فكل تراجع منفرد قد يبدو محدودا وقابلا للتحمل، وكل تنازل قد يُقدَّم باعتباره مؤقتا. لكن التنازلات تتراكم، ومعها يتراكم الاعتياد.
وقد نصل، من حيث لا نشعر، إلى لحظة يصبح فيها الحد الأدنى من الحقوق والكرامة والعيش الكريم امتيازا يُطلب منا أن نكون ممتنين للحصول عليه. وهنا لا نفقد بعض مكتسباتنا فحسب، بل نفقد شيئا أعمق: الإحساس بأن هذه المكتسبات كانت حقّا لنا وليست منّة من أحد. وهذا ربما هو أخطر ما في التراجع: أن الإنسان قد يفقد حقه، ثم يفقد بعد ذلك إحساسه بأنه فقده.
حين يصبح التراجع ثقافة:
فالإنسان الذي اعتاد قدرا معيّنا من التضييق يصبح أقل حساسية عندما يزداد التضييق درجة أخرى، والمجتمع الذي اعتاد تراجع هامش الحرية قد لا ينتبه إلى أن هذا الهامش يواصل الانكماش. ومع الوقت قد ينقلب معيار الحكم نفسه، يصبح الدفاع عن الحرية الكاملة مثالية غير واقعية، بينما يصبح القبول بما تبقى منها نوعا من "الواقعية". يصبح المطلوب ليس استعادة الحقوق وتوسيعها، بل الحفاظ على ما تبقى منها. وهنا تبدأ أخطر مراحل التراجع: حين يتحول المجتمع من مقاومة الانتهاك إلى التفاوض مع الانتهاك.
ولعل هذا ما يجعل مقولة بنجامين فرانكلين شديدة الصلة بهذه الفكرة: "من يتخلى عن الحرية الأساسية من أجل قليل من الأمان المؤقت لا يستحق الحرية ولا الأمان". فالمشكلة ليست في التنازل الأول وحده، بل في المنطق الذي يؤسسه. فما إن نقبل بالتنازل عن جزء من حريتنا باسم الأمن، يصبح من الأسهل تبرير التنازل عن جزء آخر باسم الاستقرار، ثم عن حق آخر باسم الظروف الاستثنائية. وهكذا، خطوة بعد أخرى، يتحول ما قُدّم باعتباره إجراء مؤقتا إلى واقع دائم، وما كان استثناء إلى قاعدة، وما كنا نرفضه بالأمس إلى أمر نتعايش معه اليوم.
مقاومة التراجع قبل أن يصبح قاعدة:
لهذا فإن مقاومة التراجع لا تبدأ عندما تضيع الحرية بالكامل، وإنما عند أول انتقاص منها. والمفروض الاّننتظر سقوط المكتسبات كلها حتى ندرك قيمتها، فالحق الذي ندافع عنه وهو مهدد أسهل بكثير من الحق الذي نحاول استعادته بعد أن نتكيف كلّنا مع غيابه. والمجتمعات الحية ليست تلك التي لا تواجه الأزمات والضغوط، وإنما تلك التي تحافظ، وسط الأزمات، على قدرتها على التمييز بين ما يمكن احتماله وما لا ينبغي قبوله، وبين التنازل الضروري والمؤقت وبين التراجع الذي يعيد تشكيل مستقبلها.
ومن هنا يعود السؤال إلى جوهره: متى يصبح التكيف مع الواقع شكلا من أشكال الاستسلام؟ ومتى يتحول الصبر على التراجع من موقف مؤقت إلى عادة، ثم إلى ثقافة؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب ليس فقط أن تُنتزع منه حريته، وإنما أن يصل إلى مرحلة لا يعود فيها يشعر بحجم ما فقده، لأن حدود ما يعتبره طبيعيا قد تغيرت.
ألّا نسمح للتراجع بأن يصبح قدرا:
وما خسرناه في السنوات الأخيرة في تونس ليس مجرد مؤسسات أو إجراءات ديمقراطية. لقد بدأنا نفقد، شيئا أعمق: مساحة الحرية التي تتيح لنا أن نختلف دون خوف، وأن ننتقد دون أن ندفع الثمن، وأن نحتكم إلى القانون بدل القوة، وأن نؤمن بأن السلطة، مهما بلغت، ليست فوق المجتمع ولا فوق المؤسسات. وربما لهذا تبدو الخسارة أكبر مما نتصور. فنحن لا نفتقد فقط ما كان قائما، بل بدأنا نعتاد غيابه. وما كان يحتاج إلى تبرير بالأمس قد لا يحتاج إلى تبرير اليوم، وما كان يثير الاحتجاج أصبح أمرا عاديا، وما كان يبدو مستحيلاأصبح احتمالًا واقعيا.
لكن القصة لم تنتهِ بعد. فالوعي بما خسرناه يمكن أن يكون بداية الدفاع عما تبقى واستعادة ما يمكن استعادته. والديمقراطية التي تراجعت ليست ذكرى بعيدة، والحقوق التي انتزعناها بنضالات طويلة ليست قدرا محتوما بأن تضيع. لقد ارتكبنا أخطاء جسيمة،ودفعنا ثمن حسابات خاطئة وانقسامات أضعفت قدرتنا على حماية ما تحقق. والاعتراف بذلك ضروري، لا من أجل جلد الذات، وإنما من أجل التعلم وعدم إعادة إنتاج الأسباب التي قادتنا إلى التراجع.
وربما هنا تكمن دلالة "ضفادع المختبر": ليست المشكلة في التراجع وحده، بل في قدرتنا على التكيف معه، وفي تحوّل التنازلات المتتالية إلى واقع يتآكل معه تدريجيًا استعدادنا للرفض. والأخطر أن هذا التراجع لم يبقَ محصورا في مجال الحقوق والحريات، كما ظن البعض في بدايته وقبل به، بل امتد إلى شروط الحياة نفسها،فأصبح تراجع الخدمات وتدهور التعليم والصحة العمومية وصعوبة الوصول إلى الماء والعمل والطاقة والعيش جزءا من مشهد تتسع فيه دائرة ما يُعتبر قابلا للتحمل.
لذلك، فالمسألة ليست فقط في ما انتُزع منا، بل في ما يحدث لوعينا حين نعتاد غيابه. فالتراجع يصبح أكثر خطورة عندما لا يعود يحتاج إلى فرضٍ مستمر، لأن المجتمع نفسه يكون قد بدأ في خفض سقف ما يطالب به وما يرفضه. عندها لا تعود الحدود التي تحكم حياتنا هي فقط تلك التي فرضتها السلطة، بل تلك التي قبلنا نحن بالتكيف معها. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتحول المفروض إلى مقبول، والمقبول إلى مألوف، والمألوف إلى ما نعتبره "طبيعيا".