درع واق من رصاص الاحتلال وغدره، بل غدت اليوم راية مضمخة بدماء الأحرار، وشاهدا حيا على عصر صهيوني يذبح فيه الشاهد لتموت الحقيقة. يوم السبت الماضي وفي اعتداء غادر ارتقى الصحفيين علي شعيب وفاطمة فتوني والمصور محمد فتوني، بصواريخ صهيونية حاقدة استهدفت موكبهم في "جزين"، محولة عدسات الكاميرا إلى شظايا تختزن في ذاكرتها المشهد الأخير... وجه القاتل الذي يخشى الكلمة.
برحيل علي شعيب، لا يفقد الجسم الصحفي مراسلا ميدانيا فحسب، بل يفقد "أيقونة" التصقت بحدود الجنوب وحروبه منذ ما قبل فجر التحرير عام 2000. لم يكن شعيب عابراً في المهنة، بل كان جزءا من تضاريس الأرض. هو الذي وثّق تهاوي بوابات الاحتلال في "القنطرة" و"القصير" بقضاء مرجعيون، وهو الذي حوّل كاميرته إلى "حارس حدود" يطارد الخروق الإسرائيلية على امتداد الخط الأزرق.
منذ عدوان 1993 و1996، وصولاً إلى حرب جويلية 2006 وحرب 2024، ظل شعيب يؤمن أن الكاميرا والكلمة الحرة لا تقلان أهمية عن السلاح. لذا، جاء اغتياله محاولة بائسة لمحو الحقيقة التي لم تنم لثلاثين عاماً، بينما قدمت الزميلة الصحفية فاطمة فتوني، ابنة "الطيبة" الصابرة وأخاها المصور محمد فتوني، دماءهم برهاناً على أن الكلمة في وجه الطغيان هي أسمى مراتب الوجود.
إن ما جرى في قضاء "جزين" هو إعدام ميداني لمواثيق الأمم المتحدة. إن استهداف موكب صحفي هو إعلان صهيوني صريح عن سقوط المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، وازدراء كامل للقرار الأممي 1738. إن الاحتلال الذي يحاول تبرير جريمته بادعاءات واهية، ينسى أن العالم رأى علي شعيب وفاطمة فتوني يحملان أدوات المهنة لا أدوات الحرب. فالمحتل الصهيوني بقدر ما يخشى سلاح المقاوم يخشى كذلك كاميرات "الصحفي"، لأن الرواية الصادقة هي التي تهدم قلاع زيفهم التاريخي.
إن دماء الصحفيين الزملاء في لبنان تصرخ اليوم في وجه الضمير العالمي . فالصمت الدولي ليس حياداً، بل هو تواطؤ يمنح القاتل رخصة لتمزيق أجساد الصحفيين. إننا أمام "نازية جديدة" لا تعترف بحدود أو قوانين، مما يفرض على المنظمات الدولية تحركا يتجاوز بيانات الإدانة الخجولة نحو محاسبة فعلية أمام محكمة الجنايات الدولية.
رحل علي شعيب، "أيقونة الإعلام المقاوم"، ورحلت فاطمة فتوني ومحمد فتوني كما رحل قبلهم قوافل من شهداء الصحافة في لبنان ، وستظل رسالة الوطن مغروسة كأرز الرب في قمم الجنوب. لن تنطفئ العدسة، ولن يجف القلم، فكلما سقط شهيد، ولد من دمه ألف شاهد يحمل الراية ويكمل الطريق نحو الحرية... حيث لا صوت يعلو فوق صوت الحقيقة.
للحديث بقية شهداء الصحافة في لبنان... واغتيال الحقيقة
- بقلم روعة قاسم
- 15:17 30/03/2026
- 24 عدد المشاهدات
لم تعد "السترة الصحفية" في جنوب لبنان مجرد