"الاحتواء الإداري" والسيادة المنقوصة عوائق المرور من "وقف إطلاق النار" إلى ''إدارة ما بعد الحرب''

يفتح إعلان المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط

ستيف ويتكوف، عن انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الباب أمام مرحلة شديدة التعقيد، لا تقل خطورة عن المرحلة العسكرية التي سبقتها. فبين تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية، وطرح مجلس سلام دولي، والحديث عن قوة استقرار دولية، تتقاطع رهانات السياسة مع اختلالات القوة، وتبرز أسئلة جوهرية حول النوايا، والقدرة على التنفيذ، وحدود السيادة الفلسطينية.

إن العبور نحو "المرحلة الثانية" لا يمثل نهاية الحرب بقدر ما يمثل تغييراً في أدواتها. فإذا كانت المرحلة الأولى قد استهدفت "تفكيك البنية التحتية"، فإن الثانية تستهدف "إعادة هندسة الواقع السياسي والاجتماعي" في غزة عبر آليات (مجلس السلام، اللجنة التكنوقراطية، قوة الاستقرار).
فالدخول إلى المرحلة الثانية لا يُقاس بإعلان سياسي أو بيان دبلوماسي، بل بقدرة الأطراف على تفكيك عقد القوة المتراكمة التي صنعت الحرب نفسها. ووفق المعطيات الراهنة، فإن هذه العقد لم تُفكّك، بل أُعيد ترتيبها بشكل أقل صخبًا وأكثر تعقيدًا.
أولاً إستراتيجية "الغموض الإنشائي" الإسرائيلية حيث تتبنى إسرائيل في هذه المرحلة ما يمكن تسميته بـ "الانسحاب الوهمي". فهي تسعى لتحقيق مكاسب مزدوجة: التخفف من الأعباء عبر التخلص من المسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه سكان القطاع كـ "قوة احتلال". والاحتفاظ بـ "الريموت كنترول": البقاء في نقاط خنق جغرافية (محاور الفصل والمعابر) لضمان أن أي "لجنة إدارية" لا يمكنها التنفس إلا بإذن أمني.
ثانياً "اللجنة التكنوقراطية".. بين التمكين البصري والتعطيل الهيكلي، حيث تُطرح اللجنة كحل سحري، لكن التحليل المعمق يكشف عن ألغام بنيوية:
فخ "البلديات الكبرى": هناك خشية من تحويل اللجنة إلى "مجلس بلدي موسع" يدير النفايات والمياه والرواتب، بينما يبقى القرار السياسي (الأمن، الحدود، العلاقات الخارجية) بيد القوى الدولية أو الاحتلال.
أزمة التمويل والارتهان: إذا كان تمويل إعادة الإعمار مرتبطاً بـ "سلوك" اللجنة، فإنها ستتحول إلى أداة لامتصاص الغضب الشعبي وتوجيهه نحو "الإدارة الفلسطينية" بدلاً من توجيهه نحو "الاحتلال".
ثالثاً مجلس السلام وقوة الاستقرار.. "خصخصة" الاحتلال: إذ تحاول المقاربة الأمريكية الحالية "دولنة" الأزمة (Internationalization) عبر:مجلس السلام: الذي قد يعمل كـ "مجلس وصاية" غير معلن، يمتلك فيتو على قرارات الفلسطينيين السيادية. والقوة الدولية: خطرها يكمن في تحولها من "حماية المدنيين" إلى "حماية الترتيبات الأمنية الإسرائيلية"، مما يضعها في مواجهة مباشرة مع الحاضنة الشعبية الفلسطينية.
رابعا عوائق العبور.. لماذا قد تفشل المرحلة الثانية: إن الانتقال يصطدم بثلاث فجوات لا يمكن تجسيرها بالوعود الشفهية:فجوة الجدول الزمني: غياب سقف زمني للانسحاب الكامل يحول "المرحلة الانتقالية" إلى "واقع دائم" . وفجوة العقاب والامتثال: عدم وجود آلية لفرض عقوبات على إسرائيل في حال خرق "وقف النار" أو الاستمرار في الاغتيالات، يجعل الاتفاق "طرفاً واحداً يلتزم والآخر يختار". وفجوة وحدة الأرض: الخطة بصيغتها الحالية تعزز "انفصال غزة" إدارياً، مما يوجه ضربة قاضية لمشروع الدولة الفلسطينية المتصلة.
السيناريوهات المتوقعة
سيناريو "الاستنزاف الإداري" وهو نجاح شكلي للمرحلة الثانية مع بقاء غزة في حالة "شلل تنموي" واعتماد كامل على المساعدات، مما يؤدي لانفجار داخلي لاحقاً. ثانيا سيناريو "الانهيار المبكر": اصطدام اللجنة التكنوقراطية بالواقع الميداني (رفض شعبي أو تدخل عسكري إسرائيلي) مما يعيد المشهد للمربع صفر. ثالثا سيناريو "الفرض القسري": نجاح القوى الدولية في فرض واقع جديد، لكنه واقع يفتقر للشرعية الوطنية، مما يحول غزة إلى "منطقة خضراء" كبرى محاطة بالأسلاك.
إن المرحلة الثانية ليست "جسرًا نحو السلام"، بل هي "مختبر لاختبار قدرة الفلسطينيين على القبول بأقل من السيادة". النجاح الحقيقي يتطلب قلب المعادلة: من "الأمن مقابل الغذاء" إلى "السيادة مقابل الاستقرار" .
أولًا: إسرائيل لم تحسم خيارها بين الانسحاب والهيمنة ، فرغم الضغوط الأمريكية، لا تزال إسرائيل تتعامل مع المرحلة الثانية بوصفها: أداة ابتزاز سياسي (ربط الانسحاب بتسليم الأسرى/الرفات)،ومساحة مناورة أمنية تتيح لها الاحتفاظ بالسيطرة على المفاتيح الجغرافية الحيوية (المعابر، المحاور، المجال الجوي والبحري).هذا يعني أن الانتقال لن يكون ''نقلة نوعية''، بل زحفًا بطيئًا مشروطًا، قابلًا للتعطيل في أي لحظة. غياب آلية إلزام دولية فنقطة الضعف القاتلة المرحلة الثانية تفتقر إلى:جدول زمني مُلزم، وآلية عقاب واضحة في حال الإخلال، وضامن دولي محايد يمتلك أدوات ضغط حقيقية على إسرائيل.في ظل هذا الفراغ، تتحول الخطة إلى إطار نوايا لا أكثر، ويصبح التنفيذ رهينة الإرادة الإسرائيلية والغطاء الأمريكي.
ثالثًا: اللجنة التكنوقراطية في قلب حقل ألغام فحتى لو شُكّلت اللجنة وبدأت عملها، فإنها ستواجه مأزق الشرعية وغياب التفويض الشعبي يجعلها عرضة للطعن من الشارع ومن قوى المقاومة.مأزق الصلاحيات ، فمن دون سيطرة على المعابر والموارد، ستُختزل إلى جهاز إداري لإدارة الفقر لا لبناء السيادة.
وهنا تكمن الخطورة في تحويل الفلسطيني من فاعل سياسي إلى متلقٍ للخدمات المشروطة. فالمرحلة الثانية، بصيغتها المطروحة، لا تستهدف حل جذور الصراع، بل:تحييد غزة أمنيًا، تفكيك بنيتها السياسية، وتحويلها إلى ملف إنساني طويل الأمد.هذا النموذج سبق اختباره في تجارب دولية أخرى، وكانت نتيجته دائمًا سلام هش قابل للانفجار.
الانتقال من المواجهة العسكرية إلى ''الإدارة الدولية'' لا يعني خفض منسوب الصراع، بل نقله إلى: صراع على الشرعية، صراع على الصلاحيات، وصراع على تعريف "اليوم التالي". وهذه صراعات بطيئة، لكنها عميقة، وقد تكون أكثر استنزافًا على المدى المتوسط.
بقلم: ماهر عبد القادر كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115