كرامة الماء والتشريع العمراني في تونس بين الإيكولوجيا الجذرية ومجتمع المخاطر

لا يمكن فهم الفيضانات والانهيارات العمرانية المتكررة

في المدن التونسية بوصفها حوادث طبيعية معزولة أو نتائج عرضية للتغير المناخي فحسب، بل يجب قراءتها كتعبير عن مشكل فلسفي وأخلاقي وقانوني في علاقة الإنسان بالماء. فالتعمير الحديث، المتأثر بالمدرسة الوظيفية الضيقة، لم يتعامل مع الماء ككائن حي داخل منظومة الحياة، بل كعدو يجب طرده أو كسائل تقني ينبغي حبسه في قنوات تحت الأرض. هذا التصور لم يجرّد الماء من أبعاده الإيكولوجية فحسب، بل سلبه أيضًا دلالاته الأنثروبولوجية والرمزية، وحوّله من كائن فاعل في تشكيل المكان والذاكرة إلى مجرد عائق أمام منطق الإسمنت والاستثمار.

إن المدينة الحديثة نزعت عن الماء حضوره الوجداني والثقافي، ففقد الإنسان علاقته العميقة ببيئته، وأصبح يعتدي على مجاري الأودية دون وعي بما يمكن تسميته «انتقام الطبيعة»، ليس بمعناه الأسطوري، بل باعتباره عودة القوانين الطبيعية التي تم قمعها. فالفيضانات التي عرفتها المرسى ونابل وغيرها ليست سوى تعبير عن هذا القمع المتراكم، حيث فُضّل البناء فوق الأودية، وتقدّمت الكتلة الإسمنتية على احترام البحر ومسافاته الطبيعية والقانونية، في انتهاك واضح لحقّ الماء في الجريان وحقّ البحر في الامتداد.
من الناحية السوسيولوجية، يمثل ردم الأودية والبناء فوقها شكلًا من «الأمنيزيا العمرانية»، أي فقدان الذاكرة المكانية التي كانت تشكّل أساس الحكمة العمرانية التقليدية. لقد كانت الأودية والسباخ والسواحل في المدن التونسية القديمة معالم حية تنظّم العمران وتمنحه معنى، لا فراغات قابلة للاستغلال. إن طمس هذه المعالم لا يعني فقط تغيير المشهد الطبيعي، بل محو هوية المكان وتحويل المدينة إلى فضاء هشّ، قابل للانهيار مع أول اختبار طبيعي. وهنا تستعيد أطروحة أولريش بيك حول «مجتمع المخاطر» راهنيتها، حيث تتحوّل نتائج القرارات التقنية والاقتصادية إلى أخطار معمّمة تطال الجميع، دون تمييز، وتعيد تعريف المدينة باعتبارها فضاءً للخطر بدل أن تكون فضاءً للحماية.
لقد كان احترام «حرمة الوادي» و«حرمة البحر» مبدأً مؤسسًا في الذاكرة العمرانية التونسية. فالفصل بين السكن والمجالات المائية، وترك مسافات أمان مع البحر، لم يكن مجرد اختيار تقني، بل قاعدة أخلاقية تشكّلت عبر التجربة التاريخية. هذا ما عبّرت عنه الحكمة الشعبية حين اعتبرت أن السكن القريب من البحر أو فوق مجرى الوادي لا يتمّ «دون ضرر». غير أن التعمير المعاصر، تحت ضغط الاستثمار العقاري، تجاهل هذه القاعدة، وفضّل الإسمنت على الماء، والربح السريع على الاستدامة، فانهارت التوازنات التي كانت تحمي المدينة وسكانها.
يعتمد هذا النمط من التعمير على تصور معماري يقدّس «الكتلة» ويتجاهل «الفراغ المائي»، وكأن المدينة تُبنى ضد الطبيعة لا معها. هذا التصور لا يعكس فقط فشلًا هندسيًا، بل أزمة فلسفية في فهم الفضاء، كما بيّن هنري لوفيفر حين اعتبر أن الفضاء يُنتَج اجتماعيًا وسياسيًا، وأن السيطرة على الطبيعة هي ممارسة للسلطة. فحين يُقصى الماء من المدينة أو يُدفن تحتها، لا يُقصى عنصر طبيعي فحسب، بل يُقصى نظام كامل من العلاقات والذاكرة والمعاني.
من منظور أنثروبولوجي، كان الماء في المدن التونسية التقليدية بنية اجتماعية ورمزًا ثقافيًا. فالمواجل والفسقيات والسبالات لم تكن مجرد تجهيزات مائية، بل فضاءات للتشارك والانتظار والاعتراف بالندرة، تنظّم العلاقات اليومية وتؤسّس لمعنى العيش المشترك. هذا البعد الرمزي يتقاطع مع ما ذهب إليه غاستون باشلار في تحليله لخيال المادة، حيث يمتلك الماء قدرة على تشكيل صور السكينة والاستمرارية والعمق في الوعي الجمعي. إن اختزال الماء إلى عنصر تقني أفقد المدينة هذا العمق، وقطع الصلة بين الإنسان وبيئته.
وتكتسب هذه الأزمة بعدًا أخلاقيًا أعمق حين تُقرأ في ضوء الإيكولوجيا الجذرية وكرامة الكائنات غير البشرية. فكما يؤكد آرني نيس، لكل كائن حي قيمة جوهرية في ذاته، لا تُستمد من فائدته للإنسان، والماء جزء لا يتجزأ من شبكة الحياة، لا مجرد مورد قابل للاستنزاف. إن تجاهل هذه القيمة يمثل انتهاكًا أخلاقيًا قبل أن يكون خطأً تقنيًا. وفي هذا الإطار، لا يعود الحق في الماء مقتصرًا على كونه حقًا إنسانيًا في الاستهلاك، بل يصبح حقًا للماء ذاته في الجريان والوجود داخل منظومة الحياة.
في السياق التونسي، يعني ذلك أن معالجة الفيضانات لا يمكن أن تظل حبيسة الحلول الهندسية الظرفية، بل يجب أن تُدمج في رؤية تشريعية وأخلاقية جديدة للتعمير. فالقانون العمراني، حين يسمح بالبناء فوق الأودية أو بتجاوز مسافات البحر، لا ينتهك الطبيعة فحسب، بل يهدّد كرامة الإنسان وحق الأجيال القادمة. وهنا تتقاطع الأخلاق البيئية مع الحقوق الأساسية، إذ يصبح احترام الماء شرطًا لاحترام الحياة ذاتها.
التشريع العمراني الحالي لا يزال أسير تصور تقني اختزالي للماء، يعامله بوصفه عنصرًا تابعًا للبنية التحتية، لا ككيان حيّ ذا وظيفة تنظيمية داخل المجال الحضري. في هذا المنطق، يُختزل الماء في قنوات صرف أو شبكات إخلاء، بينما يُغيب دوره البنيوي في ضبط توازن الفضاء وإعادة إنتاجه. والنتيجة أن التخطيط العمراني يُبنى ضد الجغرافيا لا معها، وضد الذاكرة المائية لا انطلاقًا منها، ما يحوّل المدينة إلى فضاء هشّ قابل للانهيار عند أول اختبار مناخي.
من هنا تبرز ضرورة الانتقال من منطق التدخل بعد الكارثة إلى منطق الوقاية القانونية، أي إعادة موضعة الماء داخل المنظومة التشريعية بوصفه حاملًا لحقّ أصيل في المسار والوظيفة والحماية. فالحق في الماء لا ينبغي أن يقتصر على ضمان النفاذ إلى مياه الشرب، بل يجب أن يشمل حقّ الماء في الوجود داخل المدينة، وحقّه في الجريان وفق مساراته الطبيعية، وحقّه في أن يُؤخذ بعين الاعتبار قبل أي قرار عمراني، لا بعد وقوع الضرر. بهذا المعنى، يصبح احترام الماء شرطًا مسبقًا لشرعية أي ترخيص بناء أو تقسيم عمراني.
إهمال هذا البعد الوقائي يجعل الفيضانات تُقدَّم سياسيًا وإعلاميًا بوصفها أحداثًا “استثنائية”، في حين أنها نتائج متوقعة لاختيارات تشريعية وتخطيطية سابقة. هذا التأطير الخاطئ يعطّل مبدأ المحاسبة، ويحوّل الكلفة البشرية والمادية إلى عبء يتحمّله المواطن، خصوصًا الفئات الهشّة، وتصبح حماية الماء جزءًا لا يتجزأ من الحقوق الأساسية للسكن والحياة الكريمة.
يطرح هذا الوضع من منظور سياسي وتشريعي إشكالًا جوهريًا يتعلق بأولويات الدولة: هل يُدار المجال العمراني بمنطق الاستثمار القصير المدى، أم بمنطق السلامة الجماعية والاستدامة؟ إن منح الأفضلية للمنطق الاستثماري دون إدماج مبدأ الوقاية البيئية بشكل ملزم يعني عمليًا نقل المخاطر من صانع القرار إلى المجتمع، وتقويض الثقة في السياسات العمومية. لذلك، فإن إدماج حقّ الماء في التشريع العمراني ليس ترفًا فلسفيًا أو عائقًا أمام التنمية، بل شرط أساسي لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن على قاعدة الحماية والعدالة.
يقتضى التحول المنشود الاعتراف بأن الأودية والمجاري المائية ليست “احتياطيًا عقاريًا” يمكن تعبئته عند الحاجة، بل مجالات ذات حرمة قانونية ووظيفة حيوية، ينبغي تحصينها من أي تغييرات اعتباطية في التصنيف. كما يقتضي ربط شرعية القرار العمراني بدراسات أثر مائي وإيكولوجي ملزمة تُنجز قبل الترخيص، وتُدمج نتائجها فعليًا في التخطيط العمراني. فالماء، في هذا الإطار، يصبح عنصرًا بنيويًا في مخططات التهيئة، لا عائقًا يجب تجاوزه.
بهذا المعنى، تتحول حماية الماء من مسألة تقنية إلى سياسة أمن جماعي، تُدرَج ضمن مفهوم موسّع للأمن الإنساني، حيث تُقاس سيادة الدولة بقدرتها على حماية شروط الحياة لا بقدرتها على السيطرة على المجال فقط. الدولة التي تدمج حقّ الماء في قوانينها العمرانية لا تحمي الطبيعة فحسب، بل تحمي مواطنيها، وتؤسس لعدالة بيئية تُنصف الحاضر وتحفظ حقوق المستقبل. وفي هذا التحول، لا يعود احترام الماء مسألة بيئية فقط، بل معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا لمدى تحضّر المدينة وعدالتها.
إن ما جرى في المرسى وغيرها من المدن ليس سوى صرخة من «ذاكرة الماء» المستلبة، تذكّرنا بأن المدينة التي لا تحترم ماءها لا يمكنها أن تحمي سكّانها. فالمدينة العادلة ليست تلك التي تُراكم الإسمنت، بل تلك التي تُنصت إلى جريان الماء، وتحفظ مساراته، وتبني معه لا ضده. حينها فقط يمكن للتشريع العمراني أن يتحوّل من أداة انتهاك إلى أداة رعاية، ومن منطق السيطرة إلى منطق الكرامة، مؤسّسًا لمدن تونسية أكثر عدلًا واستدامة.
بقلم: نوفل حنفى

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115