الوعـــي المصطنع

يبدو أنّ المشهد العام بالبلاد يحتاج إلى علماء اجتماع قبل أي شيء آخر

لتفكيك هذه الظواهر الغريبة التي ما انفكت تنمو وتتطور.... ظواهر تتعارض مع منطق العقل ومنطق التاريخ، فحين اعتمد النظام البورقيبي على احتكار السلطة وسياسة الحزب الواحد وجد من يقارعه ويقف في وجهه من بين الطلبة والمثقفين الذين كانوا يمثلون قلة قليلة في ذلك الوقت، بالرغم من شرعية ومشروعية الرئيس «الحبيب بورقيبة» زعيم الإستقلال وباني الدولة الوطنية وتحقيقه لمنجزات اجتماعية رائدة مازالت البلاد تستفيد من أثارها إلى اليوم، وكذلك الرئيس بن علي من بعده والذي لم تشفع له القفزة التنموية التي تحققت في بداية عهده من مواجهة معارضة حقوقية شرسة كانت من بين أسباب سقوطه

وأهم مانجحت فيه الدولة التونسية في الستينات والسبعينات خلق طبقة وسطى من معلمين وأساتذة وأكاديميين وأطباء ومحامين ومهندسين وموظفين كانت نتيجة لاستثمارها الهائل للدولة في مجال التعليم ...تلك الطبقة شكلت أرضية خصبة لتخرٌج جيل من الآكادميين والسياسيين والنقابيين والفنانين لم يتردد في الدخول في مواجهة حادة مع الزعيم بورقيبة والفرض عليه تقديم تنازلات له رغم القسوة الذي جوبه بها من الدولة.

صحيح أن تلك الطبقة الوسطي التي تشكلت في عهد بورقيبة تغيرت تركيبتها وأصابها بعض الوهن والاهتراء ببروز فئة الوكلاء والوسطاء وانتشار قيم التسلق والوصولية والربح السريع، لكن ذلك لم يمنع تلك أجيال الستينات والسبعينات والثمانينات والتي حملت مشروع الكفاح من أجل دمقرطة المجتمع والدفاع عن الحريات العامة والفردية من إيجاد أشكال جديدة لممارسة السلطة المضادة والصمود أمام القمع والتضييق والملاحقة زمن الرئيس بن علي.

وفي بداية مرحلة مابعد 2011 ساد الاعتقاد بأنّ المجتمع التونسب سيجني ثمار مسيرة الطويلة والمضنية لعدد كبي من أبناءه وأن الديمقراطية التونسية في طريق مفتوح ولن تجد صعوبات كبيرة في طريقها لما تحقق في تلك المسيرة من تجارب ومن تراكم ، إلاّ أنّه بعد عشر سنوات ما تبين عقم الأفكار والبدائل التي طرحت في مختلف إبان الثورة، غلم تعكس تلك البدائل « الوعي المتميز » الذي طالما كان يذكر عند مقارنة النخب التونسية بظيرتها العربية والإفريقية، فالعجز التام في ترجمة خطب وشعارات تلك النخب إلى سياسات وأدوات لتغيير الواقع ، والحديث عن النخب في هذا المجال ، ليس القصد منه المعنى الفئوي الضيق ، فالمقصود بالنخب هو العقل السياسي الذي أدار مرحلة ما بعد 2011 إلى حدود اليوم ، والذي ظهر في انفصال كامل عن التراكم التاريخي وعن العوامل الثقافية والإجتماعية المحيطة به، وتبين قصوره في إعراضه عن البناء عن المكتسبات الهامة التي سبقت 2011 والتي حاول إنكارها ونسفها، فكانت النتيجة إفرازه لمنظومة سياسية هشة وعجزه عن معالجة القضايا الإقتصادية والإجتماعية التي واجهها، وبما أن التاريخ لا يتسامح مع السذاجة فإن المنظومة التي أنتجها ذلك العقل وقع الإجهاز عليها من خلال النزاعات المستمرة بين المؤسسات التي أحدثها وبسب غموض وضعف جودة بعض النصوص المنظمة للعلاقة بينها، الشيء الذي استفاد منه رئيس الجمهورية في إعلانه ل25 جويلية بالحسم بميزان القوى

وكما يقول الدكتور محمد الزيلعي « التاريخ لا يعيد نفسه كما يشاع لكن الإنسان يكرر غباءه، فلم يختلف موقف مسار 25 جويلية من المرحلة التي سبقته بالتباين معها ونعتها بالعشرية السوداء وإعطاء شرعية لوجوده بالحرب عليها، وكذلك كان موقف قطاع هام من تلك النخب بإعلان ولائه وانخراطه العاطفي والإنفعالي للمسار الجديد بنفس عقلية خطاب ما بعد 2011، ودون أن يكلف نفسه تقييم واستخلاص الدروس والعبر من المرحلة التي كان في قلبها وجزء لا يتجزأ منها.

والغريب هو بلوغ البعض درجة الخضوع والإستكانة لكل ما يصدر عن الرئيس في سلوك خلناه ولٌى دون رجعة، والمثير للإستغراب أكثر هي السرعة التي تمت بها عودة الحكم الفردي وتقبلها بسهولة وكأنّ المجتمع لم يخفظ في ذاكرته، تجربتي بورقيبة وبن علي وكيف أديا بالبلاد في نهاية عهدتها إلى طريق مسدود وإلى اضطراب في انتقال للسلطة عبر انقلاب طبي في السابع من نوفمبر وفي ظروف فوضى وانتفاضة شعبية في جانفي 2011.

والعودة التي تشهدها فكرة « المستبد العادل» الذي له مطلق الحرية في محاربة الفساد واستنباط الحلول التي يراها مناسبة ، تطرح أكثر من تساؤل حول مستوى الوعي المدني والديمقراطي في صفوف المجتمع التونسي صحة ما حققه من تطور وهل أن الخلل في ذلك مرتبط بظروف استثنائية تمر بها البلاد أم أنه مرتبط بأصل المشروع المجتمعي والخيارات التي وقع اعتمادها منذ الإستقلال.، ورغم اتساع الفجوة ي بين الخطاب الرسمي المفعم بالوعود والحماس وبين واقع الأشياء الذي يزداد تأزما يوما بعد يوم ، فإن النخب مازالت عاجزة عن صياغة خطاب مضاد للخطاب الشعبوي الذي لم تبق من له من قوة سوى الفراغ غياب أية منافسة مسموعة له والدعم المطلق الذي يجده من شريحة anti système التي تتلذذ من ملاحقة وإيقاف السياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال باعتبار ذلك إنجازا ضد أعدائها.

وفي صور تواصل حالة الاستقالة والامبالاة فستواصل النخب دفع ثمن انخراط جزء منها خطاب تبريري وتأخرها في الوعي بالمخاطر التي تتهدد المكاسب الحقوقية والمدنية التي حققتها أجيال من النشطاء بتضحيات جسيمة على مر الحقبات.

لذلك الوضع اليوم يحتاج أكثر لغير السياسيين لأن الأولية هي التشخيص الدقيق للأمراض والعلات الذي تتخلله مما قد يفتح على وعي جديد ورؤية جديدة للأشياء.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115