الغرب وفلسفة حقوق الانسان: جدل الاتصال والانفصال

بين الفلسفة والسياسة:

يوم 16 نوفمبر الحالي، الذي يصادف الخميس الثالث من الشهر،

احتفلت النخب الثقافية باليوم العالمي للفلسفة الذي خصصته اليونسكو منذ ما يزيد عن عشرين سنة للتذكير بالقيمة الدائمة للفلسفة، حيث ساهمت منذ أقدم العصور في اضفاء معنى للحياة ونشّطت العقل البشري وطوّرت التفكير النقدي الحرّ، ورغم التقدم العلمي والتكنولوجي والمعرفي الهائل الذي عرفته البشرية، خاصة في العقود الأخيرة، الا ان حاجة الانسان الى «حب الحكمة»، مثل ما يشير أصل الكلمة اليوناني، يظلّ حيويا.

وبما انها تسعى الى «أنسنة الانسان» وإزلة البعض من توحشه والحدّ من أنانيته وتقوقعه وصقل اخلاقه وتذكيره بانه كائن اجتماعي، فقد اهتمت الفلسفة بالسياسة واشتغلت على النظم السياسية التي يمكن ان تحقق بعض من سعادة البشر وتخفف من عدائيتهم، وساهمت في التأسيس لقيم أخلاقية ثابتة، مثل الحرية ومبدأ التآخي بين البشر والمساواة ورفض الظلم والتعسف والحروب.. شغلت هذه المبادئ افلاطون في جمهوريته الفاضلة وابي النصر الفارابي وآرائه حول «اهل المدينة الفاضلة ومضاداتها» وايمانيول كانط ومشروعه للسلام الدائم بين البشر...وصولا الى جل فلاسفة الانوار والحداثة.

تنطع السياسة:

في المقابل قلّما اهتمت السياسة بالفلسفة واتسقت مع حكمها وانسجمت مع افكارها واتخذت مسلكها الأخلاقي، مثلما حدث في لحظات مضيئة من التاريخ مثل الثورة الفرنسية او الامريكية، حين استلهم الفاعلون الجدد جلّ الأفكار الثورية التي جاء بها فلاسفة الانوار، او بعد الحرب العالمية الثانية المدمرة التي أودت بحياة ملايين البشر، اغلبهم من المدنيين العزل ، حين اثبتت التجربة السياسية ان الأنظمة الديمقراطية لا تستطيع حماية نفسها من المنزلقات الخطيرة، رغم قوة مؤسساتها ، وهي قادرة على حمل وانجاب ايديولوجيات متوحشة مثل الفاشية والنازية ...لذلك، بعد الحرب، استعاد الغرب مفاهيم حقوق الانسان واسس لها ميثاقا أريد له ان يكون ملزما...

حق الانسان الطبيعي:

اذن فالفلسفة هي التي اكدت على العلاقة الوثيقة التي تربط بين حقوق الانسان والحق الطبيعي في الحياة والكرامة والحرية...وحتى القوانين الوضعية ليس لها معنى خارج الحق، ببعده الفلسفي، فالقانون، كما قال أحد الفلاسفة «لا يؤسس للحق بل بالعكس الحق هو الذي يجب ان يؤسس للقانون، والقوانين لها وظيفة واحدة: حماية الحقوق.» فالحق مرافق للطبيعة الإنسانية وملازم لحياة البشر منذ الولادة، ولكي تكون القوانين والتشريعات عادلة، يجب ان تتوافق مع الحق الطبيعي للإنسان وتظل الحكومات هي الحامية لهذه الحقوق الإنسانية شرط ان تعكس إرادة المجموعة البشرية التي تحكمها، وهي كذلك التي تسعى للمحافظة على «العقد الاجتماعي» الرابط، وتحرص على الموازنة بين السلطة والحرية، فان حادت عن هذا المنحى، أصبحت مارقة ومستبدة ووجب مواجهتها...

ولفترة ما ظهر وكأن الدول الغربية بنموذجها الديمقراطي تماهت مع البعد الإنساني الذي ارادت ترسيخه الفلسفة، ظهر ذلك في شعارات الثورات ودساتيرها وادبياتها، ثم في المواثيق والعهود التي التزمت بها والهياكل التي اسستها مثل الأمم والمتحدة والمجلس الأعلى لحقوق الانسان ومحكمة العدل الدولية وبدا وكأن القيم الإنسانية، ببعدها الأخلاقي، هي التي تحكم العلاقات داخل المجتمعات وبين الدول.

بين التحضر والبربرية:

لكن ما لذي شوّه حقوق الانسان اليوم؟ كيف طعنت الحكومات الغربية، او جلها، في ارثها القريب والبعيد؟ هي، في اعتقادي، الثقافة الاستعمارية التي تأبى ان تضمحل رغم مرور الزمن ورغم الحروب والماسي ورغم القوانين والمواثيق الدولية، هي ارث تلك الثقافة النفعية التي رافقت كريستوف كولومبس والحروب التي شنت على المستعمرات في افريقيا واسيا في القرن التاسع عشر، فالسردية التي تبنى اليوم على أساس ان إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة وهي التي تختزل الحضارة الغربية، وبالتالي من حقها إبادة «الوحوش البشرية» في فلسطين ، اكانوا مقاومين أو مدنيين عزّل، هي نفسها التي قامت عليها السرديات السابقة، ولا يهم ان كانت الأيديولوجية المتعجرفة تسعى الى تذويب الاخر واستيعابه او ابادته ، واما وثائق حقوق الانسان والالتزامات الأخلاقية التي ساهم في تأصيلها الغرب فينطبق عليها ما قاله الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين Walter Benyamin من ان : «كل وثيقة من وثائق الحضارة، هي في الوقت نفسه وثيقة من وثائق البربرية» اذ يظلّ الامر مرتبطا بكيفية عرضها وتأويلها ،والاّ فمن كان يعتقد ان فرنسا ،بلد «اعلان ميثاق الانسان والمواطن « الوثيقة الأساسية التي جاءت تتويجا لجهود مفكري وفلاسفة الانوار، ستمنع الحق في التظاهر والتعبير عن الرأي بدعوى منع معاداة السامية؟ معاداة السامية التي أصبحت أداة للتوظيف السياسي ومحاولة يائسة لاحتواء التعاطف المتصاعد مع القضية الفلسطينية...

في أواخر شهر أكتوبر الماضي ، نشرت صحيفة اوريون 21 الالكترونية شهادة، ناي الكرمل ، طالبة فلسطينية تدرس حقوق الانسان في فرنسا قالت انها جاءت الى باريس للدراسة ، لأنها معجبة ببلد «الحرية والمساواة والاخوة» وهربا من مجتمع ابوي انهكها في الأردن وقزمها ، جاءت تحمل معها الاحلام بالتعبير عن رائيها والتظاهر ضد كل القوانين الجائرة ، لتكتشف مع بدء جرائم الإبادة في غزة انها ممنوعة من التظاهر ومهددة بسحب اقامتها ان هي عبرت عن تضامنها مع شعبها المقموع : «اجد اليوم نفسي بين خيارين ، مساندة شعبي وممارسة حقي في التظاهر او حماية مستقبلي ومستقبل عائلتي في هذا البلد الذي يرفض الاعتراف بإنسانية شعب بأكمله انتهكت ضدّه جميع القوانين الدولية».

بوادر امل:

لكن اعتقد انه من واجبنا تفادي التعميم ، اذ هناك قطيعة حقيقية بدأت تظهر بين الحكومات المنحازة وبين نخبها الفاعلة والمؤثرة التي مازالت متمسكة بالقيم الأخلاقية لحقوق الانسان ، فالعريضة التي أمضاها اكثر من 750 صحفيا من وسائل اعلام غربية معروفة منذ اكثر من أسبوعين أحدثت ضجة وارغمت غرف الاخبار على بعض التراجع عن التعتيم ، فقد ادان الصحفيون قتل زملائهم من قبل الجيش الإسرائيلي في غزة وانتقدوا التغطية الإعلامية المنحازة والصمت تجاه ما وصفوه «بالفظائع التي ترتكب في حق الفلسطينيين» ونبهو الى خطورة ممارسة المعايير المزدوجة والمغالطات ، كما ان المظاهرات التي عرفتها عديد العواصم الأوروبية والتي جاءت بعد نقل الصور المروعة للإبادة الجماعية في غزة ايقظت الضمائر الحيّة التي مازالت متمسكة بالقيم الإنسانية ، رغم المغالطة و الحصار والتضييق والمنع...

كما ان المقاومة اعادت القضية الفلسطينية الى موقعها الطبيعي كحركة تحرر وطني وفق معادلة جديدة، وسيكون التفاوض مستقبلا وفق شروط مغايرة وسردية لم تعرفها القضية الفلسطينية خلال العقود الماضية.

ولئن كشفت الحرب الأخيرة على غزة هشاشة القيم الإنسانية لدى عديد الحكومات الغربية، فإنها أعطت النظام الرسمي العربي مهلة أخرى حتى يستغل القضية الفلسطينية ويستثمر في الرفض الشعبي للغرب و»قيمه الإنسانية الزائفة» ، وذلك في انتظار ان يستفيق المواطن العربي ويدرك ان فلسفة حقوق الانسان أسس لها تاريخ ثقافي طويل يرشف من كل الثقافات لذلك هي تتسامى عن أي توظيف ، وحين يدرك المواطن ذلك سيتفطن ان الحرية لا تتجزأ وانه يستحقها هو أيضا في بلاده وان اسرى الانظمة في سجون بلاده، تماما مثل الاسرى الفلسطينيين في إسرائيل ، لهم الحق في استنشاق الحياة خارج أبواب السجون العربية المظلمة.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115