72 ساعة لتقديم تصورات لتونس بعد 40 سنة !!

وأخيرا التأمت يوم أمس الجلسة الأولى للجنة الاقتصادية والاجتماعية للهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة بمن حضر من المدعوين الاصليين

وبمن عوض في اللحظات الأخيرة العدد الهام من الشخصيات والاحزاب والمنظمات التي قررت الاعتذار عن الحضور أو عن مقاطعة أعمال هذه اللجنة..

الأكيد ان لكل من حضر أسبابه ولكل من غاب أو قاطع كذلك ولكن الذي لفت بالخصوص نظرنا هو دعوة العميد الصادق بلعيد المنسق العام لهذه الهيئة الحضور إلى تقديم ورقة تتكون من صفحتين فقط في اجل لا يتجاوز 72 ساعة، تحتوي الصفحة الاولى على تصور صاحبها لما ينبغي أن تكون عليه تونس بعد 40 سنة (نعم هكذا !!) والثانية على الآليات والنصوص والمقترحات الدستورية التي يمكن لهاان تترجم هذه المقترحات في نص الدستور الجديد ..

لا ندري على وجه الدقة من هو صاحب هذا المقترح..هل هو العميد الصادق بلعيد بمفرده أم انه نبع من تفكير جماعي للقائمين على هذه الهيئة ولكننا في كل الاحوال امام تصور غريب للاستشراف وللتفكير معا..
ماذا ينتظر أصحاب هذه المبادرة من هذه الورقات التي قد تقدم اليهم ؟ استشرافا؟ فكرا؟ رغبات؟ تهويمات؟حديث مقاه أو صالونات ؟
هل هنالك ادنى جدية لاقتراح افق 2060 لقدح افكار الحاضرين يوم السبت بدار الضيافة ؟

لا نعتقد ذلك خصوصا انه لا توجد اليوم بتونس جهة أو شخصية أو خبير أو عالم له الحد الادنى من الجدية يمكنه(ها) استشراف هذا البعيد انطلاقا من لا شيء ودون دراسات متعددة ومتداخلة تمزج بين التحولات الجيوسياسية المتوقعة مع التطورات العلمية الممكنة وتطبيقاتها التكنولوجية وما ينجر عنها من طرق انتاج واستهلاك وعيش جديدة ويضاف اليها ضرورة التطورات المناخية وانعكاساتها على البيئة والمحيط والحياة البيولوجية..ثم نتصور بعد ذلك مختلف السيناريوهات المحلية على المستوى الديمغرافي أولا لأننا وقبل أفق 2060 بكثير سنكون مجتمعا قد ارتفع فيه معدل السن بشكل كبير ويتجاوز فيه عدد الذين تجاوزوا الستين عدد من هم دون العشرين مع ما يعني كل هذا من تغير نظرتنا للعمل وللتقاعد وللمنظومة الصحية ولمهن المرافقة لمئات الآلاف من الذين سيتجاوزون سن الثمانين سنة ..
ثم ماهي مهن الغد وكيف نستبقها في منظومة التعليم والتكوين على حد سواء..وكيف ستكون المدينة والمحيط والمواصلات والاتصالات..

وكيف سيكون وضعنا في سلم القيم الاقتصاديةالعالمية .. بعبارة أخرى كيف سيكون وضع العالم ووضع منطقتنا ووضع بلادنا بعد اربعة عقود ؟ هل فكر احد من المنظمين أو المدعويين في هذه المسألة ؟ نفضل عدم الاجابة..

ثم إن المختصين في مجال الاسشتراف سيقولون لك - لو دعوتهم- ان أفق 40 سنة لا معنى له لسبب بسيط وهو أن توقع مآلات عقد أو عقدين من الزمن مسألة معقدة للغاية ونتائجها غير مضمونة بالمرة فما بالك بإضافة عقدين في المستقبل (ما بين 2040و2060) انطلاقا من نتائج مفترضة لسنة 2040 ؟
طبعا ينبغي أن نفكر في المستقبل ولكن افق التفكير الجدي العلمي المنطلق من دراسات متعددة ومتداخلة لا يمكنه،في الأغلب الأعم ، تجاوز العقدين من الزمن لأن تطور المستقبل لا ولن يكون في خط سوي بل ينبغي افتراض المنعرجات الكبيرة والانكسارات والأزمات والقدرة على الاجابة عن أسئلة لم تطرح بعد مثل كيف ستتصرف الولايات المتحدة الامريكية عندما تتجاوزها الصين اقتصاديا ؟ هل سنشهد حربا من صنف مختلف تتعدد فيها الاوجه من العسكري الى السياسي والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والنقدي والمالي؟ وماهي صورة العالم بعد عقدين فقط عندما تكون الصين هي القوة الاولى عالميا؟
استشراف المستقبل يقتضي معارف متعددة وطريقة تفكير غير نمطية تفكر في المنعرجات والانكسارات أثر بكثير مما تفكر في التطورات الخطية..ثم وقبل كل شيء،اي دخل لهذا في صياغة دستور 2022؟ وهل نريد صياغة نص يضمن قواعد العيش المشترك في مجتمع ديمقراطي متضامن ام نريد صياغة وثيقة جديدة في «الخيال العلمي»؟

الواضح أن هذه الهيئة تطلب فقط تخمينات وحديث مقاه وصالونات من صنف: نريد ازدهارا اقتصاديا وبنية تحتية حديثة ومدرسة متفوقة وعدالة جبائية وتوزان بين الجهات ودولة اجتماعية وقطاع خاص حيوي واقتصاد اجتماعي وتضامني فعال وناطحات سحاب وتنمية مستدامة.. وبناء اتحاد مغاربي قوي و...و...و...

نحن هنا في مجال الرغبات وهذا لا يستوجب 72 ساعة بل 72 ثانية على الأقصى..
لا نريد التجني على أحد ولكننا أمام قمة العبث وتراجيديا اللامعنى.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115