في مشهدية التطهير

ماذا يريد أن يقول لنا رئيس الدولة من خلال المجلس الوزاري الأخير وما تبعه من مرسوم نقح به المرسوم المحدث للمجلس الأعلى للقضاء وأمر رئاسي في إعفاء 57 قاضيا ؟

الرسالة الظاهرة هي أن هياكل القضاء - بما فيها المجلس الأعلى المؤقت الجديد- غير قادرة على إصلاح القضاء وعلى إبعاد القضاة المتورطين في شبهات الفساد المالي أو التواطؤ مع الإرهاب والتعتيم على قضايا الاغتيالات السياسية وأن تدخل رئيس الدولة كان ضروريا وتاريخيا في ذات الوقت حتى يطهر القضاء من الفاسدين (بمختلف أصناف الفساد) ويُحرر بالتالي بقية القضاة من كل ضغط سياسي يمارس عليهم من قبل لوبيات سياسية ومالية لها جميعها أذرع داخل أروقة القضاء .
غني عن القول أن السلطة التنفيذية غير مؤهلة دستوريا للحكم على الأشخاص مهما كانت الجرائم أو التهم المنسوبة إليهم هذا إذا ما أخذنا بالحد الأدنى من المبدإ المشهور القائم على الفصل بين السلط..ثم إن مقاضاة الأشخاص تخضع بدورها لمبادئ أضحت كونية اليوم ومن أهمها قرينة البراءة والتحقيق القضائي في أدلة الإدانة وأدلة البراءة أيضا ثم المحاكمة العادلة التي تضمن فيها حقوق الدفاع .

قد يقول أحدهم إن الرئيس لم يحاكم هؤلاء القضاة بل اكتفى بإعفائهم فقط ثم أحال ملفاتهم للقضاء ليقول كلمته فيهم.. ولكن هذا الإعفاء الصادر عن السلطة التنفيذية لا يحول دون التتبع الجزائي وعدم السماح للقضاة المعفيين بالطعن في هذا القرار إلا بعد حكم قضائي بات (ابتدائي واستئنافي) أي بعد سنوات من قرار الإعفاء (من سنتين إلى خمسة أعوام حسب المعدل العادي للقضايا المماثلة) مع ما يعني هذا من التشهير بالأشخاص وقطع للأرزاق وتحطيم للمعنويات وذلك كله قبل الإدانة القضائية..

ثم هل كل هؤلاء القضاة فاسدون أو متواطؤون مع الإرهاب فعلا ؟ هنالك اليوم شهادات عديدة من قضاة مشهود لهم بالنزاهة في كل العهود يقولون إن من بين هؤلاء القضاة المعفيين قضاة ذنبهم الوحيد عدم تطبيق «التعليمات» أو التعبير عن مواقف رافضة للخروقات الدستورية والقانونية التي جدت خلال هذه الأشهر الأخيرة..

والمحيّر في كل هذا انه كان بإمكان رئيس الدولة وفق منطوق المرسوم الرئاسي المحدث للمجلس الأعلى للقضاء المؤقت الصادر في 12 فيفري 2022 أن يعفي من شاء من القضاة إذ ينص الفصل 20 من هذا المرسوم بكل وضوح انه «لرئيس الجمهورية الحق في طلب إعفاء كل قاض يخل بواجباته المهنية بناء على تقرير معلل من رئيس الحكومة أو وزير العدل وفي هذه الحالة، يصدر المجلس المعني المؤقت للقضاء فورا قرارا بالإيقاف عن العمل ضد القاضي المعني.ويبت في طلب الإعفاء في اجل أقصاه شهر واحد من تاريخ تعهده بعد توفير الضمانات القانونية للمعني بالأمر، وفي صورة عدم البت في القضية في الأجل المحدد لرئيس الحكومة أو وزير العدل التعهد بالملف لإجراء الأبحاث اللازمة خلال خمسة عشر (15) يوما قبل إحالته على رئيس الجمهورية الذي له عندئذ سلطة اتخاذ قرار الإعفاء».

إذا ما توفرت كل هذه الإمكانيات لرئيس الجمهورية فلماذا يحصل إذن اللجوء إلى مثل هذه الإجراءات التي تدوس حقوق الإنسان وتشهر بالقضاة الذين زج بهم في سلة واحدة ومن ثمة لا تخدم هذه المعركة القضاء في شيء ؟

الخشية كل الخشية أن نكون بصدد حملة انتخابية متواصلة تكاد تخفي اسمها منذ سنتين ونصف، حملة ازدادت مشهدية ونحن على بعد أسابيع قليلة من استفتاء 25 جويلية والذي يريد الرئيس من ورائه التأسيس لجمهورية جديدة.
بلادنا أهدرت كل فرص الإصلاح منذ 14 جانفي 2011 إلى اليوم وأخشى ما نخشاه أن يتواصل إهدار هذه الفرص وأن تستمر سياسة المرور بقوة حتى لو كان ذلك على حساب المبادئ الأساسية لدولة القانون والقواعد الدنيا للعيش المشترك.
نقول ونكرر أن التدارك مازال ممكنا شريطة التخلي عن الانفراد بالرأي وفرض أمر واقع جديد من موقع حجة القوة لا قوة الحجة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115