احتدت الخلافات بين السلطة التنفيذية واتحاد الشغل: الكل يستعد للمواجهة في الأيام القادمة

يبدو ان حكومة نجلاء بودن وجدت نفسها محاصرة في الصراع الدائر بين رئاسة الجمهورية والاتحاد العام التونسي للشغل، مما دفعها الى البحث عن «مخرج»

تؤمنه الرئاسة لها لدفع المفاوضات مع صندوق النقد الدولي الى النجاح وتجاوز «شرط» الاتحاد بان تكون خطة الاصلاحات جزءا من ملفات الحوار الوطني الشامل.
بحث عن الاستنجاد بالرئاسة للخروج من الوضعية الصعبة التي باتت فيها الحكومة كشفه اللقاء الذي عقد امس بين قيس سعيد رئيس الجمهورية ونجلاء بودن رئيسة الحكومة، فسعيد الذي يعتمد على «الترميز» والتلميح اختار امس ان يحدث بودن عن مضمون الكتاب الذي طالعه قبل لقائه معها. وهو كتاب «العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية» لصاحبه الطاهر حداد.

وقد استدل بفقرة منه اعتبرها تصيب عصافير عدة بحجر واحد فهي تؤصل للشركات الاهلية باعتبارها مطلبا تونسيا منذ حركة التحرر الوطني دافع عنه محمد على الحامي احد رموز الحركة النقابية في تونس، وثانيا التلميح الى ان الحركة النقابية في نشأتها انطلقت بالبحث عن بدائل اقتصادية تضمن للشعب سيادته على ثرواته وتوفر له حلولا جديدة وليس عقبة امام تطوره.

استعارة الرئيس لفقرة من كتاب الطاهر حداد مراده صريح وواضح وهو انتقاد الاتحاد العام التونسي للشغل ومواقفه من «سياسات الرئيس» وهو خيار اراد من خلاله الماسك بالسلطة التنفيذية ان «يرسخ صورة مفادها ان «الاتحاد يفتعل العقبات ضد التطوير» وهنا العقبات لا يحددها الرئيس بل يترك للمستمع تحديدها في ظل السياقات الراهنة.

سياقات تتمثل في احتدام الازمة السياسية والاقتصادية والمالية، ازمة طالب الاتحاد بان تقع معالجتها في اطار مقاربة شاملة لا يقع الفصل فيها بين السياسي والمالي والاجتماعي والاقتصادي، وطالب هنا بان لا ينحصر الحوار القائم بين الماسكين بالسلطة التنفيذية والاتحاد في ملف المفاوضات مع صنودق النقد الدولي وخطة الاصلاحات الكبرى فقط.

خطة كشف الاتحاد عن انه يرفض جملة من بنودها وهي «رفع الدعم وتجميد الاجور لخمس سنوات وثالثا التفويت في المؤسسات العمومية» وفق ما صرح به نور الدين الطبوبي الامين العام للاتحاد اول امس الجمعة في افتتاح اشغال المؤتمر الجهوي للاتحاد بالمنستير.
كلمة الطبوبي حملت رفضا صريحا لخطة الاصلاح بل تضمنت اعلانا من الامين العام ان المنظمة طلبت من وفد الصندوق «ارجاء» الاصلاحات الى حين الوصول الى توافق داخلي شامل»، طلب لم يكن متناقضا مع موقف الاتحاد السابق المتمثل في التمسك بتوحيد مسارات الاصلاح، السياسي والاقتصادي المالي والاجتماعي في «مسار» ينطلق بحوار وطني. لكن هذا الطلب الذي سبق والمح اليه الاتحاد في مناسبات عدة، والقصد منه اعلان انه غير موافق كليا على مضمون خطة الاصلاحات التي تقدمت بها الحكومة، كان سبب «غضب رئيسة الحكومة» وفق تصريح الطبوبي الذي قال ان رئيسة الحكومة تريد ان تحمل منظمته «ضياع الفرصة « مع صندوق النقد الدولي، انظر مقال دنيا حفصة الصفحة 4.

هنا تتضح عناصر الصورة اكثر وننتقل الى «المستقبل» الذي وقع التحذير منه في مناسبات عدة، وهو تعثر المفاوضات مع الصندوق لعدم تحقيق الشروط الموضوعية لنجاح المحادثات معه، والشروط سبق واعلنها الصندوق في بياته وهي «توافق داخلي واسع» على خطة الاصلاح ودعم المنظمات الاجتماعية للخطة، وهنا يتحدث الصندوق عن منظمة الاعراف وعن اتحاد الشغل اللذين اعتبرا موافقتهما شرطا اساسيا.

لكن هذه الموافقة ومنذ اشهر عدة كان جليا انها غير متوفرة، والسبب هو الازمة السياسية التي طالب الطبوبي في بداية فيفري الفارط بان يقع جمعها مع المسار الاقتصادي في حوار وطني ينتهى بتوافقات وطنية واسعة تشمل الاصلاحات المنتظرة ، السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية.
طلب الاتحاد من الحكومة ان تنقله الى الرئاسة وان تقنعها به، لكن رئاسة الجمهورية تتمسك بموقفها الرافض للتشاور والحوار مع اي جهة والتشبث بان يكون مسار الاصلاح السياسي منفصلا عن مسار الاصلاح الاقتصادي الذي يطالب الرئيس بان ينخرط فيه الاتحاد دون «اشتراطات» او تحفظات.
امام هذا الانسداد وجدت الحكومة نفسها عاجزة عن تحقيق شروط الصندوق لضمان الوصول الى اتفاق ممدد يسهل على البلاد الخروج الى الاسواق المالية لتعبئة موارد دونها ستقع البلاد في ازمة مالية عمومية حادة تمهد الى تعثرها عن سداد ديونها وهذا ان تم سينهار سقف البيت على الجميع.
سقف يبدو ان محاولة منع انهياره ستكون «المواجهة» بين الطرفين السلطة التنفذية والاتحاد، فإذا كانت حسابات الاتحاد تقوم على الضغط من اجل دفع الرئاسة الى مراجعة خياراتها فان السلطة اليوم يبدو انها «اعدت» عدتها للصدام المفتوح مع الاتحاد.

صدام دقت طبوله عبر تبنى انصار الرئيس وداعميه في شبكات التواصل الاجتماعي التي باتت تتحرك بشكل منسق مع الرئاسة لتحقيق شعار « الشعب يريد» وهذه المرة الشعب يريد «حل الاتحاد» وفق ما تسوقه صفحات محسوبة على تنسيقيات الرئيس وشخصيات من محيطه القريب.
حشد الشارع وتاليبه على الاتحاد انطلق والخشية ان تنتهى الامور الى الصدام الذي بات غباره بارزا في الافق ولا منقذ منه الا ان يتدارك كل طرف الامر ويبحث عن «عقلنة» الخلافات وادراتها في اطار يسمح للبلاد بان تتجنب الانهيار.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115